أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أميمة البقالي - أزمة الأخلاق في مجتمعنا العربي: حين يصبح الأدب ضعفًا والوقاحة قوة















المزيد.....

أزمة الأخلاق في مجتمعنا العربي: حين يصبح الأدب ضعفًا والوقاحة قوة


أميمة البقالي
(Oumaima Elbakkali)


الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 08:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هناك أزمات في المجتمعات لا تظهر في أرقام الاقتصاد، ولا في نسب البطالة، ولا في ارتفاع الأسعار، وإنما تظهر في طريقة تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان. ومن أخطر الأزمات التي يمكن أن يعيشها أي مجتمع أزمة الأخلاق؛ لأن المجتمع مهما امتلك من المال والعلم والتكنولوجيا، فإنه لا يستطيع أن يعيش بصورة سليمة إذا فقد أفراده الاحترام والصدق والرحمة والأمانة وحسن التعامل.

وفي مجتمعاتنا العربية، أصبح الحديث عن تراجع الأخلاق أمرًا حاضرًا في أحاديث الناس اليومية. نسمع كثيرًا عبارات مثل: "أين ذهب الاحترام؟"، "لم يعد الناس كما كانوا"، "أصبح الكلام جارحًا"، "لم تعد هناك حدود في التعامل". وقد تناولت كتابات عربية مختلفة ظواهر مثل الجلافة وقلة الذوق والعنف اللفظي وتراجع بعض القيم الاجتماعية.

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تغير المجتمع؟ بل: لماذا تغيرت طريقة تعاملنا مع بعضنا؟

لقد أصبحنا نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يتحدث إلى مئات الأشخاص في اليوم، لكنه قد لا يستطيع أن يتحدث باحترام إلى الشخص الموجود أمامه. أصبحنا نملك وسائل اتصال لا حصر لها، ولكننا في بعض الأحيان فقدنا لغة التواصل الحقيقي. نستطيع إرسال رسالة في ثانية، لكننا نعجز عن قول كلمة طيبة لمن يحتاجها.

ومن أكثر مظاهر الأزمة الأخلاقية انتشارًا قلة الأدب في الحديث. فقد أصبح رفع الصوت عند البعض علامة على القوة، وأصبحت الإساءة إلى الآخرين نوعًا من "الصراحة"، وأصبح التجريح يسمى "حرية تعبير"، وأصبح السخرية من الناس وسيلة للضحك وجذب الانتباه.

والحقيقة أن الصراحة لا تعني الوقاحة، والحرية لا تعني إهانة الآخرين، والقوة لا تعني أن ترفع صوتك على الضعيف.

قد يختلف الإنسان معك في الرأي، وهذا أمر طبيعي، لكنه يستطيع أن يختلف معك دون أن يهينك. وقد ينتقدك، لكنه يستطيع أن ينتقد الفكرة دون أن يحطم الإنسان. وقد يرفض طلبك، لكنه يستطيع أن يرفضه بأدب. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية مجتمعًا محترمًا.

الأخلاق لا تظهر عندما نتعامل مع الأشخاص الذين نحبهم فقط؛ الأخلاق الحقيقية تظهر عندما نختلف، وعندما نغضب، وعندما نمتلك القدرة على إيذاء شخص آخر ثم نختار ألا نفعل.

ومن المؤسف أن بعض الناس أصبحوا يقيسون قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يحمل من أخلاق. أصبح المال والمظهر والشهرة وعدد المتابعين عند البعض أهم من الصدق والتواضع والعلم والاحترام. وقد يؤدي ذلك إلى قلب المعايير: يصبح الشخص المحترم "ساذجًا"، والهادئ "ضعيفًا"، والمتواضع "غير مهم"، بينما يحصل الشخص الصاخب أو المستفز على اهتمام أكبر.

وهنا تكمن المشكلة.

عندما يكافئ المجتمع السلوك السيئ بالاهتمام، فإن بعض الأشخاص سيستمرون فيه. وعندما تتحول الوقاحة إلى وسيلة للشهرة، يصبح الصمت عن الخطأ مشاركة غير مباشرة في انتشاره.

ولعل وسائل التواصل الاجتماعي كشفت جانبًا كبيرًا من هذه الأزمة. فالشخص الذي كان يتردد في قول كلمة جارحة وجهًا لوجه قد يكتبها بسهولة خلف شاشة الهاتف. وقد أصبح من السهل أن نحكم على شخص لا نعرفه، وأن نشتم شخصًا لم نلتق به، وأن نسخر من صورة أو موقف أو خطأ، ثم نغلق الهاتف ونواصل حياتنا وكأن شيئًا لم يحدث.

لكن خلف كل حساب إنسان له مشاعر وكرامة.

إن التكنولوجيا ليست شرًا في ذاتها، ولكن المشكلة تكمن في الطريقة التي يستخدمها الإنسان بها. يمكن لوسائل التواصل أن تنشر العلم والثقافة والتسامح، ويمكنها في الوقت نفسه أن تنشر التنمر والإشاعات والكراهية والإهانة. لذلك فإن الأزمة ليست أزمة هاتف، بل أزمة وعي ومسؤولية.

وهناك جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو دور الأسرة.

فالطفل لا يتعلم الأخلاق من الكلمات فقط، بل من المشاهدة والتقليد. إذا رأى والده يحترم الآخرين، ويتحدث بهدوء، ويعتذر عندما يخطئ، فسيتعلم أن الاعتذار ليس ضعفًا. وإذا رأى أمه تتعامل مع الناس برحمة واحترام، فسيفهم أن الأخلاق ممارسة يومية وليست درسًا نظريًا.

أما إذا كان الطفل يسمع في البيت الشتائم والصراخ والإهانة، ثم نطلب منه أن يكون مؤدبًا، فإننا نطالبه بشيء لم نعلمه إياه.

كما أن المدرسة لا ينبغي أن تكون مكانًا لتعليم المعلومات فقط. فالمدرسة التي تعلم الطالب الرياضيات واللغات والعلوم، ثم لا تعلمه احترام زملائه وأساتذته، وتحمل المسؤولية، وقبول الاختلاف، واحترام الوقت، والصدق في العمل، لم تؤدِّ كامل رسالتها التربوية.

الأخلاق ليست مادة دراسية تحفظ في الامتحان، بل سلوك يمارس في الحياة.

ومن أخطر مظاهر الأزمة أيضًا النفاق الأخلاقي. فقد نجد شخصًا يتحدث كثيرًا عن الأخلاق، لكنه لا يحترم العامل البسيط. وقد يتحدث عن الدين، لكنه يسيء إلى والديه. وقد يدعو إلى احترام المرأة، ثم يهين زوجته أو أخته. وقد يطالب الناس بالصدق، لكنه يكذب عندما تكون مصلحته في ذلك.

وهنا يجب أن نفهم أن الأخلاق لا تُقاس بما نقوله عن أنفسنا، وإنما بما نفعله عندما لا يراقبنا أحد.

ليس المطلوب أن يكون المجتمع مثاليًا؛ فهذا غير ممكن. ولكن المطلوب أن نرفض تحويل الخطأ إلى شيء طبيعي. أن نرفض أن تصبح الإهانة أسلوبًا في الحوار، والكذب ذكاءً، والغش شطارة، والأنانية قوة، والتنمر مزاحًا.

إن إصلاح الأخلاق يبدأ من الفرد قبل أن يبدأ من المجتمع. لا ينبغي أن ننتظر أن يتغير الجميع حتى نتغير نحن. يمكن للإنسان أن يبدأ من نفسه: أن يحترم الكبير والصغير، أن يقول "من فضلك" و"شكرًا"، أن يعتذر عندما يخطئ، ألا يسخر من الآخرين، ألا ينشر إشاعة، وألا يستغل ضعف شخص آخر.

قد تبدو هذه الأشياء بسيطة، لكنها ليست بسيطة أبدًا. فالحضارة تبدأ من التفاصيل الصغيرة.

إن المجتمع الذي يحترم الإنسان هو مجتمع قوي، والمجتمع الذي يعتاد أفراده على إهانة بعضهم بعضًا يصبح مجتمعًا هشًا مهما كانت مظاهره الخارجية جميلة.

لذلك فإن أزمة الأخلاق ليست أزمة جيل واحد، وليست مشكلة الشباب وحدهم، وليست مسؤولية الأسرة وحدها أو المدرسة وحدها. إنها مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع والفرد.

وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن الإنسان قد يفقد المال ويستعيده، وقد يفقد منصبًا ويحصل على غيره، وقد يفقد الشهرة ثم ينساها الناس، لكن عندما يفقد احترام الناس وثقتهم بسبب سوء أخلاقه، فإنه يخسر شيئًا أصعب بكثير في استعادته.

فالأدب ليس ضعفًا، والاحترام ليس تنازلًا، والرحمة ليست سذاجة، والاعتذار ليس هزيمة.

إن قوة الإنسان الحقيقية ليست في قدرته على إهانة الآخرين، بل في قدرته على ضبط نفسه عندما يستطيع أن يؤذيهم.



#أميمة_البقالي (هاشتاغ)       Oumaima_Elbakkali#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قلة الأدب في مجتمعنا العربي: عندما يفقد الكلام قيمته
- العلم... رسالة الحضارة وطريق المستقبل
- حين تُزهر الروح في صمت
- الفلسفة بين الصمت والكلمات
- الإنسان والبحث الأبدي عن المعنى
- التغير المناخي وتأثيره العميق على النظام البيئي والاقتصاد ال ...
- الذكاء الاصطناعي بين التقدم الأخلاقي والمخاطر المستقبلية
- التاريخ وأهميته في فهم الحاضر
- الدبلوماسية في العالم الحديث
- الديمقراطية ودورها في بناء المجتمعات الحديثة
- السياسة الدولية وأثرها على العلاقات بين الدول
- الإنسان بين الحرية والقدر
- معنى الوجود في عالم متغير
- إشكالية الوعي والذات: بين الحقيقة والوهم
- إشكالية الوجود بين الحرية والحتمية
- هل ما زالت الديمقراطية تعبر عن إرادة الشعوب؟
- الديمقراطية بين المبادئ والتحديات في الواقع المعاصر
- رمضان بين روح العبادة وثقافة الاستهلاك
- رمضان بين قدسية الشعيرة وتحولات المجتمع المعاصر
- أزمة القيم في زمن السرعة: حين يصبح النجاح شكلاً بلا مضمون


المزيد.....




- تحليل: لعنة -أغسطس الأسود- تطارد روسيا.. ماذا يواجه بوتين هذ ...
- هجوم روسي بأسلوب -الضربة المزدوجة- على مركز تجاري أوكراني.. ...
- الحب والطعام والحركة..نصائح زوجين معمّرين لحياة أطول!
- -دولار مقابل دولار-.. هل تقترب كندا وواشنطن من حرب تجارية؟
- أوشاكوف: بوتين وترامب سيتحدثان في قمة أبيك في الصين حال مشار ...
- مكتب نتنياهو يشترط نزع سلاح حماس فعليا للانسحاب من غزة ويحذر ...
- العراق يستعد لإعادة 6 آلاف سجين من 61 جنسية إلى بلدانهم
- فضيحة ترودو وبيري تطغى على انهيار مفاوضات كندا وأمريكا (صور+ ...
- الزراعة: “بحوث الصحة الحيوانية” يتسلم منصة متطورة لرصد الأمر ...
- وزيرة الإسكان تتابع موقف تنفيذ المشروعات السكنية والخدمية بم ...


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أميمة البقالي - أزمة الأخلاق في مجتمعنا العربي: حين يصبح الأدب ضعفًا والوقاحة قوة