أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داليا سعدالدين - 2 -2: تفكيك تاريخى لاشكالية المولد النبوى الشريف، وعلاقة صلاح الدين الأيوبى















المزيد.....

2 -2: تفكيك تاريخى لاشكالية المولد النبوى الشريف، وعلاقة صلاح الدين الأيوبى


داليا سعدالدين
باحثة فى التاريخ

(Dahlia M. Saad El-din)


الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 00:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هل أعاد صلاح الدين الأيوبى تشكيل الزمن الدينى في مصر بعد سقوط الفاطميين: المولد النبوى، الذاكرة السياسية، وصناعة الشرعية السنية؟

انتهينا فى الجزء الأول إلى أن سقوط الدولة الفاطمية لم يكن مجرد انتقال للسلطة من أسرة حاكمة إلى أخرى، وإنما كان بداية لإعادة تشكيل المجال السياسى-الاجتماعى، ومن ثم الدينى فى مصر، بما فى ذلك الأعياد والمواسم التى كانت جزءا من منظومة الشرعية الفاطمية. غير أن تفكيك هذه المنظومة لم يكن يعني اختفاء المولد النبوى من المجال الإسلامى، بل فتح الباب أمام إعادة تعريفه ووضعه داخل سياق سنى جديد، اختلف فى وظائفه ودلالاته عن السياق الفاطمى.
ومن هنا نبدأ فى هذا الجزء مرحلة أكثر تعقيدا: كيف انتقل المولد من منظومة فاطمية مرتبطة بالإمامة والخلافة إلى احتفال سنى، تمت إعادة توظيفه سياسيا واجتماعيا، وما علاقة ذلك بسياسات نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبى، ثم بتطور الاحتفال بالمولد فى العصر الأيوبى وما بعده؟

نور الدين وصلاح الدين والمولد — إعادة التوظيف بدل الاستئصال
هنا يجب علينا التمييز بين صلاح الدين ونور الدين محمود. فقد كان نور الدين أقدم فى استخدام الرموز الدينية فى خدمة مشروع سياسى سنى توسعى، وكان مولد النبى قد بدأ يظهر فى بيئات سنية قبل اشتهار احتفال كوكبرى. ومن ثم فإن البيئة السياسية التى نشأ فى ها المولد السنى ليست بيئة "مناهضة للاحتفال" بقدر ما هى بيئة تبحث عن إعادة تأطير الاحتفال داخل التشريع السنى. وهذا مهم للغاية لمعرفة كيفى ة تشريع الرمزية الدينية للسلطة، بغض النظر عن سلالة الحاكم.
فالمولد الفاطمى كان، فى صيغته الرسمية، جزءا من منظومة تربط النبى بآل البيت والإمام. أى تأكيدا لاتصال نسب الحاكم بالإمام، ومن ثم تأكيد الشرعية الدينية للحكم وفقا للانتساب لبيت النبوة نفسه. أما المولد السنى الذى تطور لاحقا فقد صار قادرا على تقديم النبى نفسه باعتباره مركزا جامعا لهوية جامعة "للحاكم الاسلامى"، دون الاعتراف بالوظيفة الإمامية الإسماعيلية، ومن ثم فهم من نسل للنبى نفسه، أى أنها كانت حكرا على النظام الفاطمى.
ومن ثم حدث تحويل فى الدلالة السياسية للطق؛ إذ لم يعد السؤال: من هو الإمام الذى يرث سلطة النبى؟
بل أصبح السؤال: كيف تستطيع الدولة السنية أن تستخدم ذكرى النبى لتوحيد الجماعة، واستمالة العامة، وربط السلطان بخدمة الدين دون أن تنافسه دعوى الإمامة الفاطمية؟
وهذه العملية تفسر لماذا أصبح المولد فى البيئات السنية اللاحقة قادرا على أداء وظيفة سياسية- اجتماعية لم تكن متطابقة مع وظيفته الفاطمية.

ماذا تغير إذن فى مصر؟
التغير الذى أحدثه صلاح الدين يمكن تلخيصه فى ثلاث طبقات.
على المستوى الأول، جرى تفكيك المركز المؤسسى الفاطمى: الخطبة العاضدية، المؤسسات الإسماعيلية، جهاز الدعوة، القضاء الفاطمى، والمجال التعليمى المرتبط بالمذهب الإسماعيلى وغيره من المذاهب الشيعية والأباضية، وغيرها من المذاهب الإسلامية فى الجامع الأزهر.
على المستوى الثاني، جرى إعادة ترتيب التقويم الاحتفالى العام: فالطقوس المرتبطة حصريا بشرعية الإمام الفاطمى فقدت سندها السياسى الرسمى، بينما أعيد التأكيد على الأعياد الإسلامية الكبرى فى إطار سنى خالص وفقا للنظام العباسى.
وعلى المستوى الثالث، وهو الأهم على المدى الطويل، لم ينجح النظام الأيوبى فى إلغاء كل أشكال التدين الشعبى فى مصر، وإنما شارك فى إعادة تشكيلها وهيكلتها.
وهنا تكمن إحدى النتائج المهمة لدراسة التاريخ السياسى للطقوس: فالدولة تستطيع أن تلغى مؤسسة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تلغى الذاكرة التى ارتبطت بها. وما يحدث غالبا هو أن الممارسة تعيد تشكيل نفسها تحت سيطرة السلطة الجديدة، ووفقا لنظامها الدينى.
وهذا يفسر لماذا بقيت آثار من الثقافة الشيعية الفاطمية فى مصر بعد سقوط سلطة الدولة، كما تلاحظ تالمون-هيلر، ولماذا بقيت بعض المواقع والطقوس الشعبية قادرة على إعادة إنتاج نفسها رغم تغير السلطة السياسية.

صلاح الدين صنع شروطا سياسية لإعادة تعريف المولد النبوى
إن العبارة الشائعة التى تقول "قام صلاح الدين بأعاد إحياء المولد النبوى من أجل مواجهة الفاطميين" تحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. فالأدلة التاريخية الأقوى تشير إلى شىء أكثر تعقيدا من مجرد عبارة إنشائية.
أوضحنا سلفا أن صلاح الدين لم يكن هو مؤسس المولد السنى المعروف فى صورته الاحتفالية الكبرى. ولم تكن خطته السياسية، كما تعرضها مصادره القريبة، قائمة على استبدال مولد فاطمى بمولد أيوبى. بل كان هدفه الأوسع إنهاء شرعية النظام الفاطمى وإعادة بناء مصر ضمن النظام السنى العباسى.
أما إعادة استخدام المولد النبوى فى إطار سنى فقد جاءت ضمن تحولات أوسع فى القرن السادس والسابع الهجريين، وبرزت بصورة واضحة مع حكام أيوبيين وزَنكيين آخرين، ثم اكتسبت فى إربل تحت إمارة كوكبرى(فى إقليم كردستان- العراق) شكلا احتفاليا بالغ الضخامة.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين السياسة والمولد باعتبارها علاقة إعادة ترميز لا مجرد منع أو سماح للشعب. فالطقس نفسه يمكن أن يبقى، لكن معناه السياسى يتغير. وهنا تكمن أهمية دراسة الطقوس من خلال دراسة القرارات السلطوية نفسها.

خاتمة: من تغيير العيد إلى تغيير معنى الزمن
كان سقوط الدولة الفاطمية لحظة لإعادة كتابة الزمن السياسى- الاجتماعى لمصر. فلم يعد الخليفة الفاطمى هو مركز المدينة الرمزى، ولم تعد احتفالات آل البيت جزءا من جهاز رسمى يصدر عن القصر، ولم تعد القاهرة تُعرّف نفسها من خلال التقويم الفاطمى وحده. فقد حل محل كل ذلك نظام جديد يقوم على الخلافة العباسية، والمذهب السنى، والمدارس الفقهية السنية وحدها، والقضاء السنى، وخطبة الجمعة أصبحت للخليفة العباسى، ثم لاحقا عالى الخطاب الجهادى والوحدة الإسلامية.
غير أن هذا التحول لم يكن محوًا تاما للماضى. والمولد النبوى يقدم أفضل مثال على ذلك. فالمناسبة التى كانت فى القاهرة الفاطمية جزءا من جهاز احتفالى يربط النبى وآل البيت والإمام الفاطمى، لم تختف من التاريخ الإسلامى. وإنما خرجت من نظام إمامى إسماعيلى إلى أنظمة سنية لاحقة أعادت تعريفها وتوسيعها وإعادة توظيفها.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: "هل أبطل صلاح الدين المولد؟" ولا: "هل أحياه؟"
السؤال الأكثر دقة هو" من الذى كان يملك الحق فى تعريف معنى هذا اليوم؟ ومن الذى كان يحدد ما الذى تتذكره الجماعة الإسلامية حين يجتمع أفرادها فى يوم دينى كهذا؟
من هذا المنظور يظهر صلاح الدين لا بوصفه سلطانا غيّر بعض الأعياد، بل بوصفه حاكما شارك فى إعادة بناء العلاقة بين سلطة الدولة والزمن والذاكرة الدينية.
أما 12 ربيع الأول، فلم يكن خطا مستقيما يبدأ باعتباره يوم دخول النبى إلى يثرب ثم يتحول إلى عيد مولده. إنه تاريخ متعدد الطبقات تشكلت حوله روايات متباينة عن الهجرة والمولد والوفاة، ثم اكتسب بمرور القرون قيمة رمزية متزايدة. وفى مصر الأيوبية لم يكن أهم ما فعله صلاح الدين بهذا التاريخ أن يستبدل احتفالا بآخر؛ بل إن سياسته العامة أسهمت فى إنهاء النظام الذى كانت فيه المناسبات الدينية أدوات مباشرة للشرعية الفاطمية، وفتحت المجال أمام إعادة بناء احتفال نبوى سنى كأدة لإرساء شرعية أخرى مستقلة عن الإمامة الفاطمية.
بذلك يصبح تاريخ المولد فى مصر مثالا نموذجيا على أن سقوط الدول لا يؤدى بالضرورة إلى سقوط طقوسها، بل كثيرا ما يؤدى إلى إعادة توزيع المعانى التى تحملها الطقوس بين سلطة جديدة ومجتمع يحتفظ بذاكرته القديمة.



#داليا_سعدالدين (هاشتاغ)       Dahlia_M._Saad_El-din#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 1 -2: تفكيك تاريخى لاشكالية المولد النبوى الشريف، وعلاقة صلا ...
- 1-12- حصار استراتيجى أم محاصرة استراتيجية؟
- 3-4:يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتم ...
- 2-4:يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتم ...
- 1-4: يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجت ...
- تحالف ثلاثي ناشئ في مواجهة إثيوبيا: بين التوتر الإقليمي وتدا ...
- **احتماليات الأحداث القادمة فى الشرق الأوسط فى ظل الأوضاع ال ...
- آبى أحمد من جائزة نوبل للسلام إلى الحرب الأهلية: كيف خدع زعي ...
- المصالح الاقتصادية للإمارات العربية المتحدة فى كل من القرن ا ...
- آبي أحمد من جائزة نوبل للسلام إلى الحرب الأهلية: كيف خدع زعي ...
- الصومال
- أفغانستان بين اللاهوت ودولة القانون – 2
- أفغانستان بين اللاهوت ودولة القانون - 01
- جانب من فلسفة الخلق وعلاقته بفيضان النيل فى الديانة المصرية ...
- جانب من تاريخ العلاقات الإسرائلية بدولتى إثيوبيا وإريتريا، و ...
- نبذة عن -الأورومو وأوجادين- فى إثيوبيا
- المسيحية الإثيوبية
- إياح حتب – الملكة المحاربة
- -ثيودور الثانى- مأساة إمبراطور أراد ردم النيل الأزرق
- الإرهاصات الأولى للحضارة المصرية القديمة


المزيد.....




- الفاتيكان يدعو موسكو وكييف إلى استئناف المفاوضات وإنهاء الحر ...
- منتدى دولي بطشقند يبحث دور الإعلام في التعريف بالحضارة الإسل ...
- لافروف وغالاغر يؤكدان استمرار الحوار بين روسيا والفاتيكان وي ...
- بدأت بمكبرات الأذان ووصلت إلى وقف نهائي.. ما قصة أزمة دينا ا ...
- عبدول السيد ينأى بنفسه عن جدل حول تصريحات عن اليهود وإسرائيل ...
- حين تهدم -جرافات العدالة- المساجد في الهند
- الخارجية الروسية: كييف تواصل عمليات الاستيلاء على الكنائس ال ...
- خلال بطولة أوروبا لألعاب القوى..هل أثّر الإسلام في طريقة عرض ...
- الخارجية الروسية تحدد دولة تتحمل المسؤولية الأكبر عن الأزمة ...
- في تركيا.. اكتشاف حجر أثري في مقبرة سلجوقية يتكرّر فيه اسم ا ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داليا سعدالدين - 2 -2: تفكيك تاريخى لاشكالية المولد النبوى الشريف، وعلاقة صلاح الدين الأيوبى