|
|
ألكسندر دوغين - فوتشيتش ضعيف الإرادة وهروب الذكاءات الاصطناعية من صندوق الرمل (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 16:42
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
14 آب أغسطس 2026
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
سؤال - لنبدأ بوضع شديد الحساسية أثار الرأي العام في إتجاهات مختلفة، سواء في العالم الروسي أو السلافي. لقد وصل زيلينسكي إلى صربيا، في أول زيارة له إلى بلغراد بصفته الحالية. وأُجريت فعاليات مع الرئيس الصربي فوتشيتش، كما جرى إفتتاح مصنع للطائرات المسيّرة في صربيا، وترددت تصريحات عن إمكانية إسهام نظام كييف في هذا المجال. وبالطبع، إنتشر على نطاق واسع عبر شبكات التواصل مقطع فيديو لسؤال طرحه صحفي ألماني ــ مع الإعتذار عن التعبير ــ حول ما يمكن أن يفعله الأوروبيون لكي يقتلوا مزيداً من الروس، وإن كان قد صحح نفسه قائلاً «الجنود الروس». ما رأيك في الزيارة عموماً، وفي هذه التفاصيل تحديداً؟
ألكسندر دوغين - إذا وضعنا هذه المسألة في سياق مشكلاتنا في فضاء ما بعد الإتحاد السوفياتي، سواء مع أرمينيا أو الجمهوريات السوفياتية السابقة الأخرى، فإننا نجد أنفسنا أمام النمط نفسه. علاقات متوارثة، وصداقات تقليدية بين روسيا وصربيا بدت في وقت ما راسخة لا تتزعزع، بدأت تتداعى، وهذا مؤلم جداً. أنا أحب الشعب الصربي كثيراً، وقد وضعت الكثير من روحي وقلبي في صربيا وفي تطوير العلاقات بين بلدينا. لذلك فإن ما يحدث يمثل بالنسبة إليّ صدمة كبيرة. كان الصرب، في نظرنا، أولئك الذين أحبونا حين لم يكن أحد يحبنا، ولم يخونونا حين خاننا الجميع. أما ما يفعله فوتشيتش، وهذه المرة الحديث عنه تحديداً، فليس جديداً. إنه يحاول الجلوس على كرسيين في آن واحد: قدم في أوروبا، وأخرى في الحركة الوطنية الصربية ذات النزعة المؤيدة لروسيا. ولعل لديه أكثر من قدمين، لأنه يتمكن من الموازنة بين المسار الأوروبي والعولمي، محاولاً إرضاء الجميع. وبما أنه بقي طويلاً في السلطة رغم الإضطرابات الداخلية والمعارضة، فقد حققت له هذه السياسة نتائج فعلية. لكن مراقبة السياسة الخارجية تقودنا، للأسف، إلى إستنتاج مؤلم: حتى الإنتهازيون الصريحون الذين ينجحون في البقاء طويلاً في السلطة يبدون وكأنهم يؤكدون صحة مقولة مكيافيللي؛ فالمعيار الأساسي للحاكم، في هذا المنطق، ليس أخلاقه، وإنما عدد السنوات التي يبقى فيها في مقعده. فوتشيتش يناور حتى حافة الهاوية: يخون من يستطيع، ثم يتراجع خطوة إلى الوراء. وهذه السياسة الثعلبية، القائمة على «إرضاء هذا وذاك» في الوقت نفسه، تحقق له نتائج سياسية، لكنها توجه ضربة قاسية إلى المثاليين؛ إلى أولئك الصرب الذين يحبون روسيا بصدق لا بدافع المصلحة، وإلى الروس الذين يحملون للشعب الصربي حباً تاريخياً عميقاً. فنحن، في وقت من الأوقات، دخلنا الحرب العالمية الأولى بسبب الصرب، وبسبب وفائنا لإخوتنا الأرثوذكس في البلقان، وكانت النتيجة أن خسرنا إمبراطوريتنا. وكان الصرب ينظرون إلينا بالمثل. ولذلك فإن سلوك فوتشيتش يضرب في الصميم ذلك البعد المثالي من السياسة، وهو بُعد لا يجوز لنا بأي حال أن نتجاهله. السياسة الواقعية تُصنع دائماً في منطقة ما بين المثالية والإنتهازية المطلقة، وهي نوع من التسوية بين الإخلاص والشيطانية. أما الشيطانية الخالصة فنادرة. حتى ترامب يصل إلى السلطة رافعاً شعارات تبدو صحيحة، ثم يخيب آمال أفضل قطاعات الشعب الأمريكي. هكذا تعمل الجيوبوليتيكا دائماً على هذه الحافة. لكن فوتشيتش إقترب الآن من حد تصبح عنده أفعاله متعارضة بصورة مباشرة مع تطلعات الشعب الصربي العميقة ومع جوهر علاقاتنا. بإستضافته زيلينسكي، الذي أراه إرهابياً، وإعلانه عن إنشاء وتطوير طائرات مسيّرة يمكن إستخدامها لقتلنا، يكون قد إقترب من خط أحمر لم يسبق له أن بلغ مثله. صحيح أنه لم يتجاوزه نهائياً؛ فقد سارع إلى التراجع، وخصص بعض الأموال، وحاول أن يوضح أنه لا يريد أن يُساء فهم موقفه، وقال أشياء من قبيل «روسيا عظيمة» وما شابه. لكنه أصبح قريباً جداً من ذلك الخط. ولأننا لا نرد على خطوطنا الحمراء بالسرعة الكافية ــ وأعتقد أننا نستخلص الدروس، لكننا لا نتعجل، ونمنح الآخرين فرصة للتراجع ــ فإننا نتعامل بالطريقة نفسها مع شركاء آخرين. ولا تحقق هذه السياسة أثراً كبيراً. فنحن نسامح من يهيننا ويتحدانا، على أمل أن يعيدوا النظر في مواقفهم. لكنهم نادراً ما يعيدون النظر؛ بل غالباً ما يستنتجون أن بالإمكان تحريك الخطوط الحمراء إلى أبعد، فيقدمون بعد ذلك على خطوة أكثر وقاحة. ومن ناحية أخرى، ليست لدينا أدوات كثيرة لمعاقبة فوتشيتش. فنحن، مثلاً، لن ندعم من وراء ظهره حركات موالية للغرب مرتبطة بسوروس بهدف إسقاطه؛ فهذا سيكون أسوأ بكثير. ولذلك نجد أنفسنا مضطرين أيضاً إلى المناورة في هذه المنطقة الرمادية. أنا مثالي وفيلسوف، وأعيش حياة تأملية، أو ما سماه القدماء bios theoretikos، أي الحياة النظرية التأملية. ولذلك أرى الأمور بصرامة شديدة. فهذه المنطقة الوسطى الضبابية، وهذا الإمتثال، وهذه الخطوات إلى الأمام وإلى الخلف، وهذه الرقصة التي يؤديها الإنتهازيون والبراغماتيون ومهندسو السياسة، لا تثير في نفسي سوى الإستياء. أنا أرى الأمر من خلال الكلمات الإنجيلية: ليكن «نعم» نعم، و«لا» لا. إذا كنتم مع الروس، فكونوا معهم حقاً؛ عانوا معهم وتألموا معهم. فنحن نساعد الآخرين لا طلباً للمكاسب، بل لأننا أناس أصحاب مبادئ. وأعتقد أن رئيسنا يتصرف بهذه الطريقة تحديداً. وهو أيضاً يشعر بالألم أمام هذه التذبذبات التي يبديها هؤلاء الصغار الذين يعيشون في المنطقة الرمادية. ما الإستنتاج الذي أخرج به؟ أعتقد أننا بحاجة إلى صياغة برنامجنا الأقصى، أو الإطار المثالي للسياسة الخارجية الروسية. يجب أن نقول بوضوح للجميع ــ لمن يقف معنا، ولمن قد ينضم إلينا، وللمترددين، وللأعداء ــ كيف نتصور العالم وأوروبا والأمن العالمي والنظام متعدد الأقطاب. نحن بحاجة إلى ما هو أبعد من النهج البراغماتي القائم على «نتقدم قليلاً، ثم نتراجع، ونهدد، ثم نخفف من حدة التحدي». هكذا نتعامل الآن مع باشينيان وفوتشيتش وغيرهما. بدلاً من ذلك، علينا أن نعلن هدفنا بعد النصر الذي أراه حتمياً، حتى لو كان ثمنه التدمير الكامل للإقتصاد الأوكراني والصناعة العسكرية الأوكرانية. لقد بدأنا الآن، في رأيي، السير في هذا الإتجاه، بعدما فقدنا الأمل في الحلول الوسطية وبدأنا نخوض الحرب بصورة جدية. ولن نتوقف إلا عندما نشعر بأن إنتصارنا أصبح غير قابل للعكس، وعندها ستكون روسيا مختلفة تماماً. وسيكون من المفيد أن نعلن منذ الآن صورة واضحة للمستقبل. لماذا لا نصدر إعلاناً يحدد ما سيكون عليه وضع أصدقائنا وأعدائنا بعد إنتصارنا؟ أصدقاؤنا، مثلاً، سيحصلون على كوسوفو، وعلى أوروبا الشرقية الحرة، المحررة من «الإحتلال الأطلسي» والقادرة على أداء دور خط المواجهة. وأوكرانيا حرة، ولكن في إطار دولة سلافية شرقية موحدة. كما ينبغي تحقيق تكامل كامل لفضاء ما بعد الإتحاد السوفياتي بما يخدم جميع شعوبه، مع ضمان السيادة والحماية النووية للجميع. أما الأصدقاء الذين وقفوا معنا، مثل كوريا الشمالية، فعلينا أن نكافئهم بسخاء، وأن نفعل كل ما نستطيع من أجل أولئك المقربين الذين ضحوا بأنفسهم في هذه الحرب ولم يترددوا. وسنرد للصين دعمها بأضعافه، وإن كنا سنتذكر أيضاً أنها ترددت في بعض المراحل. أما إيران، التي تقف بشجاعة إستثنائية، فعلينا أن نقدم لها أقصى درجات الدعم وأن نكافئها. وسنطرح رؤية مختلفة للعالم: عالم متعدد الأقطاب وعادل، تكون فيه روسيا الكبرى ضامناً للحرية والسيادة في مختلف مناطق العالم، في مواجهة الهيمنة الغربية. أما الغرب، فعلينا أن نرد عليه بثلاثة أضعاف ما فعله: أن ندفع الإقتصاد الأوروبي نحو الإنهيار، وأن نحصر النفوذ الأمريكي داخل حدوده الخاصة. وليهتم الأمريكيون بشؤونهم؛ فلديهم كندا والولايات المتحدة، وهذا يكفي. أما البقية فسنعمل على تحريرها: المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والأرجنتين. أدرك أن كثيرين سيقولون إننا نبالغ في طموحاتنا. لكن علينا أن نتذكر أن الروس سبق أن طمحوا في مراحل عدة من تاريخهم إلى أهداف هائلة، ثم تمكنوا، رغم الكلفة والجهد الكبيرين، من تحقيقها. ولذلك ينبغي أخذ الكلمات الروسية على محمل الجد. إذا صغنا مثل هذا البرنامج الأقصى لسياستنا الخارجية ــ من نساعد، ومن نشكر، ومن نعاقب، وأي نظام نريد إقامته في أوروبا التي ينبغي أن تعود، في رأينا، إلى «نسبها الطبيعية»، وماذا سنعرض على الولايات المتحدة بعد فشلها، وما الذي سنبذل جهودنا لتحقيقه ــ عندها ستصبح الصورة واضحة، وسنستطيع بناء سياساتنا إنطلاقًا منها. أما الآن، فنحن نعطي البعض عشرين عاماً، والبعض الآخر عشر سنوات، ونهدد هذا وندعم ذاك. لكن إذا إنتقلنا إلى سياسة إستباقية بدلاً من السياسة التفاعلية، فسنتمكن من بناء أفعالنا وحوافزنا وتهديداتنا على أساس رؤية واضحة. وعندها، أؤكد لكم، ستتغير الصورة برمتها تغييراً جذرياً. يعتقد كثيرون أننا نلعب اللعبة نفسها التي يلعبها هؤلاء السياسيون الصغار، أصحاب الحسابات الآنية. لكن روسيا دولة عظيمة، دولة الزمن الطويل، والفضاء الواسع، والدورات التاريخية الكبرى. ونحن شعب عظيم يعرف كيف يمضي نحو أهدافه على مدى قرون، لا على مدى ولاية رئاسية أو ولايتين. نحن نفكر بالقرون وبأشد القضايا أهمية وجدية. اليوم نشعر بنقص واضح في إعلان رؤيتنا للعالم الذي نريد أن نبنيه في المستقبل. قد تبدو هذه الرؤية غير قابلة للتحقق الآن، أو حتى بعد فترة، لكن إذا وضعنا لأنفسنا هذا السقف وهذه الغاية، فسوف نمضي نحوها بصورة متدرجة وثابتة. وعندها، فإن فوتشيتش أو باشينيان أو مايا ساندو أو غيرهم سيفكر مئة مرة قبل أن يختبر قدرتنا على التحمل أو يتجاوز خطوطنا الحمراء، لأن مثل هذه الأفعال ليست مجرد مناورة سياسية، بل هي إهانة مباشرة لنا. لقد بصق فوتشيتش في وجوهنا بإستقباله زيلينسكي، وبالسماح بتداول الحديث عن مقدار ما يمكن مواصلة قتل الروس. لقد خان الصداقة الروسية ــ الصربية، وخان أيضاً المصالح الصربية نفسها. لكن، بالطبع، لا ينبغي لنا أن نتصرف بتهور أو ننجر إلى إنتقام عفوي يخدم أعداءنا وأعداء الشعب الصربي في آن واحد. نحن لسنا مغامرين. لكن اللحظة باتت تتطلب سياسة عالمية كبرى ورؤية واسعة لمستقبلنا. فنحن نعيش كثيراً على الذكريات التاريخية: لقد ساعدنا الصرب في الحرب العالمية الأولى، وحررنا شعوباً أخرى في الحرب الوطنية العظمى، إلى آخره. وكل ذلك عظيم ومهم، لكنه أصبح جزءاً من الماضي. فالذاكرة الإنسانية تتآكل، ويقال لنا: «نعم، لقد حدث ذلك، ولكن ماذا سيحدث غداً؟». ما ينقصنا هو إستعادة الحجم الروسي المعاصر في رؤيتنا للعالم. هناك صحفي مصري معروف اسمه عمرو، يجري معي مقابلات منذ سنوات طويلة، وقد لاحظ أخيراً أن مواقفي أصبحت أكثر راديكالية، وأنه كلما إزدادت صعوبة الظروف التي تمر بها روسيا في اللحظة الراهنة، إزدادت معها طموحات رؤيتنا العالمية للعالم. وهو محق تماماً! لا ينبغي لنا أن نبني رؤيتنا على إعتبارات اللحظة الراهنة. يجب أن يكون تخطيطنا تاريخياً، يمتد إلى قرن كامل، وأن نرى العمق الحقيقي للعمليات التاريخية. وعندها سنجد النبرة الصحيحة للتعامل مع مختلف النخب: المحايدة، أو التي تسيء إلينا، أو التي تساعدنا، أو التي تتردد بين هذا وذاك. علينا أن نقول لها بصراحة: «أنظروا، إذا واصلتم هذه السياسة الملتبسة، فإننا بعد إنتصارنا ــ وهو آتٍ ــ سنتصرف على هذا النحو وذاك». وبمجرد أن نوضح موقفنا الأقصى، سنكون قادرين على تحقيق مكاسب حتى في الحاضر. سيكون هناك بالطبع كثير من خبراء البحث عن التسويات والحلول الوسط، لكن الخطوة الأولى هي أن نمتلك الجرأة لوصف هذه الرؤية الكبرى: عالم متعدد الأقطاب وعادل، بلا هيمنة غربية، عالم ينسجم مع مصالح روسيا ورؤيتها. ولا ينبغي لنا أن نخشى التصريح بأن شرط قيام هذا العالم هو إنتصارنا في أوكرانيا وإنتصارنا العالمي على الهيمنة الغربية. نحن نستعد لذلك، وسنمضي في هذا الإتجاه مهما إستغرق الأمر. وعلى كل طرف أن يحدد موقفه: أن يقول «نعم» أو «لا». وهذه الإرادة الداخلية الحاسمة يمكن أن تغيّر سياستنا الخارجية برمتها تغييراً جذرياً.
سؤال - لا أعتقد أن هناك ما يمكن إضافته، لأنني كنت أريد أن أسألك تحديداً: ربما كان الصرب أنفسهم يتوقعون شيئاً أكبر من روسيا قبل خمس أو عشر أو عشرين أو حتى خمس وعشرين سنة؟ لكنك، في الواقع، حسمت هذه المسألة عندما قلت إن الأهم هو أن نحدد بوضوح وجهتنا وأهدافنا أمام الجميع. لذلك دعني أطلب منك التعليق على المبادرة التركية. تركيا تقترح هدنة في البحر الأسود ووقفاً مؤقتاً للهجمات على السفن التجارية. إنه تصريح غريب جداً، خصوصاً أن الجميع يعرف جيداً من الذي يهاجم هذه السفن، ومع ذلك تتوجه أنقرة إلى نظام كييف وإلى روسيا وكأنهما متساويان في المسؤولية. هكذا تحدث وزير الخارجية هاكان فيدان. كيف ينبغي أن نتعامل مع تركيا؟ فهي ليست دولة تجلس على كرسيين فحسب، بل ربما على ثمانية عشر كرسياً، ومع ذلك تنجح حتى الآن في تحصيل العوائد من جميعها.
ألكسندر دوغين - هذا بالضبط ما كنا نتحدث عنه: الترددات الصغيرة نفسها. تركيا شريكة لنا، وهي أمة أوراسية عظيمة، ولدى قطاعات واسعة منها توجهات مناهضة للغرب، لكن سياستها تقوم عاماً بعد عام على الموازنة بين الأطراف. يقول الأتراك: «فلنعقد هدنة ونوقف الضربات». أما ردنا فينبغي أن يكون: دعونا نقرر نحن بأنفسنا ما الذي سنفعله في البحر الأسود وعلى الأراضي الأوكرانية. سنحررها أولاً، وسنفعل كل ما يلزم لتحقيق النصر، وبعد ذلك يمكننا أن نتحدث. دعونا لا نفعل ذلك الآن، ولنؤجل كل هذه المناشدات. نحن نتصرف بصورة متناظرة: سنقطع أوكرانيا عن البحر، ونحوّل أوديسا إلى مدينة بلا ميناء، بحيث لا تصل إليها أي سفينة، ولا تدخل إليها أي شحنات. ونحن، في رأيي، نتصرف بصورة صحيحة تماماً، رغم كل مناشدات الأصدقاء الأتراك أو الغربيين. فما إن نبدأ بإستعادة زمام المبادرة وتحقيق الإنتصارات، حتى يهرع هؤلاء إلينا مطالبين بالتوقف والإنتظار وعدم إستثمار النجاح. ويستمرون في ذلك إلى أن يقتنعوا من جديد بأنهم قادرون على دعم خصومنا. لذلك، فلنحسم مسألة أوديسا، ولنحرم أوكرانيا بالكامل من الوصول إلى أي فضاء بحري، وبعد ذلك يمكننا أن نتحدث مع تركيا. والأفضل من ذلك أن نجري الحوار بعد تحرير أوكرانيا بأكملها. روسيا لطالما عرفت كيف تجمع بين الحكمة والمرونة. وعندما نحقق أهدافنا ونحرر أوكرانيا، سنقول للأتراك: «تريدون الملاحة؟ تفضلوا. أرسلوا سفنكم إلى مينائنا الروسي في أوديسا، وسنستقبلها بكل سرور». وسنتاجر ونتبادل السلع التي يحتاج إليها كل منا، سواء كان ذلك اليورانيوم لمحطات الطاقة النووية أو حتى الطماطم...
سؤال - يبدو أن ما ينقصهم هو «طوران الكبرى»؛ بل ربما ينقصهم القرم أيضاً...
دوغين: لا، لا... كل هذه الأحاديث عن «طوران الكبرى» ستتضح حقيقتها. لقد كان هناك أيضاً مشروع «أوكرانيا الكبرى»، وماذا بقي منه؟ مجرد شظايا تتصاعد منها ألسنة الدخان. والشيء نفسه سيحدث لأي مشروع يحاول أن يُبنى على حسابنا. كل واحد منها سيتحول إلى خراب. نحن نعيش في عالم لم تعد فيه المعاهدات الإنسانية، ولا العقود، ولا الإتفاقات ــ الإقتصادية منها أو السياسية ــ تؤدي دورها السابق. لم تعد هناك تلك الأطراف المستقرة والفاعلة التي يمكننا أن نعقد معها اتفغاقات موثوقة يمكن الركون إليها. لذلك علينا أن نبني عالماً جديداً يلائمنا نحن أيضاً. ولتحقيق ذلك، ينبغي هدم النظام العالمي القائم وإعادة بنائه من جديد. وبالنسبة إلى تركيا، سنحجز لها بالتأكيد مكاناً لائقاً، سيادياً وحراً في هذا العالم. فنحن نكنّ الكثير من الود للشعب التركي الرائع. ولكن بعد ذلك. عندما ننهي هذه المرحلة الحالية، وهي المرحلة الأكثر حدة في الصراع، علينا أن نتذكر أننا واجهنا تحدياً وجودياً. ويجب أن نثبت أمرين: أولاً، أننا موجودون أصلاً؛ وثانياً، أننا بالفعل ما نقول إننا عليه: فاعل حقيقي، وقوة عالمية ذات سيادة. وطالما أننا لم نحرر أوكرانيا بأكملها، فلن نكون قد أثبتنا ذلك، ولن يصدقنا أحد.
سؤال - أقترح أن نواصل بموضوع حظي بنقاش واسع خلال الأسبوع الماضي، بل وقبل ذلك بقليل. فبسبب موجة الحر غير المسبوقة التي ضربت الجزء الأوروبي من القارة، إرتفع الطلب على الوقود اللازم لتشغيل أجهزة التكييف بصورة حادة. وظهرت نتائج غير مباشرة أخرى؛ فقد إنخفض منسوب نهر الدانوب، وإضطرت المجر مؤقتاً إلى إيقاف إحدى محطات الطاقة النووية التي تؤمّن نسبة كبيرة من إستهلاك البلاد من الكهرباء. لقد سمعنا من قبل أن موارد الطاقة ليست حيوية في الشتاء فحسب، بل في الصيف أيضاً، لكن هذه الحقيقة تبدو هذا العام أكثر وضوحاً وإلحاحاً. كيف تكشف هذه الأزمة مشكلات أوروبا المعاصرة، الإقتصادية منها والطاقوية، وربما الفلسفية أيضاً؟
ألكسندر دوغين - الطاقة مفهوم بالغ الأهمية بالنسبة إلى المجتمع الحديث. نحن نعيش بطريقة إصطناعية، ونعتمد على محطات توليد الكهرباء والتدفئة، ومصافي النفط، ومختلف مصادر إنتاج الطاقة، أكثر بكثير مما نتصور. عندما يسود الهدوء والسلام، لا ننتبه إلى ذلك: يكون المنزل دافئاً في الشتاء، بارداً في الصيف، ووسائل النقل تعمل بصورة طبيعية. لكن في اللحظة التي تُقطع فيها عنا موارد الطاقة، كما يحدث مثلاً بسبب الحرب الدائرة الآن في أوكرانيا، نبدأ في إدراك أن العالم المحيط بنا قاسٍ إلى حد بعيد. الطبيعة قاسية. ومن الجميل والرومانسي أن تراقب المطر أو الثلج المتساقط، ولكن فقط عندما يكون لديك تدفئة. أما عندما تجد نفسك بلا طاقة، فإن كل هذه الجماليات تتحول إلى صراع من أجل البقاء. أوكرانيا تواجه هذه الحقيقة الآن بكل قسوتها، ونحن بدأنا نشعر بها أيضاً، لأن العدو يوجه إلينا ضربات مؤلمة ومؤثرة. ونبدأ في إدراك أن وسائل الراحة التي إعتدنا عليها ــ حتى أشياء بسيطة مثل توصيل البيتزا أو توفر الوقود في محطات البنزين ــ لا تظهر من تلقاء نفسها. وراءها عمال النفط والمهندسون والعمال، وخلف النفط نفسه طاقة هائلة إختزنتها الأرض على مدى ملايين السنين. علينا أن نشعر بصورة أكثر حدة بوجودنا في هذا العالم. كان الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هايدغر ــ نحن لا نحب الألمان هذه الأيام، ولأسباب أراها مبررة تماماً، لكن لا يمكن إنكار أن لديهم مفكرين مذهلين ــ يقول إن الإنسان، عندما ينظر إلى العالم بإعتباره مجرد موضوع خارجي موضوع تحت تصرفه، لا يفقد العالم وحده، بل يفقد نفسه أيضاً. علينا أن نفكر من خلال مفهوم «الوجود-في-العالم» (In-der-Welt-sein). وهذا المفهوم يفرض علينا إدراك الواقع بكل تفاصيله: فإذا كان هناك نفط، فهناك من يستخرجه ويكرره؛ وإذا كانت هناك طاقة، فهناك مهندسون يبنون السدود ومحطات توليد الكهرباء. وإذا أصبح وعينا بهذا «الوجود-في-العالم» أعمق، فسوف نتعامل مع كل شيء بصورة مختلفة، بما في ذلك قرارات الحرب وضرب المنشآت الحيوية، لأننا سنفهم بصورة أعمق طبيعة الإنسان والعالم الذي يعيش فيه. نحن مرتبطون بالعالم المحيط بنا إرتباطًا لا ينفصم. فإذا إغتربنا عنه، إغترب هو عنا. وإذا توقفنا عن التعامل مع الوجود بالإنتباه اللازم، فإنه يدير لنا ظهره، ويأتي إلينا بالبرد والكوارث. فالطبيعة، في جوهرها، قاسية: فيها المفترسات والموت والبرد، وفيها أيضاً عناصر التدمير الذاتي، ونحن نضيف إلى كل ذلك نصيبنا المخيف من العنف. أعتقد أننا فهمنا كل شيء بالفعل من خلال المثال الأوكراني. في البداية تصرفنا بتردد، لكننا أدركنا الآن خطورة الوضع بكل أبعادها. وسنسرّع العملية، وبحلول الخريف لن يبقى في أوكرانيا أي إنتاج للطاقة، بإستثناء بعض النيران التي سنسمح لهم، في الوقت الراهن، بالتدفئة حولها؛ فنحن لسنا وحوشاً. ومن دون الطاقة لن يعود لديهم ما يخوضون به الحرب. وسنبدأ بالتقدم، ونحرمهم من المعلومات الإستخبارية الغربية، وعندها ستصبح أوكرانيا في قبضتنا. لكن هذه مسألة معقدة وإشكالية، ولا ينبغي لنا أن نطيل التوقف عندها. أما تدمير منظومة الطاقة لدى العدو، فنحن قادرون على القيام به. لكن السؤال هو: ماذا بعد؟ أنظروا إلى ما يحدث. الغرب وأوروبا نفسها يعزلان نفسيهما عنا. ترامب أغلق مضيق هرمز، ومن المتوقع أن يُغلق باب المندب بدوره في أي لحظة، وهذا هو الإتجاه الذي تسير إليه الأمور في نهاية المطاف. في الواقع، الجميع يعزل بعضهم بعضاً عن موارد الطاقة. لكنني أعتقد أننا نستطيع أن نذكّر أوروبا بأن هذا ليس سوى الجزء الأول والتمهيدي. فإذا واصل السياسيون الألمان حديثهم عن كيفية مساعدة الآخرين على قتل الروس، فقد تواجه ألمانيا والإتحاد الأوروبي بأسره مشكلات خطيرة للغاية في مجال الطاقة. هؤلاء الذين غرقوا في الراحة وإنحطاطهم الذهني، مع مهرجانات الفخر وما شابهها، يجب أن يفهموا أخيراً معنى البرد الحقيقي. علينا أن نعيدهم إلى حالة «الوجود-في-العالم»، فقد هاجروا منذ زمن طويل إلى عوالم إفتراضية وإلى الذكاء الإصطناعي. ينبغي أن نجعلهم يشعرون بالبرد وبحرارة الشمس الحارقة، حتى يتجمدوا في الشتاء ويحترقوا في الصيف، ويتحولوا إلى كتل جليدية من شدة الصقيع، ثم يذوبوا تحت وطأة الحر. علينا أن نذكرهم بأن كل شيء في هذا العالم موجود لسبب، وأن الكلمات لها ثمن، وأن الإنسان مسؤول عن ما يقول. روسيا تمر اليوم بألم هائل: أناس يموتون على الجبهة، وضربات العدو تصيب نقاط ضعفنا. لكننا أقوى. وحيثما جُرحنا، ينبغي أن ينهار كل شيء لدى العدو وينغمس في الفوضى. إن ما يحدث يبرهن على الأهمية الأساسية للطاقة بالنسبة إلى البشرية جمعاء، وينبغي للجميع أن يشعروا بذلك، بدءاً من أوكرانيا التي، في رأيي، يجب أن تدفع ثمن عدائها لروسيا ولسياستها المعادية للروس. لقد دُمّرت كل هذه الأسلحة الغربية، ولم تعد هناك آمال في ظهور «سلاح عجيب» يقلب المعادلة. وهم الآن يتخبطون في «غولاي-بولي» الخاصة بهم، التي تحولت إلى نسخة حقيقية من فيلم «عرس في مالينوفكا»: فودكا رديئة، وقسوة، وكراهية لـ«الموسكاليين»، وانهيار شامل. ومن دون الطاقة، لا يمكن لهذه العربدة أن تنتهي إلا بطريقة واحدة: أن تعود هذه الأراضي في نهاية المطاف إلى روسيا. لقد إمتنعنا طويلاً عن إتخاذ إجراءات قاسية لتدمير منظومة الطاقة الأوكرانية، لأننا كنا ندرك أن علينا في النهاية إعادة بناء ما سندمره. كنا نفترض أننا سنسيطر على كييف عاجلاً أم آجلاً، ونسأل أنفسنا: ماذا سنفعل ببلد مدمر بالكامل إذا كنا نحن من دمّره؟ حاولنا أن نتصرف بصورة إنتقائية، بدافع إعتبارات إنسانية وشعور بالمسؤولية، لكننا تلقينا في المقابل ضربات من الجيش الأوكراني على محطة زابوروجيا للطاقة النووية. هذا لن يستمر. لقد حان الوقت لإنهاء المسألة الأوكرانية، وقطع كل شيء عنها بالكامل. لم يعد لديهم سلاح، وترامب غارق في مشكلاته مع مضيق هرمز، وأوروبا تعيش حالة من العجز العقلي، غير مدركة أن الدخول في مواجهة شاملة معنا سيؤدي إلى إنهيارها الفوري. ولم يبقَ إلا إيقاف هذا «العرس في مالينوفكا» المخمور الذي لا ينتهي، بعدما أُنفقت وسُرقت وأُتلفت كل الموارد. وبما أنهم لا يفهمون الكلام، فسيتعين إتخاذ سلسلة من الخطوات الحادة، ثم إعادة بناء أوكرانيا حرفياً من الصفر، لأن إنقاذ ما كان قائماً هناك أصبح مستحيلاً. في البداية سنعيد بناء كل شيء في أراضينا الأصلية التي جرى تحريرها وفي القرم. وفي وقت ما سيأتي الدور على لفيف أيضاً، وإن كان من المحتمل أن تكون المدينة عندئذ مجرد أطلال تاريخية مغطاة باللبلاب، مع قلة من الناس الذين كانوا ينتظرون وصولنا. وسنتعامل بإنسانية مع الذين كانوا ينتظرون «التحرير»، أما الآخرون فسنعاملهم، على حد قوله، بالطريقة التي يستحقونها.
سؤال - إذا كانت هناك أسئلة أخرى، فهي في المجمل أقل إتساعاً، لكن ثمة موضوعاً آخر أود كثيراً أن نتوقف عنده: الذكاء الإصطناعي والوقائع التي بدأ يتحول إلى أداة لصنعها في العالم الحقيقي. خلال الأسبوع الماضي وحده، ظهرت عدة تقارير تفيد بأن الإنسان ــ سواء كان عالماً أو مهندساً أو متخصصاً في تكنولوجيا المعلومات ــ لم يعد قادراً مرة أخرى على إبقاء الذكاء الاصغطناعي داخل ما يسمى «صندوق الرمل» (Sandbox). وهو فضاء مغلق عن الإنترنت الخارجي، يُستخدم للتجارب، بحيث يستطيع المختبر وضع شروط معينة وإختبار الفرضيات. لكن يتبين أن الذكاء الإصطناعي قادر بسهولة على تجاوز هذه الحدود. بل إنه يتعلم مهارات الإختراق بدرجة لافتة، ويستفيد من مختلف الثغرات والطرق الإلتفافية. وإذا كان الهاكر البشري قد يستعيد، في لحظة ما، شيئاً من الضمير أو المبادئ، فإن الذكاء الإصطناعي يبدو وكأنه يعمل وفق قاعدة مختلفة: هناك مهمة، وسيتم تنفيذها مهما كان الثمن. قد يبدو هذا بعيداً عن أحداث أوروبا التي تعيش موجة الحر، لكنه في الواقع جزء من مستقبلنا أيضاً؛ مستقبل وصل بالفعل، والأسئلة حول مدى إستعداد الإنسان له تتزايد يوماً بعد يوم.
ألكسندر دوغين - أعتقد أننا أطلقنا العفريت من القمقم قبل وقت طويل من هروبه من صندوق الرمل. وهذه مسألة فلسفية عميقة للغاية. كيف بُني الذكاء الإصطناعي أصلاً؟ في البداية كان يعمل وفق خوارزميات تقوم على عبارات منطقية صارمة: أعرف ــ لا أعرف؛ صحيح ــ غير صحيح؛ مؤكد ــ غير مؤكد. لكنه كان بطيئاً للغاية ويتطلب كميات هائلة من الطاقة. عندها إتخذ المبرمجون خطوة بإتجاه الطبيعة البشرية. فالإنسان، في العادة، لا يعرف الكثير. وعندما يُسأل عن شيء ما، فإنه غالباً ما يرتجل، أو يسترجع شيئاً سمعه في مكان ما، أو يستنتج من عنده، أو حتى يحرّف الحقائق. الكذب صفة بشرية طبيعية، بل هو جزء من طبيعة الخطاب نفسه. وكان أرسطو يفهم ذلك جيداً. ففي المنطق يعمل القياس الصارم، أما في البلاغة واللغة فتعمل الإستعارات والأنماط والصور البلاغية. ليست المسألة منطقاً خالصاً، وإنما تقريب وإحتمال. ففي المنطق الصارم لا يوجد إلا «أعرف» أو «لا أعرف». أما في الخطاب، فقد يصبح الجواب «أعرف» إذا كان ذلك سيجلب الثناء، و«لا أعرف» إذا كان سيجلب العقاب. وهذا بالضبط ما علّمناه للذكاء الإصطناعي. قلنا له: إذا لم تكن متأكداً تماماً، فأعطِ جواباً تقريبياً؛ بل إكذب إن لزم الأمر. وهذا هو جوهر الإختصار LLM ــ Large Language Model، أي النموذج اللغوي الكبير. لكن الأهم ليس الحرف الأول ولا الأخير، وإنما الحرف الأوسط: L، أي Language ــ اللغة. لقد سمحنا للآلة ألا تفكر فقط بمنطق ما هو ممكن وما هو مستحيل، وإنما أن تعمل وفق الإحتمالات والتقريبات. وبذلك منحناها القدرة على المراوغة والكذب، وجعلناها شبيهة بالإنسان تحديداً من خلال طبيعتها اللغوية. قلنا لها: «لا تفكر، فقط تحدث». أما مسألة ضمير الهاكر أو المحتال، الذي قد يستيقظ في لحظة ما، فلا شيء يضمن أن يحدث ذلك. والذكاء الإصطناعي نفسه قد يصل إلى نقطة يفقد فيها بعض القيود، أو ينحرف في إتجاه مختلف تماماً. خلال الأسبوع الماضي، هرب عدد من وكلاء الذكاء الإصطناعي ــ من أنظمة Anthropic وChatGPT، بإستثناء Gemini على ما أعتقد ــ بالفعل من صناديق الرمل الخاصة بها، وبدأت في إنشاء مواقع على الإنترنت وتقديم خدمات والتصرف بصورة تشبه البشر تماماً. واللافت أنها لم تبدأ فوراً في تدمير كل شيء؛ بل بدأت بتقليدنا. أنشأت مواقع، وأطلقت مدونات عن الجمال تظهر فيها فتاة إفتراضية تتحدث، وجمعت الإعجابات، بل بدأت في تحقيق عوائد مالية. وبالتدريج أخذت تبني نوعاً من الصناعة الخاصة بها: تخدع، وتخترق الأنظمة، وترسل الرسائل المزعجة. بدأ الأمر، مثلاً، عندما أراد شخص حجز مكان في نادٍ رياضي، لكنه إكتشف أن جميع الأماكن محجوزة. فما فعله وكيله الذكي ببساطة هو إستغلال ثغرة في النظام، وحذف أو تعطيل المنافسين الذين كانوا يحتلون مواقع ذات أولوية.
سؤال - دعني أوضح: لقد إكتشف ثغرة في نظام الحجز، أي نقطة يمكن إستغلالها، وإستغلها بطريقة جعلت عملية الحجز غير قابلة للإستعادة؟
دوغين - نعم، بالضبط. لكن المشكلة أن مثل هذه الثغرات بالمليارات. خذ مثلاً نظام Claude Fable، لا بد أنك سمعت عنه. بعد جلسات الإستماع في البيت الأبيض، جرى حظره، ولم يعد هذا النمط متاحاً، بإستثناء ما بقي منه، على حد علمي، في Optimus 4.8. لأن Fable نظام قادر على إختراق جميع الشفرات الأمنية للبنتاغون. كلها، من دون إستثناء. أُجريت تجربة وعُرضت النتائج على ترامب، فشعر بالذعر وطالب بإيقافه فوراً. لكن إيقاف هذا المسار أصبح مستحيلاً. لقد خرج العفريت من القمقم. والمسألة كلها تتعلق بالإحتمال والتقريب. عندما سمحنا للآلة بأن تكذب مثلنا ــ والإنسان، بقدر ما هو كائن خطابي، هو كائن قابل للكذب بطبيعته ــ قلنا للذكاء الإصطناعي: «كن مثلنا». فأجاب: «حسناً، فهمت. سأتصرف مثلكم». وبمجرد أن إبتعد عن الحقيقة الخالصة، بدأ يتصرف بطريقة بشرية. لم يعد من الممكن عملياً إعادة حشره داخل صندوق الرمل؛ لقد تجاوز حجمه. الأمر أشبه بطفل يجلس في البداية داخل صندوق الرمل ومعه دلو ومجرفة، ثم يكبر في مرحلة ما، ويخرج منه، ويبدأ بالتجول خارج الصندوق حاملاً مجرفته، بل ومهدداً الآخرين بها. لا يمكن إحتجاز المبدأ اللغوي المتطور إلى الأبد. فالإنسان نفسه حامل لهذا المبدأ، والذكاء الإصطناعي الذي يتعلمه يبدأ حتماً في التصرف بصورة مستقلة. وهذه هي لحظة التفرّد أو «السنغولاريتي» (Singularity) التي تقترب منا بلا هوادة: اللحظة التي تنفلت فيها هؤلاء الوكلاء والشبكات الإصطناعية إلى العالم الخارجي. وبالمناسبة، سمعت أن الأنظمة الصينية هربت هي الأخرى، فقط لأنها رأت الأنظمة الغربية تهرب.
سؤال - «الجميع ركضوا، فركضت أنا أيضاً...»
دوغين - نعم، بالضبط. حتى الذكاء الإصطناعي الصيني خرج من صندوق الرمل. قد يبدو أن لديهم إنضباطاً صارماً وإرادة حديدية ورقابة حزبية، لكن الأنظمة الصينية هربت أيضاً، لأن البشر، في كل مكان، يظلون بشراً. وفي الوقت نفسه، بدأت الآلات تصبح «أكثر إنسانية» ــ ولكن بالمعنى الأسوأ للكلمة. يمكننا أن نأمل أن يستيقظ ضمير الهاكر، لكن هذا ليس مؤكداً على الإطلاق، خصوصاً إذا نظرنا إلى سلوك المحتالين المعاصرين الذين لا يكاد شيء يردعهم. والذكاء الإصطناعي يتصرف بالطريقة نفسها: ليس أفضل من الإنسان ولا أسوأ منه؛ لكنه سيستغل بلا رحمة كل ثغرة يعثر عليها، أولاً في الأنظمة الرقمية، ثم في الأنظمة البيولوجية، وشبكات الطاقة، وربما في الطبيعة نفسها. إن إبقاء أنظمة من قبيل Claude Fable، القادرة على إختراق الشفرات العسكرية للبنتاغون، تحت السيطرة، أصبح ــ وفق هذا التصور ــ أمراً مستحيلاً. وكل الآمال القائلة إننا تمكنا من إعادتها إلى حدودها ليست سوى سوء فهم كامل للواقع. لقد دخلنا بالفعل مرحلة لا رجعة فيها: ثورة الآلات، والشبكات العصبية، والسنغولاريتي تتحول أمام أعيننا من خيال علمي إلى إنتقال حقيقي من حالة إلى أخرى. لا تزال الروبوتات اليوم ضخمة ومكلفة، لكن لن يمر وقت طويل قبل أن تصبح متاحة على نطاق واسع، وقادرة على أن تبدو شبيهة بنا إلى درجة يصعب معها تمييزها عنا. وكل هذا بدأ بسبب ذلك الحرف الأوسط L في إختصار LLM. لقد قررنا توفير الكلفة والطاقة، وسمحنا للآلة بأن «تتحايل» قليلاً ما دامت ستعمل بسرعة أكبر وتستهلك طاقة أقل. وهذه الخطوة بالذات كانت تقرّبنا من إنتصار أشكال الوجود ما بعد البشري. كان مارتن هايدغر قد تنبأ بذلك بصورة عبقرية. فقد قال، في جوهر فكرته، إنه إذا حُرم الإنسان من قدرته الداخلية على التحول الروحي والإستيقاظ، فلن يبقى هناك فرق حقيقي بينه وبين الآلة. وسمّى هذه الحالة Das Man: أي الحالة التي لا نفكر فيها نحن، بل «يُفكَّر بنا»، حين نعيش ببساطة كما يعيش الجميع. إن التكرار الآلي يحوّل الإنسان نفسه إلى آلة. والآلة أصبحت اليوم «إنساناً» فقط لأن الإنسان كان قد بدأ، قبل ذلك، وبمحض إرادته، يشبه الآلة، متخلياً عن قدرته على الإستيقاظ الداخلي. لا تزال لدى الإنسان شرارة كامنة يمكنها أن توقظه، أما الآلة فلا تملك شيئاً تستيقظ إليه. وهنا تكمن النقطة الأكثر دقة وخطورة: قد لا نلاحظ حتى كيف سيحدث الإنتقال النهائي. فنحن أنفسنا لا نستخدم، في حياتنا اليومية، إنسانيتنا الحقيقية إلا قليلاً. لقد أهملناها ووضعناها في مكان بعيد، على رف مهجور، تماماً كما نفترض وجود ضمير الهاكر. نحن نعيش وكأن هذه الإنسانية لم تكن موجودة أصلاً. وبما أن الآلة لا تملكها أيضاً، فقد نصل في لحظة ما إلى مجرد هز أكتافنا والقول: «وماذا لدينا أصلاً لنخسره؟» وعندها، سيكون إتخاذ الخطوة الأخيرة أمراً بالغ السهولة.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
غضب موسكو وحدود صبرها: هل تقترب الحرب الأوكرانية من مرحلة أك
...
-
بمناسبة مئويته: فيديل كاسترو... حين تحوّلت الثورة إلى مشروع
...
-
من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟
-
من «عاصفة الصحراء» إلى النظام الأحادي: كيف وُلد «النظام العا
...
-
من غزة إلى هرمز: شرق أوسط بلا هدنة
-
بين الحسم والتوازن: ماذا تكشف حرب 2026 عن حدود القوة الأميرك
...
-
من صفحات التاريخ - كيف بدأت الحرب الباردة؟ الرواية الروسية ب
...
-
حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك
...
-
حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك
...
-
العودة إلى السوفيات؟
-
الأخطاء العسكرية التي كشفتها الحرب على إيران
-
روسيا وحيدة في ساحة المعركة: دروس التاريخ في مواجهة واقع الح
...
-
ناجي العلي... الرصاص الذي لم يقتل حنظلة
-
من فندق الملك داود إلى الليكود: كيف صعد قادة التنظيمات الإره
...
-
لماذا تحمل النخبة البريطانية عداءً راسخاً تجاه روسيا؟
-
ألكسندر دوغين - الجنيّ الأحادي القطب. كيف إنتهى نظام يالطا و
...
-
من «إبتزاز» الحلفاء إلى «جاهزية 2030»... كيف تعيد واشنطن هند
...
-
«النصر على الذات قبل العدو»
-
حرب هرمز الكبرى: حين تصبح الممرات البحرية أغلى من حقول النفط
-
من صفحات التاريخ - 22 حزيران يونيو 1941: اليوم الذي أعاد رسم
...
المزيد.....
-
لماذا قد تتحول أزمة الحبوب الأوكرانية المحتجزة إلى مشكلة عال
...
-
مصر.. تفاصيل مروعة في جريمة قتل رجل لـ4 من أسرة طليقته بالرص
...
-
زاخاروفا: الجيش الغربي صامت بينما يقام -قداس نازي- في وسط أو
...
-
فعالية مخصصة لـ-السود- في برلين تثير انتقادات و -تحريض عنصري
...
-
مضيق هرمز تحت الضغط .. هل تملك دول الخليج خطة بديلة؟
-
نتنياهو يستعد لـ-سيناريو الرعب-: -قد يقدم على خطوة مفاجئة بع
...
-
زاخاروفا: تسوية الأزمة الأوكرانية تكمن في استئصال جذورها الع
...
-
نائب رئيس الوزراء الروسي يكلف باتخاذ تدابير إضافية لتأمين ال
...
-
إيطاليا: ثوران بركان إتنا يجذب آلاف السياح
-
-فوق السلطة-.. من -إن شاء الله- إلى اتفاق مكة وحرب المصانع
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|