أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - المهاجرون والبكاء الضاحك














المزيد.....

المهاجرون والبكاء الضاحك


محمد وهاب عبود

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 15:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في مقاطع مصورة لا تتجاوز بضع ثوان عبر منصات التواصل الاجتماعي، تتدفق صور لحياة تبدو وكأنها من الفردوس.
شباب في مقتبل العمر يتجولون في شوارع أوروبية براقة يقودون سيارات مستأجرة، وترافقهم شابات شقراوات. يبثون هذه المشاهد لتصل إلى هواتف ملايين الشبان القابعين في أزقة المشرق والمغرب العربي، فترسم في أذهانهم سرابا ورديا يوحي بأن العبور الى أوروبا ليس سوى تذكرة فورية نحو الثروة والاعتراف والبهجة والسعادة المطلقة.

غير أن وراء هذا الإطار الرقمي البراق، تختفي ماساة إنسانية واجتماعية معقدة حيث يتحول هذا الاستعراض إلى تضليل غير واع أو تعويض نفسي عن واقع مرير، يطمس التحديات التي تكابدها الغالبية العظمى من المهاجرين واللاجئين في القارة العجوز.

إن هذه الظاهرة تعيد إلى الأذهان رسائل المهاجرين في مطلع القرن العشرين من مناجم الفحم وغياهب المصانع الأوروبية والأمريكية، حين كانوا يبعثون بصورهم مرتدين أفضل ما استعاروه من ملابس لإخفاء بؤس العمل ومرارة السخرة عن عائلاتهم.

واليوم يعيد الفضاء الرقمي إنتاج الوهم ذاته إذ يلجأ بعض الشباب إلى تصدير صورة نصر وهمي للتغطية على شعور داخلي ساحق بالدونية أو التهميش، متناسين أن تحويل العلاقات الإنسانية ولون البشرة إلى أدوات استعراضية يعكس استلاباً فكرياً يختزل القيمة الإنسانية في مظاهر سطحية مستوردة.

وعلى النقيض تماماً من هذه المشاهد الوردية تكشف البيانات والدراسات عن واقع معيشي قاسي يواجه الوافدين الجدد. فوفقاً لتقارير وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية ، يواجه ما يقارب نصف المهاجرين من أصول عربية وأفريقية تمييزا منهجيا متزايدا في سوق العمل والإسكان؛ حيث تشير دراسات التوظيف القائمة على السير الذاتية المتطابقة إلى أن حاملي الأسماء غير الأوروبية يحتاجون إلى إرسال أضعاف الطلبات للحصول على مقابلة عمل واحدة مقارنة بنظرائهم من أبناء البلد، بغض النظر عن الكفاءة والشهادات الأكاديمية.

يضاف إلى ذلك ظاهرة هدر الكفاءات حيث ينتهي المطاف بأطباء ومهندسين وخريجين جامعيين في وظائف خدمية منهكة تمتد لاثنتي عشرة ساعة يوميا في قطاعات التوصيل، والتنظيف، أو المستودعات اللوجستية المغلقة، تحت وطأة تضخم اقتصادي وارتفاع جنوني في أسعار الإيجارات يلتهم الجزء الأكبر من الدخل.

ولا تتوقف المعاناة عند حدود الضغوط المادية، بل تمتد إلى مناخ سياسي واجتماعي يزداد برودة وقتامة. فالقارة الأوروبية تشهد اليوم صعوداً قياسياً للتيارات اليمينية المتطرفة والشعبوية التي جعلت من معاداة المهاجر وتشديد قوانين اللجوء ورقتها الرابحة في الانتخابات العامة والمحلية.

يجد الوافد نفسه محاصرا بخطاب رسمي وإعلامي يربط وجوده بالأزمات الأمنية وتآكل الهوية الوطنية، فضلا عن الاصطدام ببنية اجتماعية فردانية شديدة الانعزال تفتقر إلى شبكات الأمان العاطفي والترابط الإنساني المألوف في المجتمعات الشرقية، مما يولد وباء صامتا من العزلة والاضطرابات النفسية التي لا تجد طريقها إلى عدسات الهواتف.

إن تسويق الوهم عبر مقاطع مضللة لا يمثل مجرد تزييف للحقائق الفردية، بل هو جناية أخلاقية بحق آلاف الشباب الذين يدفعهم هذا البريق الزائف للمخاطرة بأرواحهم وأموالهم في قوارب الموت وغابات التهريب، بحثاً عن سراب لا وجود له.

فالهجرة في جوهرها تجربة شاقة لإعادة بناء الذات تتطلب سنوات من الكدح والصبر والتكيف في بيئة تنافسية معقدة، وليست نزهة مجانية في حديقة أحلام. وحين يتحول الاغتراب من بحث مشروع عن الأمان والكرامة إلى استعراض أجوف يغذي النرجسية الرقمية، يصبح لزاماً تفكيك هذه السرديات المزيفة ووضع الحقيقة أمام الجميع المتمثلة في إن الكرامة لا تقاس بصديقة شقراء أو بريق سيارة مستأجرة، انما بالقدرة على العيش بحرية وعدالة والاعتراف بأن الهجرة امتحان وجودي قاس لا يرحم الحالمين.

دكتور محمد وهاب عبود/ باحث واكاديمي



#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سردية النجاة وشهادة الذاكرة في -نخلة وزيتونة ومنارة-
- أوطان البؤس ومصانع اليأس
- عراق ما بعد النفط
- على رصيف الزمن
- ثرثرة التحول الرقمي
- ترامب يفسد كأس العالم
- استعصاء محو الفساد في العراق
- الزبائنية وشيطنة الاشتراكية
- العيد وعقدة البرمودا
- المشهد من قمة بكين
- صلاة الرئيس
- من السلام بالقوة إلى الغموض الاستراتيجي
- إعلام ساخن وجمهور بارد
- أمريكا وأطفال الحصار.. هل يتكرر السيناريو؟
- التنفس عبر فوهات المدافع
- عودة -أبو خليل-
- مواقع تتربح وطفولة تُستباح
- المنطقة الرمادية بين النصر والهزيمة
- الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي
- ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟


المزيد.....




- رئيس المرحلة الانتقالية في مالي يوافق على دعوة تبون لزيارة ا ...
- الرئيس الإيراني لقائد الجيش الباكستاني: البلطجة والغطرسة الأ ...
- وزيرة خارجية هنغاريا تؤكد معارضة بلادها لانضمام أوكرانيا الس ...
- عقود مليارية وتعاون دفاعي استراتيجي وتوافق في ملفات سوريا وه ...
- ميروشنيك يشبه تصريحات رئيس فنلندا حول استهداف نظام كييف المر ...
- فاغنكنخت تتوقع خسارة فادحة لحزب ميرتس في انتخابات ساكسونيا-أ ...
- الولايات المتحدة تعلن استعدادها لتسهيل المفاوضات بين موسكو و ...
- الدكتور/ محمد يوسف يكتب السد الإثيوبي: بين شفافية المعلومة و ...
- ألمانيا تقر أعمق إصلاح لأجهزة الاستخبارات في تاريخها الحديث ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. تفاصيل المشهد الميداني في الضفة الغر ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - المهاجرون والبكاء الضاحك