أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المنعم أديب - الإشارات والتنبيهات .. البيان السينوي الأخير















المزيد.....

الإشارات والتنبيهات .. البيان السينوي الأخير


عبد المنعم أديب
كاتب وشاعر


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 21:07
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


موسوعة ( الإشارات والتنبيهات ) من أقيم وأفضل الكتب الفلسفية العربية. وهي آخر المؤلفات الكبرى للشيخ الرئيس/ ابن سينا (ت 428هـ) -كما يرجح عدد من الباحثين- .. والأستاذ ابن سينا هو رأس مدرسة الفلاسفة المسلمين، وكبيرٌ من أعاظم مَن سلكوا هذا الطريق. وهو فارسي الأصل، كتب الكثير من الكتب، بقي منها شطر لا بأس به، وطبع منها الشيء الكثير.
وأهم مؤلفاته موسوعتان كبريان: القانون في الطب، والشفاء في الفلسفة. وكان أستاذنا النظار/ حسن الشافعي؛ يسألنا ألم يكن الأليق أن يبدل الاسمين؛ فيكون الشفاء للطب، والقانون للفلسفة؟ إشارةً منه إلى العلل الحكيمة التي سمى بها ابن سينا كلَّ كتاب باسمه. فالشفاء للعقول والنفوس، والقانون للمواد والأجساد.
كما له كتاب النجاة يلخص فيه كتاب الشفاء. وله مجموع رسائل بديعة؛ من أهمها رسالة (عيون الحكمة)، وقصة (حي بن يقظان).
وللأستاذ ابن سينا مكانة عظمى في الفكر المنطقي والفلسفي العربي، وتأثير نافذ في من لحق به من صنوف المفكرين وأهل العلم، بالمباشرة وغير المباشرة. وهناك مفاضلة يعقدها البعض بين مكانته ومكانة الفارابي؛ بين مُفضِّل للفارابي بوصفه مبدعًا، ومفضل لابن سينا -ومنهم الأستاذ الشافعي- لقوة بنائه المنطقي والفكري، ولنضوج الأفكار عنده. وفي العموم ابن سينا اشترك مع الفارابي في طيوف معرفية، وافترق كل منهما في طيوف أخرى. ولا شك أن التأثر كبير بالفارابي، والتألق واسع من جهده الذاتي ورحلته المعرفية.
وقد برز ابن سينا في طائفة عظمى من العلوم، مثل علم الهيئة، والفلك، والطب، والرياضيات، والمنطق؛ فضلًا عن الفلسفة. وله سيرة قيَّد بعضها بنفسه، تستحق الوقوف على بعض ما ورد فيها. ولعلَّ أهمها مدى استغراقه في مطالعة العلوم صغيرًا، وانكبابه على الصعب الوعر منها. حتى إذا أتى إلى الطب، قال إن أمره هين، بل إنه ليس من العلوم أصلًا. يقصد أنه شديد الهوان، بالنظر للعلوم التي تعلوه.
وقد برع ابن سينا في الطب براعةً فائقةً. وكان صاحب الفضل في الانتقال للطب السريري، والكشف الحقيقي الواقعي على كل حالة منفردةً، والتجريب فيها. فجمع مبادئ العلم التجريبي الحديث، وأقرَّه طريقًا لتلاميذه من بعده. فصار العلم التجريبي مؤصَّلًا عند المسلمين في أبواب هذا العلم.
وقد انتقلت كتب ابن سينا إلى أوربا، لكن كتبه الفلسفية انحصر الاهتمام بها بعد ترجمة كتب أرسطو. لكنْ ظل الاهتمام بكتاب القانون في الطب على أشُدِّه مدةً طويلةً بعدها.

***************

وقد كانت المجالات الفلسفية قديمًا تُقسَّم إلى علوم نظرية وأخرى عملية. وكانت العلوم النظرية أشرف شأنًا من العملية. مع الانتباه إلى تعدد التقسيمات الفرعية بين المقسِّمين. وأهم العلوم النظرية، على الترتيب:
- المنطق: ويعد مقدمةً لها، وشرطًا للتنوير المنهجي في درس ما بعده.
- الطبيعيات.
- الرياضيات.
- الإلهيات، أو ما بعد الطبيعة.
وكان التفاضل بينها على حسب اقترابها من الإله، وابتعادها عن المادة. فالطبيعيات دراستها منصبة على المادة، وهيئتها، والجهات، والجواهر والأجساد، والحركات؛ فهي أدنى العلوم. والرياضيات أبعد عن المواد، بل هي عقلية مجردة؛ فهي أقرب لعالم العقل والإلهيات. ثم تأتي الإلهيات التي تُسمّى الفلسفة الأولى، العلم الأسمى، وهو العلم المطلوب في نهاية البحث. وقد بنى ابن سينا موسوعته الشفاء على هذا الترتيب، وكذلك تلخيصها النجاة.
أما الإشارات والتنبيهات فقسمها أربعة أقسام أيضًا. لكنه لم يدرج الرياضيات، بل أدرج قسمًا عن التصوف. فكان الكتاب مقسمًا إلى المنطق، فالطبيعيات، فالإلهيات، فالتصوف.
والكتاب يعتمد في بنايته على تقسيم المنطق إلى عشرة "أنهُج" -جمع نهج-، وتقسيم الثلاثة الباقيات إلى عشرة أنماط. ثلاثة منها في الطبيعيات، وأربعة في الإلهيات، وثلاثة في التصوف.
وقد قسم الكلام فيه إلى مبادئ مختصرة؛ سمّى بعضها إشارةً، وسمى بعضها تنبيهًا، وداخَلَ القارئَ بدرء بعض الاعتراضات فسمَّاها أوهامًا. لذلك سمّى الكتاب كله (الإشارات والتنبيهات). وقد ترد بعض المبادئ تحت عناوين: إشارة وتنبيه، وهم وتنبيه، تذنيب.
وكلام ابن سينا في هذا الكتاب يعبر عن خلاصة رأيه في المباحث الفلسفية بعد طول بحثه. لذلك يعده الكثير من الباحثين البيان السينوي النهائي. وكلامه عن التصوف امتد لبعض مؤلفات أخرى، ولعل أبينها وأشهرها قصته (حي بن يقظان).
والكتاب صغير متى ضُمَّ؛ فلِمَ سميتُه موسوعةً؟ .. لأنه وَسِع مذهبه في كثير من القضايا الفلسفية؛ مُقررًا رأيه الخالص، رادًّا على الوهم البشري العام، وبعض المذاهب الأخرى. وقد ضمَّ فلسفة بشرية عظمى. بدأت بالمنهج المنطقي، ثم بحث المادة، ثم بحث الإلهيات، ثم بحث الصعود إلى الإلهيات. لذلك حُقَّ له أن يطلق عليه موسوعة.
وابن سينا قد جعل كتابه هذا من المضنون به على غير أهله. وكانت هذه سنة بعض أهل العلم في الإسلام؛ ليمنعوا غير المتخصصين والمتطفلين على العلوم من الحديث فيها بغير علم، يضلون الناس بهذا العلم الزائف. كما نرى للأسف في واقعنا المشاهد. لذلك حرَّض ابن سينا تلاميذه ألَّا يُطلعوا كتابه إلا على متأهل له، مستوفٍ لشروط الاطلاع عليه.
وشروط الاطلاع عليه يودعها ابن سينا بنفسه قائلًا: "أيها الأخُ، إني قد مخَّضتُ لك في هذه الإشارات عن زُبدة الحق، وألقمتك قَفِيَّ الحِكَم في لطائف الكلم .. فصُنْه عن الجاهلين والمُبتذلين، ومَن لم يرزق الفطنة الوقَّادة، والدُّربة والعادة، وكان صفاه مع الغاغة؛ أو كان من ملاحدة هؤلاء الفلاسفة ومن همجهم .. فإنْ وجدت مَن تثق بنقاء سريرته، واستقامة سيرته، وبتوقفه عما يسرع إليه الوساس، وبنظره إلى الحق بعين الرضا والصدق؛ فآتِهِ ما يسألك منه مُدرَّجًا مُجزَّأً. تستفرس مما تسبفه لما تستقبله. وعاهده بالله، وبأيمان لا مخارج لها، ليجري فيما تُؤتيه مجراك، مُتأسيًا بك. فإن أذعت هذا العلم وأضعته؛ فالله بيني وبينك. وكفى بالله وكيلًا".

***************

وكتاب الإشارات والتنبيهات عقدت عليه الكثير من الشروح وشروح الشروح. وله عدة طبعات قديمة، مثل طبعة ليدن، وطبعة مصر. حتى استقر المحقق، حضرة الأستاذ الفاضل/ سليمان دنيا -رحمه الله- (أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين، جامعة الأزهر – ت 1985م) على تحقيق الكتاب، فحققه مع تعليقات كثيرة عام 1947م، في دار إحياء الكتب العربية، لصاحبها عيسى البابي الحلبي.
ثم حققه وأخرجه مرةً أخرى كاملًا، بعد عشر سنين، في دار المعارف، لتصير أشهر طبعات الكتاب، بل لا يوجد غيرها إلا عند الخاصة.
وقد اختار طبعه مع شرح العلَّامة/ نصير الدين الطوسي (ت 672هـ). مفضلًا إياه عن شرح الإمام فخر الدين الرازي (ت 606هـ)؛ لأن الأخير كان كثير النقض والاستدراك على الكتاب. فرأى أن الأولى شرحه من موالٍ لا ناقض. فضلًا عن أن الطوسي قام بالرد على الرازي أثناء شرحه؛ فرأى أنه ضرب عصفورين بحجر واحد. وشرح الطوسي بديع، فهو شخصية متعمقة في الفلسفة، وتعبيره سمح دقيق رفيق.
وقد أخرج دنيا قسم الطبيعيات أولًا، عام 1957م، ثم الإلهيات، ثم التصوف، وأخيرًا أخرج قسم المنطق، وهو صدر الكتاب، عام 1960م.
ومن لطيف التعليق أن الشيخ سليمان قال إن شروط ابن سينا لقراءة كتابه، ورغبته في الضنّ به على غير أهله قد أفسدتهما عليه شروح الكتاب، وانتشاره بين الأيادي بالطباعة. وقد كان الرجل مؤنسًا في تعليقه على الكتب التي يحققها.
وقد طبع كتاب (الإشارات والتنبيهات) مع شرح الإمام الرازي (ت 606هـ) غير مرة، وطبع بشرح سراج الدين الأرموي (ت 682هـ)، وطبع بشرح قطب الدين الرازي (ت 763هـ)، المعروف بالقطب التحتاني. وطبعت شروح أخرى، ونقاشات واسعة على الكتاب.
وأحار حقيقةً فيما أشير إليه وما أدعه. فالإلمام بمثل هذا الكتاب -خارجيا فقط- يحتاج إلى الكثير الكثير. لكني أختم أن الكتاب ليس للعامة، وليس للمثقفين، بل هو كتاب للخاصة أو المتخصصين. ويجب مصاحبة إحدى الشروح معه -ولعل شرح نصير الدين يوفي بالغرض-، مع الكثير من المعرفة القبليَّة للمضي في متنه قُدُمًا. وليس ذلك لصعوبة تعبير ابن سينا فيه؛ فتعبيره ليس صعبًا، بل هو أوعر في كتب له كثيرة. لكن فرقًا هائلًا بين أن يظن القارئ أنه قرأ الكتاب، وأن يقرأه حقًا.
ولا شك أن كتاب الإشارات والتنبيهات مَعلمَة رفيعة للثقافة العربية، وتعبير عن طور رُقيٍّ منهجيٍّ ونَسَقيٍّ وتأمليٍّ في الفلسفة العربية.



#عبد_المنعم_أديب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتحارٌ كاملُ الأركان (قصيدة)
- روح العشق تقطر من يديك (قصيدة)
- ليس كلامي إليك قصائد
- عيناك صاغت معنى الخطر
- صوت حواء (قصيدة)
- عيناكِ كحيتان الأُوركا (قصيدة)
- وصفةٌ مُجَرَّبَةٌ لصُنعِ الشايِ الإنجليزيّ (قصيدة نثر)
- أنا وروايتُكِ (قصيدة)
- عيدٌ معكِ (قصيدة)
- أبدعتِ صَوغَ العُمر (قصيدة)
- دعاء مُعذَّب (قصيدة)
- شكُّ فيْكِ يقينٌ بكِ (قصيدة)
- فراشةٌ تخطُر (قصيدة نثر)
- الأشعارُ فيكِ ملائِكُ حول الجِنان (قصيدة)
- الرُّوحُ جوار (قصيدة)
- ما لمْ تخبرْ عنهُ جُهينة (قصيدة)
- أحببتُكِ قبلَ وجودِ الحُبّ (قصيدة)
- تحليلٌ فِزيائيٌّ لعناصِرِكِ الأُوْلى (قصيدة نثر)
- العشقُ فيكِ يرفضُ التجديد (قصيدة)
- إلى امرأةٍ قُدَّتْ مِن الموسيقى (قصيدة نثر)


المزيد.....




- ترامب: البحرية الأمريكية أزالت جميع الألغام البحرية في مضيق ...
- بيان عُماني إيراني مشترك يكشف عن مقترح لإدارة مضيق هرمز.. ما ...
- بحماية جنود إسرائيليين.. نائب يميني متطرف يحطم نصباً فلسطيني ...
- وزير: طائرة -الإطفاء- الروسية قامت مرارا بحماية البيوت من ال ...
- ألمانيا ترحّل 23 أفغانيًا -معظمهم مدانون بجرائم خطيرة-
- السعودية تؤكد ضرورة بقاء مضيق هرمز وباب المندب مفتوحين وآمني ...
- 5 عادات يومية ترفع ضغط الدم دون أن تشعر
- عُمان وإيران تتفقان على إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك في مضيق ه ...
- الجيش الروسي يدمر خزانات وقود تابعة للقوات الأوكرانية في مين ...
- قراءة إسرائيلية: الولايات المتحدة تريد قطع صلة إيران بالعالم ...


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المنعم أديب - الإشارات والتنبيهات .. البيان السينوي الأخير