أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - الحتمية الماركسية ونقيضها الديني















المزيد.....

الحتمية الماركسية ونقيضها الديني


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 20:34
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ أن بدأ الإنسان يتأمل العالم من حوله، لازمته أسئلة لا تنتهي: لماذا تحدث الأشياء؟ وما الذي يجعل حدثا معينا يقع دون غيره؟ وهل تسير الأحداث وفق قوانين ثابتة، أم أنها ثمرة إرادة عليا تحددها مسبقا؟
إن هذا السؤال البسيط في ظاهره قاد إلى رؤيتين فلسفيتين مختلفتين تماما. الأولى هي الرؤية الدينية القدرية التي ترى أن كل ما يقع في الكون قد كُتب وقُدِّر سلفا بإرادة الله، فلا يحدث شيء خارج مشيئته. أما الثانية فهي الحتمية الماركسية، أو الحتمية كما تفهمها المادية الجدلية، والتي ترى أن الكون تحكمه قوانين موضوعية، وأن الأحداث تنشأ عن تفاعل الأسباب والظروف وفق هذه القوانين، لا عن إرادة غيبية تسبقها.
ومن هنا نشأت مفاهيم مثل الحتمية، والضرورة، والسببية، والقدرية، والمصادفة، والممكن، والمستحيل. غير أن هذه المفاهيم كثيرا ما اختلطت على الناس، حتى أصبح البعض يظن أن الحتمية والقدرية شيء واحد، مع أن الفرق بينهما جوهري.
فالقدرية، أو ما يعرف بالقضاء والقدر، تقوم على الاعتقاد بأن كل ما يحدث في الكون مكتوب ومقرر سلفا، وأن وقوعه أمر محتوم لا يمكن دفعه أو تغييره. فالكون، وفق هذا التصور، يسير وفق نظام إلهي محكم، وكل حدث يقع لأنه كان واجب الوقوع بإرادة الله.
ولهذا يجب أن تُفهم عبارة "واجب الحدوث" بمعناها الديني؛ أي إن وقوع الحدث كان مقررا في العلم والإرادة الإلهيين، ولذلك وقع كما وقع.
ولا تقف القدرية عند حدود الظواهر الخارجية، بل تشمل إرادة الإنسان نفسها. فالإنسان يعتقد أنه يختار بحرية، لكن اختياره، وفق هذا التصور، كان هو الآخر مقدرا له مسبقا، فتكون حرية الإرادة جزءا من نظام القضاء والقدر، لا قوة مستقلة عنه.
لكن إذا كانت القدرية تمثل نوعا من الحتمية، فإن هذا لا يعني أن كل حتمية هي قدرية. وهنا يبدأ الاختلاف الحقيقي بين التصورين.
فالحتمية الماركسية لا تقوم على وجود إرادة غيبية تسبق الأحداث، وإنما على الإيمان بأن الطبيعة والمجتمع يخضعان لقوانين موضوعية ثابتة. وهي لا تنكر وجود الأسباب، بل تجعل العلاقة السببية أساسا لفهم العالم. ولذلك فهي تمثل النقيض الفلسفي للحتمية الدينية، لا لأنها تنكر النظام، بل لأنها تفسره تفسيرا ماديا لا غيبيا.
ومن أكثر النقاط التي يساء فهمها في المادية الجدلية موقفها من الضرورة والمصادفة.
فقد يتصور البعض أن الماركسية تعتبر كل شيء مصادفة، أو أنها تقول إن الضرورة ليست سوى مجموعة من المصادفات، وهذا غير صحيح. كما أن من الخطأ الاعتقاد بأنها تنكر المصادفة تماما.
إن المادية الجدلية ترى أن الضرورة والمصادفة وجهان لواقع واحد. فالضرورة هي القانون الموضوعي الذي يحكم العلاقة بين الأسباب والنتائج، أما المصادفة فهي الطريقة التي تلتقي بها الظروف الجزئية، في زمان معين ومكان معين، لتسمح لهذا القانون بأن يظهر في حادثة محددة.
وبعبارة أخرى، فإن الضرورة لا تظهر في الواقع مجردة عن المصادفات، بل تتجلى من خلالها. ولذلك كان إنجلز يقول إن المصادفة هي الشكل الذي تتجلى من خلاله الضرورة.
ولتقريب الفكرة، لنتأمل بذرة قمح زُرعت في الأرض.
إن تحول هذه البذرة إلى سنبلة ليس أمرا عشوائيا، بل تحكمه قوانين الحياة والنمو. غير أن تحقق هذه النتيجة يتوقف على مجموعة من الظروف: أن تهطل الأمطار في الوقت المناسب، وأن تكون التربة صالحة، وأن تكون الحرارة ملائمة، وألا تتعرض النبتة للتلف أو الآفات.
قد يبدو كل واحد من هذه العوامل، إذا نظرنا إليه منفردا، أمرا عرضيا أو مصادفة، لأنه كان يمكن أن يحدث أو لا يحدث. لكن إذا اجتمعت هذه الظروف، فإن نمو البذرة يصبح نتيجة ضرورية تفرضها قوانين الطبيعة نفسها.
إذن، فالضرورة ليست مجموع المصادفات، وإنما القانون الذي يعمل من خلالها.
ولنطبق هذا الفهم على المثال الآتي:
كان رجل يُدعى زيد يسير في شارع، فسقطت عليه صخرة من سطح بناية، فأصابته في رأسه وأردته قتيلا.
كيف تفسر كل من الرؤيتين هذا الحادث؟
في التصور القدري، لا وجود للمصادفة أصلًا. فمرور زيد في ذلك المكان، وسقوط الصخرة في تلك اللحظة، وحتى السبب الذي أدى إلى تحركها، كلها أمور كانت مكتوبة ومقدرة سلفًا، ولذلك وقع الحادث كما كان يجب أن يقع.
أما في المادية الجدلية، فإن الحادث يُفهم بطريقة مختلفة. فمرور زيد في ذلك الشارع، وعدم تثبيت الصخرة جيدًا، وهبوب الريح، واجتماع كل هذه الوقائع في لحظة واحدة، هي عناصر تبدو عرضية، وكان يمكن لأي واحد منها ألا يحدث. ولهذا تسمى مصادفات.
لكن بمجرد أن اجتمعت هذه الظروف، ظهر عمل القانون الطبيعي. فارتطام جسم ثقيل برأس إنسان لا بد أن يؤدي إلى إصابة، وقد يقود إلى الوفاة. وهذه ليست مصادفة، بل علاقة سببية ثابتة تفرضها قوانين الطبيعة.
فالضرورة، إذن، لا تكمن في أن زيدا هو الذي مات، وإنما في أن الجسم الثقيل إذا ارتطم برأس إنسان أحدث ضررا، وقد يكون هذا الضرر قاتلا.
ولهذا فإن سؤال: "لماذا كان زيد هو الضحية؟" يتعلق بالمصادفات والظروف الجزئية، أما سؤال: "لماذا أدى ارتطام الصخرة بالرأس إلى الوفاة؟" فيتعلق بالضرورة والقانون الطبيعي.
انه مصادفة أن يكون زيد هو المقتول ، ولكنه من الضروري أن يموت شخص يسقط على رأسه "غير المحمي" صخرة .
والأمر نفسه نجده إذا قذف شخص حجرا إلى أعلى. فقد تختلف قوة القذف أو اتجاهه، لكن ما دام الحجر خاضعا للجاذبية، فلا يمكن أن يبقى معلقا في الهواء إلى الأبد. إن سقوطه ليس قدرا مكتوبا، بل نتيجة حتمية لقانون طبيعي.
ومن هنا يتضح الفرق الجوهري بين الحتميتين.
فالحتمية الدينية تفسر انتظام العالم بأنه تعبير عن إرادة إلهية سابقة تحدد كل شيء، ولا تعترف بوجود مصادفة حقيقية.
أما الحتمية الماركسية فترى أن انتظام العالم نابع من قوانينه الموضوعية، وأن الضرورة لا تلغي المصادفة، كما أن المصادفة لا تنفي الضرورة، بل إن كلتيهما تتداخلان في حركة الواقع ، ولا وجود لاحدهمابمعزل عن وجودالآخر، فتظهر القوانين العامة من خلال الوقائع الجزئية.

ولهذا يمكن القول إن القدرية والحتمية تلتقيان في نقطة واحدة، وهي أن كليهما يرفض فكرة أن الأحداث تقع بلا أسباب أو بلا نظام. لكنهما تختلفان جذريا في تفسير مصدر هذا النظام.
فالقدرية الدينية ترى أن النظام الذي يحكم الكون هو نظام إلهي سابق، وأن كل حادثة تقع لأنها مقدرة في إطار القضاء والقدر، ولذلك لا مكان للمصادفة الحقيقية في هذا التصور.
أما الحتمية الماركسية فترى أن النظام الذي يحكم الظواهر هو نظام موضوعي نابع من قوانين الطبيعة والمجتمع، وأن ما نسميه مصادفات ليس خروجا عن القوانين، بل هو الطريقة التي تظهر من خلالها هذه القوانين في ظروف محددة.
ومن هنا نفهم أن كل قدرية هي نوع من الحتمية، لأنها تؤمن بأن الأحداث ليست عشوائية، لكن ليست كل حتمية قدرية؛ فالحتمية الماركسية لا ترد الأحداث إلى إرادة سابقة أو إلى قضاء مكتوب، بل تفسرها من خلال علاقات السبب والنتيجة والقوانين التي تحكم الواقع.
وهذا هو الفارق الأساسي بينهما: في القدرية يكون السؤال: من الذي قرر وقوع الحدث؟ وتكون الإجابة: الإرادة الإلهية. أما في الحتمية الماركسية فيكون السؤال: ما القوانين والظروف التي جعلت الحدث يقع؟ وتكون الإجابة: شبكة الأسباب والعلاقات الموضوعية التي تحكم الطبيعة والمجتمع.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العداء مع الآخر!
- عندما يصبح التسارع شبيها بالجاذبية.. النسبية العامة بمثال بس ...
- العبودية في القرن الحادي والعشرين!
- القانون الكوني(الكزومولوجي) الذي يحكم تطور الكون
- حين تصبح الثانية أطول: الجاذبية وانحناء الزمن!
- المادة والوعي!
- حين يتزيّن الدينُ بلباس الفيزياء!
- عبيد الدَّيْن: البنية الخفية للرأسمالية المالية المعاصرة
- بمناسبة الاول من أيار في يوم العمَّال العالمي!
- -التنكنيك- الشعري وأهميته!
- الشحارير لا تغني وحدها!
- امرأة تعتلي الغياب!
- هل الشعوب مسؤولة عن هزائمها؟!
- لنتعلم من الطبيعة ، فهي خيرُ مُعلم!
- في دولة الحقوق!
- في صناعة التاريخ!
- العودة إلى البداية: الاتصال الإنساني في دورته الحلزونية!
- في الملكية الفكرية: بين الاحتكار والمشاعية!
- الحركة بين الفيزياء والفلسفة!
- نشوة العدم!


المزيد.....




- ليبيا.. هجمات متواصلة بالمسيّرات على منشآت نفطية والدبيبة: ع ...
- خبير: هذه فوائد السلام مع الأكراد على تركيا داخليا وخارجيا! ...
- قانون نزع سلاح الأكراد.. خطوة تاريخية أم مناورة سياسية؟
- كسوف كلي للشمس.. تحذيرات ونصائح لمشاهدة ممتعة وآمنة
- سؤال صحفي -مقيت وصادم- عن -قتل الروس- يثير جدلا وضجة في ألما ...
- مواطنو نوفوسيبيرسك يقدمون ترحيبا حارا لبوتين أثناء توقف موكب ...
- اليمن.. الحوثيون يجددون هجماتهم على المخا
- الولايات المتحدة.. حريق هائل يلتهم مصنعا لتدوير الخردة في هي ...
- إيطاليا.. لقطات من طائرة ركاب تسجل لحظة ثوران بركان إتنا ما ...
- -القناة 12- عن مصدر إسرائيلي: ضغط أمريكي كبير للتقدم في خارط ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - الحتمية الماركسية ونقيضها الديني