أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - المادة والوعي!














المزيد.....

المادة والوعي!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 18:17
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بقلم : د . ادم عربي

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل العالم، ظل سؤال: "ما المادة؟" واحدا من أكثر الأسئلة الفلسفية تعقيدا وإثارة للجدل. لكن قبل الإجابة عنه، ينبغي أولاً أن نفهم معنى"التعريف" نفسه. فنحن حين نعرّف شيئاً ما، نربطه دائماً بما هو أعمّ منه. فنقول: الإنسان حيوان، والهيدروجين غاز، والنحاس معدن. أي إننا نُرجِع الخاص إلى العام، والجزئي إلى الكلي.
فالإنسان ينتمي إلى عالم الحيوان، لكنه ليس كل الحيوان. والهيدروجين نوع من الغازات، لكنه لا يختزل الغازات كلها. هكذا يعمل المنطق في كل تعريف: يبدأ من الأوسع ثم ينتقل إلى الأخص.
لكن ماذا عن "المادة" نفسها؟
هل يوجد شيء أعمّ من المادة حتى نعرّفها من خلاله؟
هنا تظهر المعضلة الفلسفية الكبرى؛ فالمادة ليست جزءاً من شيء أشمل منها، بل هي الإطار الأعم الذي يحتوي كل الأشياء. كل ما نعرفه ، من الذرة إلى المجرة، ومن الإلكترون إلى النجم ، ليس سوى صور مختلفة للمادة. لذلك يصعب تعريف المادة بالطريقة التقليدية التي نعرّف بها الأشياء الأخرى، لأنها ليست نوعاً داخل جنس أكبر، بل هي الأساس الذي تندرج تحته الموجودات جميعآ.
ولهذا لا يمكن اختزال المادة في شيء محدد، كأن نقول إنها الذرات أو الجسيمات أو الطاقة فقط. فالمادة ليست البروتون وحده، ولا الإلكترون، ولا الكوارك، ولا الكواكب والنجوم والثقوب السوداء، بل هي الجوهر المشترك الذي تتجلى عبره هذه الأشياء جميعآ.
ومن هنا أيضآ يصبح من الخطأ الفصل الحاد بين "المادة" و"الطاقة"، كما لو كانتا حقيقتين منفصلتين. فالطاقة ليست شيئآ خارج المادة، بل شكل من أشكال وجودها. وكذلك التعريف المدرسي الشائع للمادة بأنها "كل ما له كتلة ويشغل حيزاً" لم يعد كافياً فلسفياً ولا علمياً؛ لأن بعض الجسيمات، كالفوتون، لا تمتلك كتلة سكونية، ومع ذلك لا يمكن اعتبارها "لامادية".
أما الوعي، الذي يستند إليه المثاليون غالبا لإثبات وجود عالم غير مادي، فلا يشكل دليلاً على وجود حقيقتين منفصلتين. فالوعي، وفق النظرة المادية، ليس عالماً قائماً بذاته، بل خاصية نشأت من تطور المادة نفسها في أعلى درجات تعقيدها: وتتمثل بالدماغ البشري.
فالإنسان لم يهبط عليه الوعي من خارج الطبيعة، بل إن الطبيعة، عبر تطورها الطويل، وصلت في الإنسان إلى مرحلة أصبحت فيها المادة قادرة على إدراك نفسها. ولهذا لا وجود لوعي منفصل عن الدماغ الحي، ولا لوعي سابق على الإنسان والمجتمع البشري.
إن الصورة الذهنية الموجودة في وعينا لا تعني أن الشيء نفسه موجود داخل الدماغ. فعندما ترى شجرة ثم تغمض عينيك، تبقى صورتها حاضرة في ذهنك، لكن الشجرة نفسها ليست داخل رأسك. الموجود في الدماغ هو "التمثل الذهني" للشجرة، لا الشجرة ذاتها. وكما أن صورتك في المرآة ليست موجودة داخل الزجاج، بل هي انعكاس لوجودك الحقيقي، كذلك الصور الذهنية ليست أشياء مستقلة، بل انعكاسات للواقع الموضوعي.
ومن هنا تؤكد المادية أن الوعي مرتبط دائما بالعالم الخارجي. فلا يمكن للعقل أن ينتج صوراً من فراغ مطلق أو ليس لها أصل من الواقع الموضوعي ، ولا أظنٌ أنَّ أحداً قبل ألف عام رأى في منامه مصعداً كهربائياً . حتى أكثر الخيالات غرابة تتكون من عناصر مأخوذة من الواقع. فالشجرة التي تحمل ثماراً من ذهب، حسبما نتخيل، لا وجود لها في الطبيعة، لكن عناصرها موجودة: الشجرة موجودة، والذهب موجود، والخيال أعاد تركيب هذه العناصر في صورة جديدة.
حتى التصورات الدينية والميتافيزيقية، مهما بدت متعالية، تتشكل عبر عناصر بشرية مستمدة من الواقع. فالإنسان لا يستطيع تخيل شيء بلا أي جذور حسية أو واقعية، بل يعيد دائما ًا تشكيل الواقع داخل الخيال.

لكن الوعي، رغم قدرته على التخيل والإبداع، لا يخلق المادة ولا يخرق قوانينها. فكل فعل إنساني هو في النهاية تفاعل مادي. عندما يرفع الإنسان حجراً، لا يحدث ذلك بقوة الفكر المجرد، بل عبر حركة عضلية وطاقة مادية وعلاقة فيزيائية مباشرة.
وفي المقابل، فإن الواقع مستقل عن وعينا. نستطيع أن نغيّر أفكارنا عن شجرة التفاح كما نشاء، لكن ذلك لا يغيّر الشجرة نفسها. أما إذا تغيرت الشجرة في الواقع، فإن وعينا مضطر عندئذ إلى تعديل صورته عنها. ومن هنا تنشأ أهمية الفكر العلمي: أن يجعل صورنا الذهنية أكثر توافقا مع الواقع الموضوعي المتغير.
ومع ذلك، فإن "المادة العامة" لا توجد في الواقع بوصفها شيئاً منفصلاً قائماً بذاته. الموجود دائمآ هو الأشياء الفردية الملموسة: هذا الإنسان، وهذه الشجرة، وهذا الحجر. أما "الإنسان العام" أو "المادة المجردة" فهما مفهومان ذهنيان نستخدمهما للتعميم والفهم.
غير أن كل فرد من الأشياء يحمل داخله شيئآ عاما يشترك فيه مع غيره. فشجرة التفاح الفردية تختلف عن كل الأشجار الأخرى، لكنها تشترك معها في صفات النبات، وتشترك مع الكائنات الحية في خصائص الحياة، وتشترك مع سائر الموجودات في خصائص المادة ذاتها. وهكذا يجتمع في كل شيء جانب فردي فريد، وجانب عام يربطه بالعالم كله.
ومن هنا تنبع فكرة "وحدة العالم المادي". فمهما اكتشف العلم من أنواع جديدة للمادة أو من جسيمات أصغر من الكوارك، فلا بد أن توجد بينها وبين بقية الموجودات خواص مشتركة تجعلها تنتمي إلى العالم نفسه.
ومن أهم هذه الخواص: التغير الدائم. فلا شيء ثابت بصورة مطلقة. كل شيء يتحرك ويتبدل ويتحول باستمرار. وكذلك لا وجود لشيء خارج الزمان والمكان؛ فكل موجود هو "زمكاني" بطبيعته، أي يوجد داخل علاقة لا تنفصل بين الزمان والمكان.
لهذا فالمفاهيم الفلسفية نفسها ليست نهائية أو مقدسة. تعريف المادة ليس حقيقة جامدة أغلقت أبوابها إلى الأبد، بل مفهوم يتطور مع تطور المعرفة البشرية والعلم. فالتعميم لا يحتاج إلى معرفة كل تفاصيل الكون، بل إلى اكتشاف السمات المشتركة التي تكشف وحدة الأشياء رغم اختلافها.
وفي النهاية، يبقى السؤال المركزي للفلسفة المادية قائماً:
ما هي الخاصية أو السمات المشتركة التي تجعل كل هذه الموجودات المختلفة تنتمي إلى واقع واحد نسميه "المادة"؟



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتزيّن الدينُ بلباس الفيزياء!
- عبيد الدَّيْن: البنية الخفية للرأسمالية المالية المعاصرة
- بمناسبة الاول من أيار في يوم العمَّال العالمي!
- -التنكنيك- الشعري وأهميته!
- الشحارير لا تغني وحدها!
- امرأة تعتلي الغياب!
- هل الشعوب مسؤولة عن هزائمها؟!
- لنتعلم من الطبيعة ، فهي خيرُ مُعلم!
- في دولة الحقوق!
- في صناعة التاريخ!
- العودة إلى البداية: الاتصال الإنساني في دورته الحلزونية!
- في الملكية الفكرية: بين الاحتكار والمشاعية!
- الحركة بين الفيزياء والفلسفة!
- نشوة العدم!
- الانتقال والسفر عبر الزمن!
- سيناريوهات محتملة للحرب على إيران!
- وهم الدولة المقدسة!
- مرافئ العبث!
- مدخل لفهم الديالكتيك!
- رثاء الحضارة!


المزيد.....




- إسرائيل تُعلن استهداف القائد العسكري الأبرز في -حماس- عز الد ...
- أمريكا تُعلن تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 4 ...
- إسرائيل تعلن استهداف رئيس الجناح العسكري لحركة حماس في غزة، ...
- إسرائيل تعلن اغتيال قائد الجناح العسكري لحماس في غارة على غز ...
- هل عاد ترامب من قمته مع شي في بكين بخفي حنين؟
- من شقة الاختباء حتى القصف.. تفاصيل اغتيال الحداد
- فيديو.. اللحظات الأولى لاغتيال الحداد في مدينة غزة
- وزير خارجية الصين: شعرنا أن ترامب يتفهم موقف بكين من تايوان ...
- تفشٍ جديد لفيروس إيبولا يودي بحياة 65 شخصاً بالكونغو الديمقر ...
- زلزال بقوة 6.3 درجات يضرب شمال اليابان دون صدور تحذيرات من ت ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - المادة والوعي!