داليا سعدالدين
باحثة فى التاريخ
(Dahlia M. Saad El-din)
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 02:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المستوى الثانى: إعادة إنتاج المجال الثقافى
الثقافة بوصفها أحد مستويات إعادة إنتاج الدولة
"لا تكتفى الدولة الحديثة بإدارة الإقليم أو تنظيم الاقتصاد، بل تعمل أيضًا على إنتاج المجال الذى تُصاغ فيه المعانى، وتُبنى فيه الشرعية، ويُعاد من خلاله تعريف العلاقة بين المجتمع ونفسه."
إذا كان المستوى الأول قد انتهى إلى أن الدولة، بعد يوليو 1952، لم تكتفِ بإعادة تنظيم مؤسساتها، بل شاركت فى إعادة إنتاج المجال الاجتماعى من خلال التعليم، والإصلاح الزراعى، والبيروقراطية، فإن هذا الاستنتاج يفتح سؤالًا جديدًا بالغ الأهمية: هل كان يكفى إعادة تنظيم المجال الاجتماعى وحده لضمان استقرار النظام الجديد؟
ننطلق هنا من فرضية مغايرة؛ فالدولة لا تستطيع إعادة إنتاج المجتمع اعتمادًا على السياسات والمؤسسات وحدها، لأن هذه السياسات لا تكتسب معناها إلا داخل منظومة أوسع من الأفكار، والرموز، والقيم، والتصورات التى تمنحها الشرعية وتجعلها قابلة للتداول داخل المجتمع. ومن هنا، يصبح المجال الثقافى أحد المستويات الأساسية الذي تُعيد من خلاله الدولة إنتاج نفسها.
أولًا: الثقافة ليست مجالًا منفصلًا عن الدولة
غالبًا ما تُقدَّم الثقافة فى الأدبيات التقليدية بوصفها فضاءًا مستقلًا يقف خارج السلطة، أو فى مواجهتها. ويترتب على هذا التصور أن العلاقة بين الدولة والثقافة تُفهم باعتبارها علاقة خارجية؛ فإما أن تدعم الدولة الإبداع أو تقمعه، وإما أن ينحاز المثقف إلى السلطة أو يقف فى مواجهتها.
غير أن هذا التصور، على ما ينطوى عليه من قيمة تفسيرية فى بعض السياقات، لا يكفى لفهم التحولات التى شهدتها الدولة المصرية بعد يوليو 1952. فالثقافة لم تكن مجرد مجال سعت الدولة إلى التأثير فيه، بل أصبحت أحد الميادين التى أعادت من خلالها إنتاج شرعيتها، وأسهمت عبرها فى إعادة تنظيم المجتمع.
ومن هنا، لا ننظر إلى الثقافة بوصفها انعكاسًا للسياسة، ولا باعتبارها نقيضًا لها، وإنما نعدها مستوى من مستويات إعادة إنتاج السلطة ذاتها. فالدولة لا تنتج القوانين فحسب، بل تنتج أيضًا اللغة التى تُفهم بها هذه القوانين، والرموز التى تكتسب من خلالها مشروعيتها، والصور التى يتخيل المجتمع بها ذاته ويعيد من خلالها فهم موقعه داخل الدولة.
وبذلك، إذا كان المستوى السابق قد تناول الكيفية التى أعادت بها الدولة تشكيل المجال الاجتماعى، فإننا ننتقل هنا إلى المستوى الذى يمنح ذلك التحول معناه؛ أى المجال الثقافى الذى تتشكل داخله الرموز، وتُبنى الشرعية، ويُعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ثانيًا: بناء المجال الثقافى الجديد
مع ترسيخ النظام الجديد، اتجهت الدولة إلى توسيع حضورها داخل المجال الثقافى، لا من خلال الرقابة وحدها، وإنما أيضًا عبر بنية مؤسسية واسعة لإنتاج الثقافة وتداولها.
فشهدت هذه المرحلة توسعًا ملحوظًا فى دور وزارة الثقافة بعد إنشائها، إلى جانب إنشاء مؤسسات للنشر العام، ودعم المسرح والسينما، وإنشاء قصور الثقافة، وإصدار المجلات الأدبية، وإطلاق الجوائز الرسمية، والتوسع فى مشروعات الترجمة. ولم يكن الهدف مجرد زيادة الإنتاج الثقافى، وإنما بناء مجال ثقافى وطنى يتسق مع المشروع السياسى والاجتماعى للدولة.
ومن المهم هنا التمييز بين مستويين متداخلين. فمن ناحية، أسهمت هذه المؤسسات فى إتاحة الثقافة لشرائح اجتماعية أوسع، وربطت المشروع الثقافى بفكرة العدالة فى الوصول إلى المعرفة. ومن ناحية أخرى، أصبحت الدولة الفاعل الأكثر تأثيرًا فى تحديد أولويات هذا المجال، وفى توزيع موارده، وتوجيه مساراته، وتحديد الفرص المتاحة داخله.
وبذلك، لم تعد الثقافة تتحرك فى فضاء منفصل عن الدولة، بل أصبحت أحد مكوناتها المؤسسية، وإحدى الآليات التى أعادت من خلالها تنظيم المجال الاجتماعى، وإنتاج الشرعية، وصياغة العلاقة الجديدة بين الدولة والمجتمع.
ثالثًا: إنتاج الشرعية عبر المجال الثقافى
إذا كانت الدولة قد أعادت تنظيم المجال الاجتماعى عبر السياسات والمؤسسات، فإنها كانت فى الوقت نفسه بحاجة إلى بناء الإطار الرمزى الذى يمنح هذه التحولات معناها ويكسبها الشرعية. ومن هنا، لم يعد المجال الثقافى مجرد انعكاس للتحولات السياسية، بل أصبح أحد الشروط التى استندت إليها عملية إعادة إنتاج الدولة ذاتها.
فإذا كان الخطاب السياسى قد أسهم فى تحويل "حركة الضباط" إلى "ثورة" داخل الوعى العام، فإن المجال الثقافى تولى مهمة أوسع وأكثر استدامة؛ إذ لم تعد الشرعية تُنتج عبر البيانات الرسمية والخطب السياسية وحدها، وإنما أُعيدت صياغتها داخل الرواية، والمسرح، والسينما، والأغانى الوطنية، والمناهج التعليمية، والبرامج الإذاعية، والاحتفالات العامة.
ومن خلال هذا التراكم، تشكلت صورة جديدة للدولة الحديثة، باعتبارها القوة التى تقود التنمية، وتحقق العدالة الاجتماعية، وتجسد الإرادة الوطنية. ولم يكن هذا التصور مجرد خطاب دعائى، بل أصبح، بدرجات متفاوتة، جزءًا من الوعى اليومى الذى أعاد تعريف علاقة المواطن بالدولة.
وهنا تكتسب أطروحة أنطونيو جرامشى أهميتها؛ إذ يبين أن الهيمنة لا تُختزل فى السيطرة السياسية أو احتكار أدوات القوة، وإنما تتحقق عندما تصبح رؤية معينة للعالم مقبولة بوصفها طبيعية ومشروعة.
غير أن الحالة المصرية، فى تقديرنا، تضيف بعدًا آخر إلى هذا التصور. فلم يكن إنتاج الشرعية نتاج عمل جهاز أيديولوجى واحد، وإنما جاء نتيجة تفاعل معقد بين مؤسسات الدولة، والإنتاج الثقافى، والمثقفين، والتحولات الاجتماعية التى تناولناها فى المستوى السابق. ومن ثم، فإن المجال الثقافى لم يكن مجرد أداة لنقل خطاب الدولة، بل كان أحد الفضاءات التى أُعيد فيها بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.
رابعًا: المثقف داخل المجال الثقافى الجديد
ويقودنا ذلك إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت الدولة قد أعادت تنظيم المجال الثقافى، فأين أصبح موقع المثقف داخل هذا المجال الجديد؟
فى المرحلة الليبرالية السابقة، كان المثقف يعمل، فى الغالب، من خلال الأحزاب، أو الصحافة المستقلة، أو المبادرات الخاصة، وكانت علاقته بالدولة تقوم على قدر من الاستقلال النسبى، مهما اختلفت درجاته.
أما بعد يوليو، فقد نشأت مؤسسات ثقافية جديدة أتاحت للمثقفين إمكانات لم تكن متوافرة من قبل؛ مثل النشر المدعوم، والبعثات العلمية، والمناصب الثقافية، والمشروعات القومية، إلى جانب التوسع فى التعليم وما ترتب عليه من اتساع جمهور القراء.
غير أن هذه الإمكانات أفرزت، فى الوقت نفسه، علاقة أكثر تعقيدًا بين المثقف والدولة. فلم يعد السؤال يدور حول الاستقلال أو التبعية بوصفهما خيارين متقابلين، بل أصبح يتعلق بطبيعة عمل المثقف داخل مجال ثقافى غدت الدولة أحد أهم منظميه ومموليه والمالك لمؤسساته الفاعلة.
ومن هنا، لم يعد المثقف يقف دائمًا خارج السلطة، كما لم يندمج فيها اندماجًا كاملًا. بل أصبح يتحرك داخل شبكة معقدة من العلاقات، تتداخل فيها الاستقلالية مع المشاركة، والنقد مع الإسهام، والالتزام الفكرى مع مقتضيات العمل المؤسسى.
وهذه النقطة تمثل، فى رأينا، مدخلًا ضروريًا لفهم التحولات التى شهدها دور المثقف فى العقود التالية. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بموقف المثقف من السلطة، وإنما بكيفية تشكل هذا الموقف داخل المجال الثقافى الذى أعادت الدولة تنظيمه. ومن هنا، سننتقل فى المستوى التالى إلى دراسة المثقف نفسه، لا باعتباره فردًا أو صاحب موقف سياسى، وإنما بوصفه أحد الفاعلين الذين تشكلت أدوارهم داخل هذا المجال الجديد.
خامسًا: قراءة فى ضوء فوكو وجرامشى وبورديو
يساعدنا ميشيل فوكو على فهم أن السلطة الحديثة لا تعمل فقط عبر القوانين والمؤسسات، وإنما أيضًا عبر إنتاج الخطابات التى تحدد ما يُعد معرفة صحيحة، وما يُعد قولًا مشروعًا، وما يمكن التفكير فيه أصلًا. ومن هذا المنظور، يصبح المجال الثقافى أحد المواقع التى تُنتج فيها السلطة شروط إمكان المعرفة، قبل أن تُنتج مضمونها.
أما أنطونيو جرامشى، فيبين أن الهيمنة لا تستقر بالاعتماد على الإكراه وحده، وإنما عندما تنجح الدولة، بالتحالف مع قوى اجتماعية وثقافية، فى بناء قبول واسع بمشروعها التاريخى، بحيث يبدو هذا المشروع وكأنه التعبير الطبيعى عن مصالح المجتمع كله.
ويضيف بيير بورديو بعدًا آخر لهذا التحليل، حين يوضح أن الدولة لا تحتكر العنف المشروع فحسب، بل تحتكر أيضًا، بدرجات متفاوتة، إنتاج الشرعية الرمزية، من خلال المؤسسات التعليمية والثقافية التى تمنح الاعتراف، وتحدد القيمة، وتعيد توزيع رأس المال الرمزى داخل المجتمع.
ومع ذلك، لا نكتفى بهذه التصورات فى تفسير الحالة المصرية. فنحن لا ننظر إلى المجال الثقافى بوصفه مجرد أداة فى يد الدولة، كما لا نعده فضاءً مستقلًا عنها بصورة كاملة، وإنما نراه ساحةً يتواصل داخلها التفاوض بين الدولة والمجتمع حول المعنى، والشرعية، والهوية. ولهذا ظل المجال الثقافى، حتى فى ظل اتساع الحضور المؤسسى للدولة، قادرًا على إنتاج أعمال نقدية، وإثارة أسئلة، وفتح آفاق للتأويل، لم تكن دائمًا منسجمة مع الخطاب الرسمى.
سادسًا: من إنتاج الثقافة إلى إنتاج الوعى
إذا كان المستوى الأول قد أوضح كيف أسهمت الدولة فى إعادة إنتاج المجال الاجتماعى، وكان هذا المستوى قد بين كيف امتد هذا الدور إلى إعادة تنظيم المجال الثقافى، فإن الخطوة التالية تتمثل فى فهم ما انتهت إليه هذه العملية برمتها. فغاية الدولة لم تكن إنتاج أعمال ثقافية بعينها، بقدر ما كانت إعادة تشكيل البيئة التى يتكون داخلها الوعى الاجتماعى.
فالأعمال الثقافية، فى حد ذاتها، ليست سوى أحد مكونات هذه البيئة. أما ما يمنحها أثرها الحقيقى، فهو تفاعلها مع التعليم، والإعلام، والمؤسسات الثقافية، والخطاب العام، وموقع المثقف، وأنماط التنشئة الاجتماعية. ومن خلال هذا التفاعل، لا تتشكل المعرفة فحسب، بل تتشكل أيضًا الطريقة التى يدرك بها المجتمع ذاته، ويفهم بها تاريخه، ويتصور بها علاقته بالدولة.
ولهذا، فإن التحول الذى أعقب يوليو لا يمكن اختزاله فى زيادة عدد الكتب المنشورة، أو اتساع الإنتاج السينمائى، أو انتشار المؤسسات الثقافية. فهذه كلها كانت مظاهر لتحول أعمق، تمثل فى إعادة بناء المجال الذى تتكون داخله تصورات الناس عن السلطة، والعدالة، والوطن، والمستقبل، والمواطنة.
ومن هنا، فإننا لا نقرأ الثقافة بوصفها نتيجة جانبية للتحولات السياسية، ولا باعتبارها مجرد أداة لتبريرها، وإنما بوصفها أحد الشروط التى تجعل هذه التحولات قابلة للاستمرار. فالدولة لا تستقر لأنها تمتلك مؤسسات أقوى فحسب، وإنما لأنها تنجح، بدرجات متفاوتة، فى بناء الإطار الرمزى الذى تصبح داخله هذه المؤسسات مفهومة، ومقبولة، وقادرة على إنتاج معناها داخل المجتمع.
غير أن هذا الإطار الرمزى لا ينتج وعيًا واحدًا مغلقًا، ولا يلغى إمكان الاختلاف أو النقد. فالوعى الاجتماعى لا يتشكل بصورة آلية، وإنما ينشأ من التفاعل المستمر بين ما تنتجه الدولة، وما يعيد المجتمع تفسيره، أو قبوله، أو مقاومته. ولذلك، فإن المجال الثقافى ظل، حتى فى أكثر لحظات الحضور المؤسسى للدولة اتساعًا، فضاءً تتجاور داخله شرعنة النظام، ونقده، وإعادة تأويله فى آنٍ واحد.
ومن هنا، يصبح الانتقال إلى دراسة المثقف انتقالًا طبيعيًا. فإذا كانت الدولة قد أعادت تنظيم المجال الثقافى، وكان هذا المجال قد أسهم فى إعادة تشكيل الوعى الاجتماعى، فإن السؤال الذى يفرض نفسه هو: كيف أعاد هذا التحول تعريف دور المثقف نفسه؟ وهل ظل مجرد مراقب لهذه العملية، أم أصبح أحد الفاعلين المشاركين فى إنتاجها؟
سابعًا: موقفنا
ننتهى فى هذه الدراسة إلى أن المجال الثقافى الذى تشكل بعد يوليو لا يمكن اختزاله فى الثنائية التقليدية: «ثقافة رسمية» فى مقابل «ثقافة معارضة». فهذه الثنائية، على الرغم من قيمتها الوصفية، لا تكفى لتفسير الكيفية التى أعادت بها الدولة تنظيم المجال الرمزى، ولا لفهم طبيعة العلاقة التى نشأت بين المؤسسات الثقافية، والمثقفين، والمجتمع.
لقد أسهمت الدولة فى توسيع البنية الثقافية للمجتمع، ووفرت مؤسسات وموارد أتاحت انتشارًا غير مسبوق للتعليم، والمعرفة، والإنتاج الفنى، لكنها أصبحت، فى الوقت نفسه، الفاعل الأكثر تأثيرًا فى تنظيم هذا المجال، ثم فى توجيهه بدرجات متفاوتة خلال المراحل اللاحقة. ولم يؤد ذلك إلى اختفاء استقلال المثقفين، بقدر ما أعاد تعريف شروط ممارسته داخل فضاء مؤسسى جديد، يتيح إمكانات واسعة، ويفرض فى الوقت نفسه حدودًا جديدة.
ومن هنا، فإن السؤال المنهجى الذى نقترحه لا يتمثل فى: هل سيطرت الدولة على الثقافة؟ لأن هذا السؤال يفترض مسبقًا أن الثقافة والدولة مجالان منفصلان. وإنما يصبح السؤال الأكثر دقة هو: كيف أصبحت الثقافة أحد المستويات التى أُعيد عبرها إنتاج الدولة، وفى الوقت نفسه أحد المواقع التى كُشفت فيها حدود هذه العملية، وأُعيد التفاوض داخلها حول الشرعية، والمعنى، والهوية؟
وبذلك، لا تبدو الثقافة، فى تصورنا، مجرد انعكاس للسلطة، ولا مجرد أداة فى مواجهتها، وإنما مجالًا تتفاعل داخله الدولة والمجتمع بصورة مستمرة، فتتشكل فيه الشرعية، وتُختبر فيه حدودها، ويُعاد إنتاج الوعى الاجتماعى الذى يمنح الدولة قدرتها على الاستمرار أو يضعها موضع المساءلة.
خاتمة
يكشف هذا المستوى أن التحول الذى أعقب يوليو 1952 لم يقتصر على إعادة تنظيم المؤسسات السياسية أو إعادة تشكيل المجال الاجتماعى، بل امتد إلى إعادة بناء المجال الثقافى بوصفه البيئة التى تتكون داخلها المعانى، وتُصاغ فيها الشرعية، وتتشكل من خلالها صور الدولة والمجتمع فى الوعى العام.
ومن هنا، لم تعد الثقافة مجرد نشاط موازٍ للسياسة، ولا انعكاسًا لها، بل أصبحت أحد مستويات إعادة إنتاج الدولة نفسها. فكما أن الدولة أعادت تنظيم المجال الاجتماعى عبر السياسات والمؤسسات، فإنها سعت أيضًا إلى إعادة تنظيم المجال الثقافى عبر المؤسسات التعليمية والثقافية، والإعلام، والإنتاج الفنى، والخطاب العام، بما أسهم فى بناء الإطار الرمزى الذى اكتسبت داخله تلك السياسات معناها ومشروعيتها.
غير أن هذه العملية لم تكن أحادية الاتجاه، ولم تؤد إلى إنتاج وعى متجانس أو مغلق. فالوعى الاجتماعى لا يُصنع بقرار سياسى، ولا يتشكل من خلال المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما ينشأ من التفاعل المستمر بين ما تسعى الدولة إلى إنتاجه، وما يعيد المجتمع تفسيره، أو قبوله، أو مقاومته. ولهذا ظل المجال الثقافى، حتى فى أكثر مراحل الحضور المؤسسى للدولة اتساعًا، يحتفظ بقدر من الحيوية جعله فضاءً لإنتاج الشرعية، وفى الوقت نفسه فضاءً لإعادة مساءلتها.
وهنا نصل إلى نتيجة تمثل حلقة جديدة فى النموذج التفسيرى الذى نبنيه. فإذا كان المستوى الأول قد أوضح كيف أعادت الدولة إنتاج المجال الاجتماعى، وأظهر هذا المستوى كيف امتدت هذه العملية إلى المجال الثقافى، فإن الخطوة التالية تقتضى الانتقال من تحليل المجال إلى تحليل الفاعل الذى يتحرك داخله.
فالسؤال لم يعد يتعلق بالثقافة فى ذاتها، وإنما بمن ينتجها، ويعيد تأويلها، ويتفاعل مع مؤسساتها. ومن هنا يصبح الانتقال إلى دراسة المثقف ضرورة منهجية، لا مجرد انتقال من موضوع إلى آخر.
وهذا هو ما سنناقشه فى المقال القادم: كيف تغير موقع المثقف بعد يوليو؟ وهل ظل شاهدًا على السلطة من خارجها، أم أصبح أحد الفاعلين الذين أسهموا، بدرجات متفاوتة، فى إنتاج خطابها، أو مساءلته، أو إعادة تعريف حدوده؟ فالإجابة عن هذا السؤال تمثل الحلقة التالية فى فهم الكيفية التى أُعيد بها تشكيل الوعى المصرى خلال تلك المرحلة.
#داليا_سعدالدين (هاشتاغ)
Dahlia_M._Saad_El-din#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟