أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - داليا سعدالدين - 3-4:يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتمع؟















المزيد.....

3-4:يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتمع؟


داليا سعدالدين
باحثة فى التاريخ

(Dahlia M. Saad El-din)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 22:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المستوى الثالث: المثقف بين إنتاج الشرعية وإنتاج النقد
تحولات الموقع والوظيفة
“لا تتحدد قيمة المثقف بالموقف الذى يتخذه من السلطة وحده، وإنما بالوظيفة التى يؤديها فى إنتاج الحقيقة أو إعادة إنتاج الخطاب الذى يسبقها”

أولًا: من سؤال الموقف إلى سؤال الوظيفة
اعتادت الأدبيات السياسية والثقافية تصنيف المثقفين وفقًا لموقفهم من السلطة؛ فهناك المثقف المؤيد، والمثقف المعارض، والمثقف المستقل. وعلى الرغم مما يوفره هذا التصنيف من قدرة على وصف بعض الظواهر، فإنه لا يكفى لتفسير التحولات التى تطرأ على المجال الثقافى عندما يتغير منطق عمل الدولة.
فقد يؤيد مثقف ما السلطة دون أن يتخلى عن استقلاله الفكرى، كما قد يعارضها آخر بينما يعيد إنتاج افتراضاتها الأساسية دون أن ينتبه إلى ذلك. وقد ينخرط مثقف فى مشروع سياسى انطلاقًا من قناعة معرفية، ثم يصبح لاحقًا أحد أكثر المنتقدين له. ومن ثم، فإن معيار التأييد أو المعارضة، على أهميته، لا يفسر وحده موقع المثقف ولا وظيفته.
ولهذا، نقترح الانتقال من سؤال: مع من يقف المثقف؟ إلى سؤال آخر أكثر قدرة على التفسير: ما الوظيفة التى يؤديها المثقف داخل المجال الذى تُنتج فيه المعرفة، وتُبنى فيه الشرعية، ويُعاد من خلاله تشكيل الوعى؟
فالمثقف، فى هذا التصور، لا يُعرَّف ابتداءً بموقعه السياسى، وإنما بالدور الذى يؤديه داخل المجال الثقافى الذى تناولناه فى المستوى السابق. ومن هنا، يصبح تحليل الوظيفة أكثر أهمية من تصنيف المواقف، لأن المواقف قد تتغير، أما الوظائف فتساعدنا على فهم الكيفية التى يعمل بها المجال الثقافى فى لحظة تاريخية معينة.

ثانيًا: المثقف بوصفه منتجًا للمعنى
إذا كانت الدولة الحديثة لا تنتج شرعيتها عبر المؤسسات القانونية وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى منظومة من المعانى التى تجعل وجودها مفهومًا ومشروعًا، فإن المثقف يصبح أحد الفاعلين الرئيسيين فى إنتاج هذه المنظومة.
ولا يقتصر دوره، فى هذا السياق، على إنتاج الأفكار أو الإبداع الفنى، وإنما يمتد إلى الإسهام فى تشكيل اللغة التى يفهم المجتمع بها نفسه، ويقرأ بها تاريخه، ويتصور من خلالها علاقته بالدولة.
وقد أوضح أنطونيو جرامشى أن الهيمنة لا تستقر بالقوة وحدها، وإنما من خلال إنتاج تصور للعالم يبدو طبيعيًا ومقبولًا، بحيث تتبناه قطاعات واسعة من المجتمع بوصفه تعبيرًا عن المصلحة العامة. وفى هذا الإطار، يكتسب المثقف صفة "العضوية" عندما يسهم فى بناء هذا التصور وربطه بالممارسة الاجتماعية.
غير أننا لا نتبنى مفهوم جرامشى بحرفيته، لأنه ارتبط تاريخيًا بتحليل العلاقة بين المثقف والطبقات الاجتماعية. أما فى الحالة المصرية، فإن موقع المثقف يتحدد داخل شبكة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها علاقته بالدولة، وبالمؤسسات الثقافية، وبالمجال العام الذى أعادت الدولة تنظيمه بعد يوليو، وبالتحولات الاجتماعية التى ناقشناها فى المستويين السابقين.
ومن ثم، فإننا لا نتعامل مع المثقف بوصفه ممثلًا لطبقة اجتماعية بعينها، وإنما بوصفه فاعلًا يشارك فى إنتاج المعنى داخل مجال ثقافى تتفاعل فيه الدولة والمجتمع بصورة مستمرة.

ثالثًا: من دوستويفسكى إلى إدوارد سعيد: نحو معيار وظيفى للمثقف
فى أعمال دوستويفسكى، ولا سيما الشياطين والإخوة كارامازوف، لا تُقاس قيمة المثقف بقدرته على التأثير السياسى، وإنما بقدرته على مقاومة الإغراء الذى يحول الفكرة إلى أداة للهيمنة، أو يحول الحقيقة إلى وسيلة لخدمة غاية سابقة عليها. فالمثقف الذى يتوقف عن مساءلة ذاته، كما يتوقف عن مساءلة السلطة، يصبح جزءًا من الأزمة التى يسعى، فى الظاهر، إلى تفسيرها أو معالجتها.
ويستعيد إدوارد سعيد هذا المعنى، وإن كان فى سياق تاريخى مختلف، حين يرى أن المثقف يحتفظ بقيمته بقدر ما يحافظ على مسافة نقدية تجاه مراكز القوة، ويرفض أن يتحول إلى مجرد متحدث باسمها أو مبرر لسياساتها. ومع ذلك، فإن هذه المسافة لا تعنى الانعزال عن المجال العام، وإنما تعنى الحفاظ على استقلال الحكم الفكرى داخله.
وانطلاقًا من هذين المنظورين، لا نسعى إلى تقديم تعريف معيارى للمثقف بقدر ما نقترح أداة تحليلية تساعدنا على فهم اختلاف الوظائف التى يؤديها داخل المجال الثقافى.
وفى هذا الإطار، نستخدم تعبير "المثقف التفسيرى" للدلالة على ذلك المثقف الذى يجعل الحقيقة معيارًا يسبق الموقع السياسى، فيخضع أفكاره، كما يخضع السلطة وغيرها من الفاعلين، للمراجعة والنقد المستمر، ولا يمنح أى موقع حصانة تحول دون مساءلته. كما أن وظيفته تنصب على إنتاج المعرفة بوصفها معيار صحة المجتمع؛ ومن ثم، يكون مثقف نقدى يمتلك معايير أخلاقى لإنتاج أيديولوجى يتيح بناء وتطور المجتمع.
أما فى المقابل، نستخدم تعبير "المثقف التعبوى" للدلالة على نمط من الأداء الفكرى تصبح فيه الحقيقة تابعة للموقع الذى يشغله صاحبها، سواء كان هذا الموقع داخل السلطة أو داخل المعارضة. ففى هذه الحالة، لا يعود الخطاب أداة لفهم الواقع، وإنما يتحول إلى وسيلة لتبرير موقف سابق، أو لإنتاج الولاء أو العداء بوصفهما بديلًا عن التحليل. وبالتالى تكون وظيفته الحشد نحو موقف ما، ولا يهم إن كان مع السلطة أو ضده؛ حيث نصفه كذلك "بالمثقف الموقعى"، أى أن مرجعيته تكون ما يؤثر على موقعه. أما فى حال كونه يتخذ من مؤسسات السلطة موقعًا، يكون مثقف تبريرى ينتج الشرعية مقابل المعرفة؛ ومن ثم قد يتحول إنتاج الشرعية إلى إنتاج أيديولوجى مغلق عندما يتوقف عن إخضاع نفسه للنقد، ويسعى لمجرد الحشد.
وهنا لابد لنا من الإشارة إلى أننا نستخدم هذين المصطلحين لكونهما توصيفين وظيفيين داخل النموذج التفسيرى، لا باعتبارهما أحكامًا أخلاقية أو تصنيفات نهائية للأشخاص
وبهذا المعنى، لا يرتبط «المثقف التفسيرى» بالضرورة بموقف سياسى بعينه، كما لا يُختزل «المثقف التعبوى» فى انتماء سياسى محدد. فكلاهما يمثل وظيفة يمكن أن تظهر فى مواقع مختلفة، ويتحدد الفارق بينهما بطبيعة العلاقة التى يقيمها كل منهما مع الحقيقة، لا بطبيعة العلاقة التى يقيمها مع السلطة وحدها.

رابعًا: الدولة الجديدة وإعادة تعريف موقع المثقف
إذا كان المستوى السابق قد انتهى إلى أن الدولة أعادت تنظيم المجال الثقافى بوصفه أحد مستويات إعادة إنتاجها، فإن هذا التحول يفرض سؤالًا جديدًا: كيف انعكس ذلك على موقع المثقف نفسه داخل هذا المجال؟
لقد أدى اتساع الحضور المؤسسى للدولة بعد يوليو إلى خلق فرص غير مسبوقة أمام المثقفين للمشاركة فى مشروعات التعليم، والنشر، والترجمة، والبحث العلمى، والمؤسسات الثقافية، كما أسهم فى توسيع أثر الثقافة داخل المجتمع، وفتح مجالات للعمل والإنتاج لم تكن متاحة بالقدر نفسه فى المراحل السابقة.
غير أن هذه الفرص حملت معها، فى الوقت ذاته، إشكاليات جديدة. فلم يعد السؤال يدور حول وجود الرقابة أو غيابها، أو حول مقدار الحرية المتاحة فحسب، وإنما أصبح يتعلق بكيفية ممارسة الوظيفة النقدية داخل مجال ثقافى أصبحت الدولة أحد أهم منظميه، ومموليه، بل ومؤسساته الفاعلة.
ومن هنا، لم يكن من الممكن أن تتخذ علاقة المثقف بالدولة صورة واحدة. فمن المثقفين من رأى فى المشروع الجديد امتدادًا لأهداف وطنية واجتماعية طالما دعا إليها، ومنهم من احتفظ بمسافة نقدية منذ البداية، ومنهم من تغير موقفه مع تطور التجربة التاريخية، فانتقل من التأييد إلى النقد، أو من التحفظ إلى المشاركة، أو بالعكس.
وتكشف هذه التعددية أن علاقة المثقف بالدولة لم تكن علاقة ثابتة أو خطية، وإنما علاقة تاريخية أعادت تشكيلها التحولات التى طرأت على الدولة، وعلى المجتمع، وعلى المجال الثقافى نفسه. ولهذا، فإن فهم موقع المثقف لا يتحقق برده إلى موقف سياسى مجرد، وإنما يقتضى تحليل الظروف المؤسسية والمعرفية التى مارس داخلها وظيفته.
وفى ضوء ذلك، لا يصبح السؤال الأساسى: هل كان المثقف مع الدولة أم ضدها؟ وإنما: كيف مارس وظيفته النقدية أو المعرفية داخل المجال الذى أعادت الدولة تنظيمه؟ وهو سؤال يتسق مع المنهج الذى اعتمدناه منذ بداية هذه الدراسة، والقائم على تحليل الوظائف والبنى، أكثر من الاكتفاء بتوصيف المواقف.

خامسًا: المعرفة بين السلطة والحقيقة
يساعدنا ميشيل فوكو على إدراك أن المعرفة لا تُنتج خارج علاقات السلطة، لأن كل مجتمع يحدد، بدرجات متفاوتة، ما يعد معرفة مشروعة، ومن يملك حق إنتاجها، والوسائط التى تنتقل من خلالها. ولهذا تحدث فوكو عن «أنظمة الحقيقة»، أى الأطر التى تحدد شروط قبول المعرفة وتداولها داخل المجتمع.
غير أن الأخذ بهذا التصور على إطلاقه قد يؤدى إلى نتيجة إشكالية، تتمثل فى إذابة الحقيقة داخل السلطة، بحيث تبدو كل معرفة مجرد انعكاس لموازين القوة السائدة. ومن هنا، نرى ضرورة التمييز بين أمرين: إنتاج المعرفة داخل مجال تنظمه السلطة، واختزال المعرفة إلى مجرد أثر من آثار السلطة.
فوجود المثقف داخل مؤسسة رسمية لا يعنى بالضرورة فقدانه استقلاله الفكرى، كما أن وجوده خارجها لا يضمن تلقائيًا استقلاله النقدى. فقد ينتج مثقف يعمل داخل مؤسسات الدولة معرفة تتسم بالجدية والاستقلال، كما قد يعيد مثقف يعمل خارجها إنتاج خطاب لا يقل انغلاقًا أو يقينية وتبرير عن الخطاب الذى ينتقده.
ولهذا، فإن معيار استقلال المثقف لا يتحدد، فى تصورنا، بموقعه المؤسسى، وإنما بطبيعة علاقته بالحقيقة. فكلما ظلت الحقيقة قابلة للمراجعة، وخضع الخطاب للفحص والنقد، اقترب المثقف من أداء وظيفته المعرفية. أما عندما تتحول الحقيقة إلى نتيجة مقررة سلفًا، يصبح الخطاب، مهما اختلف موقعه السياسى، أقرب إلى تبرير موقف منه إلى تفسير واقع.
ومن هنا، فإن العلاقة بين المعرفة والسلطة ليست علاقة تطابق كامل، ولا علاقة انفصال تام، وإنما علاقة تفاعل مستمر. فالسلطة تؤثر فى شروط إنتاج المعرفة، لكنها لا تحدد نتائجها بصورة نهائية، كما أن المعرفة تستطيع، عندما تحتفظ باستقلالها النقدى، أن تعيد مساءلة السلطة، وأن تكشف حدود خطابها، وأن تفتح إمكانات جديدة لفهم الواقع.
وهذه النتيجة تمهد للانتقال إلى الخطوة التالية فى تحليلنا. فإذا كان المثقف يمارس وظيفته داخل مجال تتداخل فيه المعرفة مع السلطة، والحقيقة مع الشرعية، فإن السؤال الذى يطرح نفسه هو: كيف يمكن التمييز بين أنماط المثقفين وفق الوظيفة التى يؤدونها داخل هذا المجال؟ وهو ما سنناقشه فى المستوى التالى عند الانتقال من تحليل موقع المثقف إلى تحليل أنماط حضوره ووظائفه داخل المجال الثقافى.

سادسًا: إعادة بناء مفهوم المثقف فى البناء التفسيرى
تقودنا المناقشات السابقة إلى نتيجة منهجية مهمة، وهى أن التصنيفات التقليدية، من قبيل "المثقف الرسمى" و"المثقف المعارض"، لا تكفى وحدها لفهم الوظائف التى يؤديها المثقف داخل المجال الثقافى. فهذه التصنيفات تصف المواقع السياسية أكثر مما تفسر طبيعة الدور الذى يمارسه المثقف فى إنتاج المعنى، أو الشرعية، أو المعرفة.
ولهذا، نقترح الانتقال إلى تصنيف وظيفى ينطلق من طبيعة العلاقة التى يقيمها المثقف مع الحقيقة، ومع المجال العام، ومع السلطة، دون أن يجعل الانتماء السياسى معيارًا حاسمًا فى ذاته.
وفى هذا الإطار، يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسة:
1- المثقف المنتج للمعرفة "المثقف التفسيرى"
وهو مثقف نقدى يجعل البحث عن الحقيقة ومعيار الأخلاق غايةً تسبق الانتماءات السياسية أو المؤسسية، ويخضع جميع الفاعلين، بمن فيهم ذاته، للمراجعة والنقد المستمر. ولا يعنى ذلك أنه يقف خارج المجال العام، أو أنه محايد تجاه القضايا العامة، وإنما يعنى أن معياره النهائى يظل هو الحقيقة، لا الموقع الذى يشغله داخل الصراع السياسى.
2- المثقف المنتج للشرعية "المثقف التبريرى"
وهو المثقف الذى يسهم، عن اقتناع فكرى، أو انحياز سياسى، أو حتى بحكم موقعه المؤسسى، فى بناء الخطاب الذى يمنح السلطة مشروعيتها ويبرر مشروعها التاريخى. ولا يحمل هذا الوصف، فى ذاته، حكمًا سلبيًا أو إيجابيًا؛ إذ قد تؤدى هذه الوظيفة دورًا مهمًا فى لحظات التأسيس أو إعادة بناء الدولة. غير أن هذه الوظيفة تظل مختلفة عن الوظيفة النقدية، لأن معيارها الأساسى يتمثل فى بناء التماسك والقبول، أكثر من اختبار الفرضيات أو مساءلة المسلمات.
3- المثقف التعبوى
وهذا المثقف يشير إلى النمط الذى تتراجع عنده وظيفة التفكير النقدى لصالح إعادة إنتاج اليقين، سواء استمد هذا اليقين من القرب من السلطة، أو من الانتماء إلى معارضة ترى نفسها مالكة للحقيقة بصورة مطلقة. وفى هذه الحالة، يتحول الخطاب من وسيلة لفهم الواقع إلى وسيلة لتأكيد موقف سابق عليه، فيصبح إنتاج الاستقطاب أهم من إنتاج المعرفة.
وبهذا المعنى، فإن هذه الأنماط الثلاثة لا تمثل تصنيفات مغلقة، ولا أوصافًا نهائية للأفراد، لأن المثقف قد ينتقل من وظيفة إلى أخرى تبعًا لتحولات السياق التاريخى، أو تغير موقعه، أو تطور مشروعه الفكرى. ومن ثم، فإننا نتعامل معها بوصفها أدوات تحليلية تساعدنا على فهم الأدوار التى تؤديها النخب الثقافية، لا على إصدار أحكام قيمية بشأنها.
وسيكون لهذا التصنيف دور أساسى فى تحليل الشخصيات الفكرية والأعمال الروائية فيما بعد، باعتباره أحد المفاهيم الإجرائية التى نستعين بها فى قراءة العلاقة بين الدولة، والثقافة، والوعى.

سابعًا: موقفنا
فى هذه الدراسة نرى أن وظيفة المثقف لا تُقاس بموقعه من السلطة، وإنما بالمكانة التى تحتلها الحقيقة داخل مشروعه الفكرى. فحين تصبح الحقيقة خاضعة لمقتضيات السلطة، أو لمقتضيات المعارضة على السواء، يفقد المثقف وظيفته الأساسية، حتى وإن احتفظ بمكانته الاجتماعية أو بحضوره الإعلامى أو بتأثيره السياسى.
ولهذا، فإن السؤال الذى سيقود قراءتنا للأعمال الفكرية والرواية المصرية لا يتمثل فى: من كان مع الدولة ومن كان ضدها؟ وإنما فى سؤال أكثر تركيبًا: كيف صور الفكر/ الرواية المثقف عندما أصبح المجال الثقافى نفسه جزءًا من عملية إعادة إنتاج الدولة؟
ومن هنا، لن ننظر إلى الدراسات الفكرية والشخصيات الروائية، على سبيل المثال، بوصفها رموزًا سياسية مباشرة، ولا باعتبارها ممثلين لمواقف أيديولوجية بعينها، وإنما بوصفها نماذج تكشف أنماطًا مختلفة من ممارسة الوظيفة الثقافية داخل لحظات تاريخية متباينة.
وفى هذا السياق، على سبيل المثال، ستغدو شخصيات مثل وكيل النيابة فى "يوميات نائب فى الأرياف"، أو أنيس زكى ورفاقه فى "ثرثرة فوق النيل"، مدخلًا لتحليل تحولات وظيفة المثقف بين مرحلتين مختلفتين: مرحلة تكشف أزمة الدولة الليبرالية قبل يوليو، ومرحلة تكشف أزمة الوعى داخل الدولة التى أعادت تنظيم نفسها بعد يوليو. وليس المقصود مقارنة الشخصيات فى ذاتها، وإنما استخدام كل منها نافذة لفهم طبيعة المجال الذى أنتجها، والأسئلة التى كانت تعبر عنها.

خاتمة
ينتهى هذا المستوى إلى أن التحول الذى شهدته الدولة المصرية بعد يوليو لم يقتصر على إعادة تنظيم مؤسساتها، أو إعادة تشكيل المجال الاجتماعى، أو إعادة بناء المجال الثقافى، بل امتد أيضًا إلى إعادة تعريف موقع المثقف ووظيفته داخل هذا البناء الجديد.
فلم يعد المثقف يُفهم، فى ضوء النموذج الذى نبنيه، بوصفه معارضًا أو مؤيدًا فحسب، وإنما باعتباره فاعلًا يتحرك داخل مجال ثقافى أعادت الدولة تنظيمه، ويشارك، بدرجات متفاوتة، فى إنتاج المعرفة، أو بناء الشرعية، أو إعادة إنتاج الخطابات التى تمنح الواقع معناه. ومن ثم، فإن تحليل موقع المثقف لا يبدأ من موقفه السياسى، بل من الوظيفة التى يؤديها، ومن طبيعة علاقته بالحقيقة، وبالسلطة، وبالمجتمع.
وتكشف هذه النتيجة عن خطوة جديدة فى البناء التفسيرى الذى نسعى إلى تطويره. فإذا كان المستوى الأول قد تناول إعادة إنتاج المجال الاجتماعى، والثانى إعادة إنتاج المجال الثقافى، فإن هذا المستوى يبين أن الفاعلين داخل هذا المجال لا يعملون خارج شروطه، وإنما تتحدد أدوارهم فى ضوء البنية التى يتحركون داخلها، مع احتفاظهم دائمًا بإمكانات القبول، أو النقد، أو إعادة التأويل.
غير أن فهم موقع المثقف، على أهميته، لا يكفى وحده لتفسير التحولات التى شهدها المجتمع المصرى بعد يوليو. فالمثقف لا يعمل فى فراغ، كما أن أثره لا يقاس فقط بما يكتبه أو يقوله، وإنما بما يتركه من أثر فى الطريقة التى يدرك بها المجتمع نفسه، ويفهم بها تاريخه، ويتصور بها علاقته بالدولة.
ولهذا، يصبح الانتقال إلى المستوى الرابع انتقالًا تفرضه طبيعة النموذج نفسه. فإذا كنا قد تتبعنا انتقال أثر التحول من الدولة إلى المجتمع، ثم إلى المجال الثقافى، ثم إلى المثقف، فإن الخطوة التالية تتمثل فى دراسة النتيجة الأوسع لهذه العملية كلها: كيف أُعيد تشكيل الوعى الاجتماعى؟ وهل كان التغير الذى أحدثته يوليو تحولًا فى بنية المجتمع وحدها، أم تحولًا فى الكيفية التى أصبح بها المجتمع يرى ذاته، ويقرأ تاريخه، ويفهم علاقته بالدولة؟
وهذا هو السؤال الذى سيقودنا إلى المستوى الرابع، ويمهد، فى الوقت نفسه، للانتقال إلى الدراسات الفكرية والرواية المصرية بوصفها المجال الذى يمكن من خلاله تتبع هذه التحولات فى الوعى، لا باعتبارها تسجيلًا للوقائع، وإنما بوصفها بناءً رمزيًا يكشف آثارها العميقة.



#داليا_سعدالدين (هاشتاغ)       Dahlia_M._Saad_El-din#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 2-4:يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتم ...
- 1-4: يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجت ...
- تحالف ثلاثي ناشئ في مواجهة إثيوبيا: بين التوتر الإقليمي وتدا ...
- **احتماليات الأحداث القادمة فى الشرق الأوسط فى ظل الأوضاع ال ...
- آبى أحمد من جائزة نوبل للسلام إلى الحرب الأهلية: كيف خدع زعي ...
- المصالح الاقتصادية للإمارات العربية المتحدة فى كل من القرن ا ...
- آبي أحمد من جائزة نوبل للسلام إلى الحرب الأهلية: كيف خدع زعي ...
- الصومال
- أفغانستان بين اللاهوت ودولة القانون – 2
- أفغانستان بين اللاهوت ودولة القانون - 01
- جانب من فلسفة الخلق وعلاقته بفيضان النيل فى الديانة المصرية ...
- جانب من تاريخ العلاقات الإسرائلية بدولتى إثيوبيا وإريتريا، و ...
- نبذة عن -الأورومو وأوجادين- فى إثيوبيا
- المسيحية الإثيوبية
- إياح حتب – الملكة المحاربة
- -ثيودور الثانى- مأساة إمبراطور أراد ردم النيل الأزرق
- الإرهاصات الأولى للحضارة المصرية القديمة
- إثيوبيا وعصر الفوضى
- مصر فى الميراث الإثيوبى


المزيد.....




- سنتكوم: مقتل جنديين أمريكيين وفقدان آخر في أعقاب غارات إيران ...
- مجتبى خامنئي يعلق على مذكرة التفاهم مع أمريكا.. وهذا ما قاله ...
- -سيطرة وتهديدات وجراحة تركت ندوباً-: حياتي داخل -طائفة- جيفر ...
- مصادر طبية: مجزرة جديدة في غزة.. الاحتلال يبيد أسرة كاملة في ...
- بعد تأكيد مقتل جنديين أمريكيين.. فيديو يظهر -سقوط صواريخ إير ...
- حزب الله يعلن تشييع عشرات من عناصره في جنوب لبنان
- وسط تصاعد الضربات.. تقرير يرصد الأوضاع في جزيرة -خارك- الإير ...
- الدفاع الروسية: إصابة مستودعات الوقود في ميناء -يوجني- الأوك ...
- الجيش الروسي يدمر منصة إطلاق صواريخ أوكرانية بمنظومة -إسكندر ...
- سوريا: مسيرة إسرائيلية تلقي قنبلتين صوتيتين على طريق في حوض ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - داليا سعدالدين - 3-4:يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتمع؟