علي المسعود
(Ali Al- Masoud)
الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 15:12
المحور:
الادب والفن
دائمًا ما تحمل مباراة إنجلترا والأرجنتين، طابعًا سياسيًا "بحتًا"، في ظل التوترات السياسية بين البلدين بشأن جزر فوكلاند، والتي تصاعدت إلى حدة الصراع العسكري الذي استمر لمدة 74 يومًا في عام 1982، وأسفر عن مقتل 655 جندي أرجنتيني و255 جندي بريطاني. واليوم يواجه المنتخب الأرجنتيني إحتمال اتخاذ إجراءات تأديبية ضده من قِبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بعدما إحتفل لاعبوه بالفوز على إنجلترا في نصف نهائي كأس العالم في أتلانتا وهم يحملون لافتة تحمل عبارة "لاس مالبيناس أرجنتينية" (فوكلاند أرجنتينية). وتشير الأرجنتين إلى جزر فوكلاند باسم "جزر مالفيناس" . يستذكر الرياضيون و المشجعون المباريات التي أصبحت جزءا من أسطورة المونديال. مباراة ربع النهائي في 18 يونيو 1986 في مكسيكو سيتي، بين الأرجنتين وإنجلترا . فيلم "المباراة " يتناول قصة تلك المباراة الأيقونية ، التي أقيمت في ملعب أزتيكا خلال كأس العالم لكرة القدم 1986. باستخدام لقطات أرشيفية نادرة ، يجسد الفيلم هذا الحدث كذكرى لا تزال حية، ويقدمه كذروة لأكثر من قرنين من التوترات والصراعات بين البلدين . عرض الفيلم في مهرجان " كان " السينمائي 2026 ، وتنافس على جائزة العين الذهبية لأفضل فيلم وثائقي . الجميع يفهم أن كرة القدم، رياضة جماهيرية شائعة جدا ليست بعيدة أبدا عن القضايا السياسية. ولكن تحدي صانعي الأفلام الوثائقية "خوان كابرال وسانتياغو فرانكو "في الربط بين هذ المنازلة التاريخية بين إنجلترا و-الأرجنتين عام 1986 وغزو التاج البريطاني لجزر فوكلاند، إلى جانب أحداث سياسية كبرى أخرى يؤكدان المسارات المتشابك بين الرياضة والسياسة . في فيلم " المباراة"، يعرض كل من"خوان كابرال وسانتياغو فرانكو " أكثر من مجرد سرد قصة قمة كرة القدم العالمية ، بل يقدمان تصادما بين التاريخ والأسطورة والذاكرة، إلى درجة جعل المباراة الشهيرة بين الأرجنتين وإنجلترا عام 1986 قصة فريدة تماما. الفيلم لا يكشف فقط قصة رياضية: بل يبني توقعا، توترا جسديا تقريبا، كل فلاش باك يغير مركز ثقل المباراة قليلا. مع ظهور الأرشيفات وشهادات اللاعبين الذين شاركوا في المباراة ، من بينهم الأنكليزي" غاري لينكر" والأرجنتيني "خورخي فالدانو"، والحارس الأنكليزي "بيتر شيلتون " .
يبدو الفيلم عودة إلى منطقة تتشابك فيها المراهنات والسياسة والجراح الوطنية. خلال تسعين دقيقة من ربع النهائي الأسطوري، يكشف الفيلم عن أكثر من قرنين من العلاقات المتوترة بين الأرجنتين وإنجلترا ، ويربط الملعب بالأحداث المحيطة به، من التوترات الاستعمارية إلى حرب فوكلاند ، مما يجعل كرة القدم مسرحا للذاكرة، هذه الطريقة في خلق حوار بين الرياضة والتاريخ تمنح الفيلم الوثائقي إطاراً مميزاً . ثم جاءت نقطة التحول: "يد الله" الشهيرة لدييغو مارادونا . هنا، لا يتم استعادتها فقط، بل تظهر كذروة، لحظة تخرج فيها المباراة من عالم النتيجة الوحيدة لتدخل عالم الأسطورة . هذه الإيماءة — الجرأة، الاستفزاز، الذكاء، الفضيحة . تلخص كل ما أعده الفيلم: التنافس، التوتر، الذاكرة الجريحة، وقدرة كرة القدم المذهلة على خلق الأساطير في اللحظة. يجعلنا الفيلم نشعر أن حركة اليد هذه ليست محصورة في هدف مثير للجدل: فهي تقول شيئا عن عالم، وعصر، وتوازن قوى، وخيال جماعي. تصبح رمزا دراميا لقصة تتجاوز المجال بكثير .
بعد أربعين عاما من ربع نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وإنجلترا ، يستعرض فيلم "المباراة" المواجهة التي أصبحت أسطورة سياسية بقدر ما أصبحت قمة رياضية. ويحاول هذا الفيلم استعادة قصة شعبية بين الذاكرة الوطنية والجروح التاريخية . على الرغم من أن "المباراة" نادرا ما يتعمق في التفاصيل السياسية لحرب جزر فوكلاند، إلا أنه يتضمن لقطات كافية لقادة البلدين (ليوبولدو جالتيري، مارغريت تاتشر) لتصوير كرة القدم كمعركة بالوكالة يخوضها مشجعون يسعون للتباهي في الفخر الوطني. اللاعبون أنفسهم غارقون في هذا الصراعات السياسية . المخرجان "خوان كابرال" و"سانتياغو فرانكو"، يختاران أن يجعلا هذا الربع النهائي الأسطوري مركز ثقل قرنين من التوترات والصراعات والتنافس الذي يتجاوز إطار الرياضة. وينجحا بإصرار كاف ليبقي حتى من لا يستطيعون التمييز بين التسلل والركلة في حالة ترقب، لأن كرة القدم التي نوصف هنا ليست كما هي اليوم . إنها خرافة تتشكل في طريقها . عن مشروع الفيلم تحدث المخرج "خوان كابرال": أتذكر، كنت عائدا من المدرسة، جدتي أنجيليكا تنتظرني أمام التلفاز. كانت تشاهد مباراة كرة قدم، وهو أمر غير معتاد ، سألتها لماذا؟، قالت: "هذه ليست كرة قدم، خوان إنها كأس العالم. أفضل اللاعبين من كل دولة يلعبون ضد أفضل لاعبين من دولة أخرى. بالنسبة لي، كطفل، كانت فكرة عظيمة: هل يمكننا اللعب معا في جميع أنحاء العالم؟ ، فتح شيئا في رأسي. وبالطبع، كان هناك مارادونا السوبرمان" .
"المباراة" الفيلم المبني على كتاب" أندريس بروغو ،" لا يهتم فقط بهذه اللحظات الفريدة. بل من خلال شهادات شخصية وتاريخ جيوسياسي، يكشف هذا الفيلم الوثائقي عن ربع النهائي الأيقوني من خلال وضعه في سياق أكبر وصخب، مما ينتج عنه واحدا من أكثر الأفلام الوثائقية إثارة وسهولة في اللعب على الإطلاق. يبدأ الفيلم الوثائقي بلقطات أرشيفية حيث يكرر اللاعبون بلا كلل أنهم لا يريدون "التورط في السياسة". تفكير متفائل. لكن الفيلم بأكمله يوضح بوضوح استحالة الفصل بين الاثنين. يجمع المخرجان عدة من اللاعبين الذين لا يزالون على قيد الحياة: غاري لينكر، جون بارنز، خورخي فالدانو، خورخي بوروشاغا، أوسكار روجيري، خوليو أولارتيكوشيا، ريكاردو جوستي وبيتر شيلتون. أمامهم، تعرض شاشة صور المباراة بالألوان. عكس القوانين المعتادة: يبدو الماضي أكثر حياة من الحاضر، بينما يظهر اللاعبون السابقون كأشباح يتأملون الأسطورة التي شاهدوها تتكشف أشراقا . الفيلم يغير باستمرار تكوينات النظرة. أحيانا، تعرض لنا مقابلات وصور أرشيفية وأخبار تلفزيونية. في مشاهد أخرى، يشارك اللاعبون الإطار مع الشاشة؛ في لقطات أخرى، ينفصلون عنه، ويصبحون متفرجين لماضيهم ويضاعفون نظرتنا الخاصة . المادة غنية جدا لدرجة أنها تتشتت باستمرار إلى سرديات ثانوية، وغالبا ما تكون لذيذة. حتى التعبير "يد الله" اشارة الى هدف مارادونا الأول باليد يصبح موضوعا للتحقيق. ومن هذا التسلسل ولد ربما أظرف عبارة على الإطلاق: "إذا لم يرها أحد، فهذا ليس غشا". في حين الهدف الثاني مارادونا و الذي يعتبره الكثيرون الأجمل في تاريخ كرة القدم .
أدخل الإنجليز كرة القدم إلى الأرجنتين لكنهم حاولوا أيضا مرتين غزو البلاد، كما يوضح الراوي. في 2 أبريل 1982، استولت اللجنة العسكرية بقيادة الجنرال فيولا على جزر فوكلاند ، لصالح البريطانيين، متحدثة عن "استعادة أرض طالب بها الأرجنتينيون". بعد غضب مارغريت تاتشر ، اندلعت حرب مميتة بين البلدين. عندما التقى الفريقان في عام 1986 في مكسيكو سيتي، كانت الجروح لا تزال تنزف. يتميز الفيلم الوثائقي بوضع المباراة في هذا السياق الجيوسياسي بالذات. يصبح الفيلم الوثائقي مثيرا جدا عندما يصل الجزء المخصص للمباراة نفسها. "خوان كابرال وسانتياغو فرانك " يكشفان كيف قام مدربو الفريقين، الانكليزي"بوبي روبسون" والطبيب والمدرب الأرجنتيني المذهل "كارلوس سلفادور بيلاردو "بتحضير قواتهم ، مع التركيز على نظام لعب الأرجنتيني وخرافاته واللاعبين الذين استقطبهم ، وأولهم "دييغو مارادونا" لم يكن قد تم اختياره للمنتخب الوطني منذ هزيمة الأرجنتين أمام البرازيل في الدور الثاني من كأس العالم 1982. لم يمنع ذلك بيلاردو من عرض منصب قائد المنتخب الوطني بدلا من دانييل باساريلا. شعاره: التأكد من أن أول عراب لكرة القدم الأرجنتينية قبل" ميسي " .
واحدة من أعظم نقاط قوة الفيلم هي التوازن بين التحليل السياسي والثقافي مع شهادات مباشرة من الرجال الذين عاشوا ذلك. يتم إجراء مقابلات مع لاعبين مثل جون بارنز، بيتر شيلتون، ريكاردو جوستي، خورخي بوروشاغا، غاري لينكر، وآخرين، في محادثات وجلسة جميلة بالأبيض والأسود أثناء مشاهدتهم لقطات أرشيفية من تلك الحقبة، والتي تعود إليهم بألوان زاهية. يعمل التباين بشكل رائع، حيث يثبت المقابلات الاستعادية على التأمل، بينما يسمح للقطات السابقة بأن تبدو فورية وحية . الغوص خلف الكواليس في هذه المباراة الأيقونية، قبل أيام قليلة من انطلاق كأس العالم، يجعلك ترغب في الارتجاف أمام مواجهة من نفس النوع . ينتهي الفيلم بمشاعر قوية لا تزال لدى اللاعبين عندما يرون هذه صورهم مرة أخرى . سيظلون إلى الأبد أول الأبطال في هذه القصة . بالطبع، لا يمكن سرد هذه القصة دون ذكر "دييغو مارادونا". يستعرض الفيلم الوثائقي موهبته الهائلة، والهدفين اللذين بقيا محفورين في تاريخ كرة القدم "يد الله" الشهيرة وهذا الهدف الاستثنائي الذي عبر كامل دفاع إنجلترا ، الذي يشار إليه غالبا ب "هدف القرن" ، كان مارادونا أكثر من مجرد لاعب ، كان رمزا، وفخرا شعبيا، وشخصية مميزة تقريبا في تاريخ البلاد . ما يجعل "المباراة" مشوقا هو كيف أن هيكل السرد يبني الترقب قبل أن يصل حتى عند انطلاق المباراة، يقفز بالزمن باستمرار ويقترب أكثر فأكثر من بداية المباراة، حتى الثواني الأخيرة. يقضي المخرجان "كابرال وفرانكو " وقتا طويلا في فحص ليس فقط اللاعبين ، بل أيضا المدربين: كارلوس بيلاردو وبوبي روبسون، اللذين شكلت فلسفاتهما التكتيكية المختلفة تماما الاستعداد العاطفي والبدني لفرقهما. التفاصيل المحيطة بتحضير الأرجنتين لارتفاع ملعب أزتيكا المكسيكي، وخرافات بيلاردو الغريبة، وحتى الصنع المحموم لقمصان الأرجنتين الزرقاء الفاتحة الأيقونية قبل ساعات قليلة من المباراة، كلها تساهم في الإحساس بأن هذه لم تكن مباراة عادية. بل كانت ملحمة شعبية .
بعد أربعين عاما، لا يزال الرجال الذين شاركوا في هذا اللقاء التاريخي مرتبطين إلى الأبد بما عاشوه معا. تباع قمصان اللعبة الآن بملايين، والنقاش حول المباراة أصبح أكثر اتساعا مع مرور الوقت، والرجال الذين كانوا يقفون على جانبي الملعب يظهرون الآن متشابكي الأيدي في نهاية الفيلم، يلعبون كرة الطاولة معا، متحدين في حبهم المشترك للعبة .
كاتب عراقي
#علي_المسعود (هاشتاغ)
Ali_Al-_Masoud#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟