داليا سعدالدين
باحثة فى التاريخ
(Dahlia M. Saad El-din)
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 19:23
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
هل أعاد صلاح الدين الأيوبى تشكيل الزمن الدينى في مصر بعد سقوط الفاطميين: المولد النبوى، الذاكرة السياسية، وصناعة الشرعية السنية؟
مقدمة
حين دخل صلاح الدين يوسف بن أيوب مصر في أواخر العصر الفاطمي لم يكن أمامه مجرد نظام سياسي آيل إلى السقوط، بل أمام نظام كامل لإنتاج الشرعية السياسية؛ مع مراعاة أن استخدام المساجد والخطبة والاحتفالات والمواسم والموالد والقصور والشوارع في صناعة صورة يومية للسلطة، لم يكن حكرا على الدولة الفاطمية الشيعية. ورغم ذلك؛ فإن سقوط الدولة الفاطمية سنة 567هـ/1171م لم يكن مجرد انتقال للسيادة من أسرة إلى أخرى، وإنما كان كذلك محاولة لإعادة تعريف المجال الذى يحدد للمصريين ما الذى ينبغى تذكره، وما الذى ينبغى الاحتفال به، وما الذى ينبغي أن يكون يومً مقدسا أو ذا دلالة سياسية-اجتماعية.
وقد كان هذا الأمر بالغ الأهمية في الدولة الفاطمية – شأن كل دول العصور الوسطى، لأن الاحتفال لم يكن مجرد نشاط دينى أو شعبى منفصل عن الدولة. فقد تشكل في القاهرة، على امتداد قرون، تقويم احتفالي كامل ارتبط بالخليفة الإمام، وبالقصور، وبالصدقات، وبالمواكب، وبالطعام العام، وبإظهار العلاقة الرمزية بين الحاكم وآل البيت. وتصف المصادر المتأخرة عن العصر الفاطمى، وعلى رأسها المقريزى، عددا واسعا من الأعياد والمواسم التى كان من بينها مولد النبي، ومواليد علي وفاطمة والحسن والحسين، ومولد الخليفة نفسه، وعيد الغدير، وعاشوراء، إلى جانب مواسم رمضان والعيدين واحتفالات أخرى.
وهنا تبدأ أهمية صلاح الدين. فالتحول الذى أحدثه لم يكن فى جوهره استبدال "عيد" بآخر، وإنما كان تفكيك البنية السياسية- الاجتماعية التى جعلت من المناسبات الدينية لغةً لسلطة الإمام الفاطمى.
أولًا: ما الذى كان يعنيه المولد فى العصر الفاطمى؟
تصف المصادر التاريخية المتأخرة المولد النبوى خلال العصر الفاطمى؛ باعتباره أحد عناصر منظومة أوسع من الموالد والاحتفالات. فالمقريزى، ناقلا عن تراث تاريخى فاطمى أقدم، يذكر ضمن ما كان للخلفاء الفاطميين من مواسم: "موسم مولد النبي"، إلى جانب موالد على وفاطمة والحسن والحسين و"مولد الخليفة الحاضر".
أهمية هذه الصيغة تكمن فى أنها تكشف أن المولد النبوى لم يكن في القاهرة الفاطمية حادثة منفردة. لقد كان جزءا من نسق احتفالي يربط النبوة بآل البيت ثم بالإمام الحاكم. ومن منظور تاريخ السلطة، لم يكن ترتيب هذه المناسبات عشوائيا؛ فقد كان يؤدى وظيفة رمزية واضحة: وضع الخليفة الفاطمى داخل سلسلة نسب مقدسة تبدأ بالنبي ثم تمر بعلي وفاطمة والحسن والحسين وتنتهي بالإمام الحاكم.
وتظهر هنا قيمة دراسة باولا ساندرز عن "الطقوس والسياسة والمدينة في القاهرة الفاطمية"؛ فقد خلصت إلى أن الطقوس الفاطمية لم تكن مجرد مظاهر دينية، بل كانت وسيلة لتجسيد دعاوى السلطة والشرعية داخل الفضاء الحضري. وتتعامل ساندرز مع الاحتفال والموكب والرموز والبروتوكول باعتبارها جزء من "لغة سياسية" تستطيع الدولة من خلالها أن تقدم تصورا محسوسا عن مركزية الخليفة وسلطته. وقد صدرت دراستها عام 1994، وهي من الأعمال الأساسية في فهم البنية السياسية للطقوس الفاطمية.
ومن هنا يصبح للمولد معنى يتجاوز مسألة الاحتفال بميلاد النبى. ففي القاهرة الفاطمية كان الزمن نفسه يخضع لإعادة تنظيم سياسى-اجتماعى؛ فبعض الأيام تستحق الاحتفال لأنها تتصل بالعائلة المقدسة وفق التصور الإسماعيلى، وثمة طقوس تجعل الخلافة حاضرة بصورة جسدية فى المدينة من خلال الطعام والصدقات والمواكب والإنارة والخطابة.
ثانيًا: ولكن ماذا عن 12 ربيع الأول؟
لماذا جيب السؤال عما إذ كان يوم 12 ربيع الأول هو "أصلا" يوم دخول النبي إلى يثرب ثم تحول بعد ذلك إلى يوم مولده؟ وهل المصادر المبكرة تقدم رواية واحدة مستقرة حول هذه المسألة؟
فى المادة المنسوبة إلى ابن إسحاق، كما حفظها ابن هشام، نجد رواية تجعل وصول النبى إلى قباء يوم الاثنين في 12 ربيع الأول، ثم إقامته بضعة أيام قبل الانتقال إلى المدينة. وتورد روايات أخرى وصوله إلى قباء في 8 ربيع الأول، ثم دخوله المدينة يوم الجمعة في 12 منه. كما تنقل مصادر أخرى تواريخ مختلفة.
ويؤكد البحث الحديث فى مسألة التسلسل الزمنى للهجرة أن مشكلة التاريخ لا يمكن حلها بمجرد تحويل التاريخ الهجري القديم إلى التاريخ الميلادي الحديث، لأن نظام التقويم في السنة الأولى للهجرة، وعلاقة الشهور القمرية بالنسيء في المرحلة السابقة لتثبيت التقويم الهجري، تجعل المطابقة الحسابية الحديثة أكثر تعقيدًا. وقد بينت دراسة منشورة في مجلة Religions عام 2021 أن رواية ابن إسحاق نفسها تجعل وصول النبي إلى قباء يوم الاثنين 12 ربيع الأول، في حين تسمح روايات أخرى بإعادة بناء مختلفة لتاريخ الوصول، وأن المشكلة مرتبطة بالتقاليد المختلفة وبالتقويم القديم.
ولذلك فالأدق تاريخيًا أن نقول إن 12 ربيع الأول أصبح تاريخا مركزيا فى الذاكرة الإسلامية بسبب تراكم تقاليد مختلفة حول ميلاد النبى وهجرته ووفاته، وليس لأن ثمة مسار تاريخى خطى موثق يمكن إثباته من "يوم دخول يثرب" إلى "يوم المولد".
كما أن تاريخ مولد النبى نفسه كان موضع اختلاف تاريخى واسع. فقد نسبت المصادر تواريخ مختلفة إلى ربيع الأول، من بينها الثاني والثامن والتاسع والعاشر والثاني عشر وغيرها. ومن ثم فإن تثبيت 12 ربيع الأول بوصفه "التاريخ الصحيح الوحيد" هو نتيجة تاريخية لاحقة أكثر منه حقيقة موثقة منذ العصر الأول.
وتزداد هذه النقطة أهمية حين ندرس المولد الفاطمى؛ إذ تشير دراسة نيكو كابتين، المنشورة أول مرة سنة 1993، إلى أن التاريخ التقليدى للمولد لم يكن موضع اتفاق منذ البداية، وأن الاحتفال الفاطمى كان جزء من تاريخ طويل ومعقد لتشكل المولد باعتباره مؤسسة احتفالية.
ثالثًا: ماذا فعل صلاح الدين فى 567هـ؟
إذا انتقلنا إلى سنة 567هـ/1171م، نجد أن أول إجراء رمزى حاسم لم يكن يتعلق بالمولد النبوى، بل بالخطبة.
ينقل ابن الأثير أن الخطبة العاضدية قطعت في المحرم سنة 567هـ، وأن الخطبة أقيمت للخليفة العباسى المستضيء بأمر الله. والأهم أن ابن الأثير لا يقدم الأمر باعتباره تغيير دينى، بل يصف الخوف السياسى المحيط بالقرار:"كان صلاح الدين نفسه يخشى أن يؤدي قطع الخطبة إلى إثارة أهل مصر الذى ن قد يظلون موالين للدولة الفاطمية، بينما كان نور الدين محمود يضغط عليه لإتمام الأمر".
وهنا تتضح طبيعة اللحظة: إعادة تعريف السيادة بدأت بالمسجد، وباسم الخليفة الذى يذكره الخطيب، لا بالمولد أى أنه كان إجراء سياسى وفقا لمعطيات العصر.
لقد أصبحت الخطبة إعلانا أسبوعيا بأن مصر لم تعد جزءا من المجال السياسى للخلافة الفاطمية، وإنما عادت بشكل رمزى إلى الخلافة العباسية. كما تكشف هذه الحقيقة شيئا مهما عن سياسات ذلك العصر؛ حيث كان إعادة تشكيل الشرعية السياسية يتم من خلال السيطرة على الرموز العامة التى تتكرر أمام السكان بصورة منتظمة. وففي كتابه "صلاح الدين فى مصر- Saladin in Egypt " الصادر سنة 1999، قدم يعقوب ليف تحليلًا لسقوط النظام الفاطمي ولسياسات صلاح الدين الدينية، معتبرا أن التحول لم يكن مجرد تبديل أسرة حاكمة، بل كان عملية إعادة بناء شرعية مؤسسات الدولة فى مصر.
ومن هذا المنظور يمكن فهم إعادة تنظيم الأعياد والمواسم باعتبارها جزءًا من العملية نفسها.
رابعًا: هل ألغى صلاح الدين المولد النبوى؟
ها قد وصلنا إلى أهم نتيجة فى البحث، وربما أكثرها مخالفة للصورة الشائعة.
لا تسمح لنا المصادر المتاحة بإسناد قرار تفصيلى إلى صلاح الدين يقول: "ألغيت احتفالات المولد النبوى في 12 ربيع الأول". غير أن ما نستطيع إثباته بصورة أقوى هو أنه شرع فى تفكيك البنية الطقسية الفاطمية التى كان المولد أحد عناصرها.
وتكشف فهارس كتاب المقريزي أن الأعياد الفاطمية كانت منظومة واسعة تضم الموالد الستة، وعاشوراء، والغدير، والاحتفالات الرمضانية، وغيرها.⁹ وحين يختفي النظام الفاطمى، فإن اختفاء الإطار الرسمى الذى كان ينظم هذه المناسبات يمثل تحولا جوهريا. ومع ذلك، لا يعنى أن كل ممارسة شعبية مرتبطة بها اختفت فورا.
وتشير دانييلا تالمون-هيلر، في كتابها الصادر سنة 2020 Sacred Place and Sacred Time in the Medieval Islamic Middle East، إلى أن إسقاط الخلافة الفاطمية سنة 567هـ تبعته عملية سريعة وحادة لإلغاء أو تفكيك عدد من العادات والاحتفالات الإسماعيلية، ضمن عملية "إعادة تسنين" المجال العام فى القاهرة. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى استمرار بقايا من الممارسات الفاطمية فى المجال الشعبى، وإلى أن تحول القاهرة إلى مدينة سنية لم يكن عملية محو آلي للذاكرة الفاطمية.
وهذا ينسجم مع النتيجة التي وصل إليها ليف؛ إذ أشار إلى أن الدولة الجديدة كانت تعيد تشكيل مؤسسات السلطة، بينما ظل المجتمع أكثر تعقيدًا واستمرارية من أن يعاد تشكيله بالكامل بقرار سلطانى واحد.
خامسًا: لماذا كان القضاء على المنظومة الفاطمية مهما لصلاح الدين؟
يمكن تحديد ثلاثة دوافع سياسية مترابطة.
أولها إسقاط الشرعية الإسماعيلية: فوجود الخليفة الفاطمى لم يكن مجرد بقايا سلالية، وإنما كان يحمل ادعاء دينيا بأن الإمام الفاطمي يمثل المرجعية الشرعية للدولة. ولذلك كان استمرار الطقوس الرسمية المرتبطة به يعنى استمرار جزء من بنية شرعيته حتى بعد سقوطه.
ثانيها إعادة مصر إلى شبكة الشرعية العباسية السنية: فصلاح الدين دخل مصر أصلا بوصفه نائبا لنور الدين محمود، وكان مشروع نور الدين أوسع من مجرد السيطرة على مصر؛ كان يهدف إلى إعادة بناء جبهة قادرة على مواجهة القوى الصليبية. ومن هنا أصبحت الخطبة العباسية والمدارس السنية وإعادة تنظيم القضاء والتعليم والمؤسسات الدينية أجزاء مترابطة من مشروع واحد.
وثالثها إعادة إنتاج الجماعة السياسية حول مركز جديد: إذا كان الفاطميون قد ربطوا الجماعة السياسية بالإمام وآل البيت من خلال طقوس رسمية، فإن الأيوبيين كانوا بحاجة إلى إنتاج لغة بديلة تقوم على السنة والجماعة والخلافة العباسية والجهاد ضد الفرنج.
وفى هذا المعنى لم تكن المسألة صراعا بين "عيدين"، وإنما صراعا بين نظامين لإنتاج الذاكرة والشرعية من خلال اسخدام واستغلال الدعاية الدينية.
سادسًا: المفارقة: المولد لم يختف، بل تغيّر معناه السياسى
هنا تظهر المفارقة الكبرى. لو كان هدف صلاح الدين مجرد القضاء على المولد بوصفه بدعة فاطمية، لكان من المفترض أن يختفى الاحتفال به من المجال السنى. لكن التاريخ سار فى الاتجاه الآخر.
فالمولد النبوى انتقل تدريجيا إلى صيغ سنية جديدة، وبرزت احتفالات المولد فى المجال الزنكى والأيوبى، ثم أصبحت احتفالات الملك المظفر كوكبري في إربل من أشهر نماذجها.
وهنا تأتي شهادة السيوطي المتأخرة في رسالته حسن المقصد في عمل المولد. فالسيوطي، الذى عاش فى القرن التاسع الهجرى، لا ينسب نشأة هذا الشكل المعروف من الاحتفال إلى صلاح الدين، بل يقول إن "أول من أحدث فعل ذلك" هو الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى صاحب إربل.
والقيمة التاريخية لهذه الشهادة ليست فى أنها قد تحسم المسألة وحدها، فهي متأخرة زمنيا، وإنما فى أنها تكشف بوضوح انفصال الذاكرة السنية التاريخية للمولد عن شخصية صلاح الدين نفسها.
وهذه النقطة تتفق أيضا مع دراسة كابتين المنشورة سنة 1993، وهي أوسع دراسة أكاديمية مخصصة لتاريخ المولد في العالم الإسلامى. فقد خصص كابتين فصلا للمولد في العصر الفاطمى، وفصلا آخر لأقدم الاحتفالات بالمولد فى البيئة السنية، ثم بحث العلاقة بين النموذج الفاطمى والنموذج السنى اللاحق.
بالتالي فإن الصورة الأقرب إلى الأدلة هي أن المولد لم ينتقل مباشرة من الفاطميين إلى صلاح الدين، بل مر بمرحلة من إعادة التشكيل السنى، ارتبطت بالسيطرة الزنكية ثم الأيوبية، وأصبح بعد ذلك احتفالا عاما له وظائف سياسية واجتماعية مختلفة.
وللحدبث بقية...
--------------
بعض المراجع المستخدمة
المصادر التاريخية الأولية
ابن الأثير، عز الدين علي بن محمد. الكامل في التاريخ. بيروت: دار الكتاب العربي، طبعات متعددة، وأبرزها تحقيق عمر عبد السلام تدمري.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر. البداية والنهاية. دمشق/بيروت، طبعات متعددة، وخاصة مواضع أخبار صلاح الدين والملك المظفر كوكبري.
ابن هشام، عبد الملك. السيرة النبوية. تحقيق مصطفى السقا وآخرين. القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، طبعات متعددة.
المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار. بيروت: دار الكتب العلمية، طبعات متعددة.
المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي. اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا. تحقيق جمال الدين الشيال ومحمد حلمي محمد. القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، طبعات متعددة.
السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر. الحاوي للفتاوي. ويضم حسن المقصد في عمل المولد.
بعض الدراسات الأجنبية
Kaptein, N. J. G. Muḥammad’s Birthday Festival: Early History in the Central Muslim Lands and Development in the Muslim West Until the 10th/16th Century. Leiden: Brill, 1993.
Lev, Yaacov. Saladin in Egypt. Leiden: Brill, 1999.
Sanders, Paula. Ritual, Politics, and the City in Fatimid Cairo. Albany: State University of New York Press, 1994.
Talmon-Heller, Daniella. Sacred Place and Sacred Time in the Medieval Islamic Middle East: A Historical Perspective. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2020.
#داليا_سعدالدين (هاشتاغ)
Dahlia_M._Saad_El-din#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟