أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أميمة البقالي - قلة الأدب في مجتمعنا العربي: عندما يفقد الكلام قيمته















المزيد.....

قلة الأدب في مجتمعنا العربي: عندما يفقد الكلام قيمته


أميمة البقالي
(Oumaima Elbakkali)


الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 04:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم تكن الأخلاق يومًا مجرد كلمات جميلة نكتبها في الكتب أو نرددها في المناسبات، بل كانت وما زالت أساسًا تقوم عليه العلاقات الإنسانية. فقبل أن يكون الإنسان متعلمًا أو غنيًا أو صاحب منصب، يجب أن يكون إنسانًا يعرف كيف يحترم غيره.

ولكننا في السنوات الأخيرة نلاحظ في حياتنا اليومية صورًا متعددة من قلة الأدب وسوء التعامل: شخص يصرخ في وجه موظف لأنه تأخر في خدمته، شاب يسخر من رجل كبير في السن، شخص يهين عاملًا لأنه يراه أقل منه مكانة، سائق يشتم سائقًا آخر بسبب موقف بسيط، أو مستخدم على الإنترنت يحول اختلافًا في الرأي إلى معركة من الشتائم والإهانات.

قد تبدو هذه المواقف منفصلة، لكنها في الحقيقة تكشف مشكلة أعمق: تراجع ثقافة الاحترام.

فالاحترام ليس أن تحترم من هو أعلى منك فقط. الاحترام الحقيقي أن تحترم من لا تستطيع أن تستفيد منه، وأن تحترم العامل كما تحترم المدير، والفقير كما تحترم الغني، والضعيف كما تحترم القوي.

ومن المؤسف أن بعض الناس يربطون الاحترام بالمصلحة. فإذا كان الشخص صاحب سلطة أو مال، أصبح الكلام معه لطيفًا ومحترمًا، وإذا كان شخصًا بسيطًا، تغيرت نبرة الصوت وطريقة المعاملة.

وهذا ليس احترامًا، بل مصلحة.

الإنسان صاحب الأخلاق لا يغير أسلوبه حسب مكانة الشخص أمامه. فهو مؤدب مع الجميع، لأنه يعرف أن قيمة الإنسان لا تتحدد بثروته أو منصبه.

ومن أكبر المشكلات التي نواجهها اليوم أن قلة الأدب أصبحت عند البعض وسيلة لإثبات الشخصية. هناك من يعتقد أن الإنسان إذا كان هادئًا ومحترمًا فسوف يستغل الآخرون طيبته. ولذلك يتعمد القسوة والجفاء حتى يبدو قويًا.

لكن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى إهانة.

الشخص الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تحطيم الآخرين حتى يشعر بقيمته. أما الشخص الذي يرفع صوته باستمرار، ويستخدم الكلمات الجارحة، ويسخر من الناس، فقد يكون في الحقيقة يحاول إخفاء ضعف داخلي.

ومن هنا يجب أن نعيد تعريف القوة في مجتمعاتنا.

القوي ليس من يستطيع أن يخيف الناس، بل من يستطيع أن يسيطر على غضبه. القوي ليس من يربح كل نقاش بالصراخ، بل من يستطيع أن يستمع إلى رأي مخالف دون أن يفقد احترامه. القوي ليس من يجرح الآخرين، بل من يمتلك القدرة على الرد دون إساءة.

كما أن أزمة الأخلاق تظهر بوضوح في الشارع والأماكن العامة.

نرى أحيانًا من يرمي النفايات في الطريق رغم وجود سلة قريبة، ومن يتجاوز دوره، ومن يرفع صوته في الأماكن التي تحتاج إلى الهدوء، ومن يوقف سيارته بطريقة تمنع الآخرين من المرور، ومن يتعامل مع الممتلكات العامة وكأنها لا تخصه.

وهنا يجب أن نفهم أن الأخلاق ليست مرتبطة فقط بعلاقة الإنسان بالأشخاص، وإنما بعلاقته بالمكان والمجتمع أيضًا.

عندما نحافظ على نظافة الشارع، نحن نحترم الآخرين. وعندما نلتزم بالدور، نحن نحترم وقت الآخرين. وعندما نخفض أصواتنا في الأماكن العامة، نحن نحترم راحة الآخرين.

هذه السلوكيات الصغيرة هي التي تكشف مستوى الوعي الحقيقي للمجتمع.

أما على الإنترنت، فقد أصبحت المشكلة أكثر تعقيدًا. فهناك أشخاص يكتبون كلمات لم يكونوا ليجرؤوا على قولها في مواجهة الشخص مباشرة. وقد أصبح البعض يتعامل مع التعليقات كأنها مساحة بلا قوانين أخلاقية.

والأخطر أن بعض الإهانات أصبحت تُقدم على أنها "مزاح".

لكن المزاح الذي يجعل إنسانًا يشعر بالإهانة ليس مزاحًا بريئًا.

ليس من حق الإنسان أن يضحك على شكل شخص، أو لهجته، أو فقره، أو عائلته، أو عمله، أو أخطائه، ثم يقول: "كنت أمزح."

المزاح الجميل هو الذي يضحك فيه الجميع، وليس الذي يضحك فيه شخص على حساب كرامة شخص آخر.

ومن الأسباب التي ساهمت في انتشار هذه السلوكيات أيضًا ضعف الحوار داخل الأسرة. عندما لا يتعلم الطفل كيف يعبر عن غضبه بالكلمات، قد يستخدم الصراخ. وعندما لا يتعلم كيف يختلف مع الآخرين، قد يستخدم الإهانة. وعندما لا يتعلم الاعتذار، قد يعتبر الاعتذار إذلالًا.

لذلك يجب أن نربي أبناءنا على فكرة مهمة جدًا: من حقك أن تغضب، لكن ليس من حقك أن تهين.

ومن حقك أن تختلف، لكن ليس من حقك أن تكره.

ومن حقك أن ترفض، لكن ليس من حقك أن تحقر.

ومن حقك أن تدافع عن نفسك، لكن ليس من حقك أن تظلم غيرك.

وهنا يأتي دور التربية الأخلاقية. فالدراسات والكتابات حول القيم الاجتماعية تؤكد أهمية التعلم والتربية في ترسيخ السلوك الأخلاقي، خصوصًا في ظل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة.

لكن علينا أيضًا أن نتوقف عن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية كل شيء. فالشباب يتعلمون من الكبار، ويشاهدون سلوك المجتمع من حولهم. فإذا رأى الشاب شخصًا يغش ويحقق النجاح، أو يكذب ويكافأ، أو يهين الآخرين ولا يجد أي رفض اجتماعي، فمن الطبيعي أن تتشوش لديه المعايير.

لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى قدوة.

نحتاج إلى آباء وأمهات يمارسون ما يقولونه، ومعلمين يحترمون الطلاب، ومديرين يعاملون الموظفين بإنصاف، ومسؤولين يتحملون مسؤولياتهم، وشخصيات عامة تدرك أن تأثيرها لا يأتي من الكلام فقط، بل من السلوك.

فلا يمكن أن نطلب من الناس الصدق ونحن نكافئ الكذب، ولا يمكن أن نطلب منهم احترام القانون بينما يتجاوز بعض أصحاب النفوذ القواعد، ولا يمكن أن نطلب من الأطفال الأدب وهم يرون الكبار يمارسون العنف اللفظي يوميًا.

الأخلاق تبدأ عندما تتوقف المسافة بين ما نقوله وما نفعله.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن يوجد فيه شخص سيئ الأخلاق، فهذا أمر موجود في كل المجتمعات، وإنما أن يبدأ المجتمع في تطبيع السلوك السيئ.

أن تصبح الشتيمة أمرًا عاديًا.

أن يصبح التنمر مزاحًا.

أن يصبح الغش ذكاءً.

أن تصبح قلة الاحترام "شخصية قوية".

أن يصبح الاعتذار عيبًا.

أن يصبح التسامح ضعفًا.

عندها لا تكون المشكلة في أفراد محدودين فقط، بل في المعايير التي بدأ المجتمع نفسه يقبل بها.

ومع ذلك، فإن الحديث عن أزمة الأخلاق لا يعني أن كل المجتمعات العربية فقدت قيمها أو أن كل الناس أصبحوا سيئي التعامل. ما زالت هناك عائلات تربي أبناءها على الاحترام، وأشخاص يقدمون المساعدة دون انتظار مقابل، وشباب يعملون بجد، وأناس يحافظون على كرامة الآخرين، ويثبتون كل يوم أن الأخلاق ما زالت حاضرة.

ولهذا يجب ألا يكون هدفنا جلد المجتمع أو اليأس منه، بل إعادة بناء ثقافة الاحترام.

لنبدأ بأنفسنا.

لنحترم العامل.

لنحترم كبار السن.

لنحترم الأطفال.

لنحترم المرأة والرجل.

لنحترم اختلاف الناس.

لنحترم الطوابير والقوانين والأماكن العامة.

ولنحترم الإنسان حتى عندما نختلف معه.

فربما لا نستطيع تغيير ملايين الأشخاص في يوم واحد، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نتعامل بها مع شخص واحد اليوم.

وقد تكون كلمة "شكرًا" التي نقولها لشخص متعب سببًا في تحسين يومه، وقد يكون اعتذارنا الصادق سببًا في إنهاء خلاف، وقد يكون امتناعنا عن نشر إشاعة سببًا في حماية إنسان من الظلم.

في النهاية، لا تحتاج الأخلاق إلى خطابات ضخمة بقدر ما تحتاج إلى أفعال صغيرة تتكرر كل يوم.

فالمجتمع المهذب لا يُبنى بالشعارات، وإنما يبنى بأشخاص يقررون، كل يوم، ألا يكونوا سببًا في أذى الآخرين.

وإذا أردنا أن نعرف مستقبل أي مجتمع، فلننظر فقط إلى جامعاته ومبانيه واقتصاده، بل لننظر إلى الطريقة التي يعامل بها أفراده بعضهم بعضًا.

فحين يصبح الاحترام عادة، يصبح المجتمع أكثر أمانًا.

وحين يصبح الصدق قيمة، تصبح الثقة ممكنة.

وحين يصبح الاعتذار شجاعة، تنتهي خلافات كثيرة.

وحين يصبح الأدب جزءًا من الشخصية، لا يحتاج الإنسان إلى التظاهر بالأخلاق؛ لأن أخلاقه تصبح جزءًا من وجوده.

إن الأزمة الأخلاقية يمكن أن تُصلح، ولكن البداية يجب أن تكون من الإنسان نفسه: من كلمته، ومن تصرفه، ومن احترامه للآخرين عندما لا ينتظر منهم شيئًا.



#أميمة_البقالي (هاشتاغ)       Oumaima_Elbakkali#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلم... رسالة الحضارة وطريق المستقبل
- حين تُزهر الروح في صمت
- الفلسفة بين الصمت والكلمات
- الإنسان والبحث الأبدي عن المعنى
- التغير المناخي وتأثيره العميق على النظام البيئي والاقتصاد ال ...
- الذكاء الاصطناعي بين التقدم الأخلاقي والمخاطر المستقبلية
- التاريخ وأهميته في فهم الحاضر
- الدبلوماسية في العالم الحديث
- الديمقراطية ودورها في بناء المجتمعات الحديثة
- السياسة الدولية وأثرها على العلاقات بين الدول
- الإنسان بين الحرية والقدر
- معنى الوجود في عالم متغير
- إشكالية الوعي والذات: بين الحقيقة والوهم
- إشكالية الوجود بين الحرية والحتمية
- هل ما زالت الديمقراطية تعبر عن إرادة الشعوب؟
- الديمقراطية بين المبادئ والتحديات في الواقع المعاصر
- رمضان بين روح العبادة وثقافة الاستهلاك
- رمضان بين قدسية الشعيرة وتحولات المجتمع المعاصر
- أزمة القيم في زمن السرعة: حين يصبح النجاح شكلاً بلا مضمون
- بين الواقع الافتراضي والحياة الحقيقية: هل نعيش أم نُشاهِد أن ...


المزيد.....




- أمريكا ترفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
- العاهل السعودي الملك سلمان يتلقى رسالة خطية من رئيس الإمارات ...
- من تمرد المستعبَدين إلى ولادة هايتي، ما قصة الثورة التي غيّر ...
- ولاية ألمانية تمنح -فرصة- للعمل والإقامة لمن لم يحصلوا على ح ...
- وزير الخارجية الروسي يبحث مع نظيره الهندي مستجدات الملفين ال ...
- سيناتور روسي: الهجوم الأوكراني على كراسنودار سيقابل برد مناس ...
- ترامب يصعّد بالعقوبات وإيران تهدد برد مزلزل
- المكاسب المتوقعة لسوريا إثر رفع تصنيفها من قائمة -الدول الرا ...
- ترامب يهاجم ويتوعد كندا: لن نسمح لهم بمواصلة استغلالنا
- واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة على دارفور ليشمل كامل السودان ...


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أميمة البقالي - قلة الأدب في مجتمعنا العربي: عندما يفقد الكلام قيمته