أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 15:09
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
ليس كل مشهور يستحق كتابًا، وليس كل من غاب عن الأضواء كان قليل الأثر.
هذه حقيقة أدركتها متأخرًا، بعد سنوات من القراءة والعمل في الصحافة والبحث. فقد اعتدنا أن تُكتب السير عن أصحاب المناصب، وعن الذين ملأت أسماؤهم الصحف والشاشات، بينما بقي كثير من الذين صنعوا أثرًا حقيقيًا في الظل، ورحل بعضهم دون أن يتركوا سوى ذكريات متناثرة في صدور من عرفوهم.
أحيانًا يصنع الإنسان أثرًا لا يقاس بعدد المناصب التي شغلها، ولا بعدد الصور التي التقطت له، بل بما تركه في حياة الناس. قد يكون معلمًا غيّر مصائر أجيال، أو صحفيًا حافظ على استقلال قلمه، أو ناشرًا حمل الكتب إلى القراء، أو مثقفًا عاش عمره يبني جسورًا بين الناس دون أن ينتظر تكريمًا.
لهذا لم أعد أؤمن بأن معيار التوثيق هو الشهرة. فالشهرة قد تكون ابنة اللحظة، أما الأثر فهو ابن الزمن. وما يبقى في ذاكرة الأمم ليس دائمًا الأكثر ظهورًا، بل الأكثر صدقًا وإخلاصًا لما آمن به.
حين بدأت العمل على كتاب عن دينق قوج، لم يكن هدفي أن أكتب عن شخصية اشتهرت بعد رحيلها، وإنما أن أستعيد سيرة رجل أسهم في بناء ذاكرة وطن، ولم يجد من يجمع شتات تجربته في عمل واحد. يومها أدركت أن مهمة الباحث ليست ملاحقة الأسماء اللامعة، بل البحث عن الفراغات في الذاكرة الوطنية.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، أن يختلط عليه معنى القيمة بمعنى الشهرة. فكم من شخص ذاع اسمه سنوات طويلة، ثم لم يترك أثرًا يُذكر، وكم من رجل عاش بعيدًا عن الأضواء، لكنه غيّر حياة من حوله، وظل أثره ممتدًا بعد رحيله.
إنني أؤمن بأن لكل أمة أبطالًا صامتين، لا تتحدث عنهم نشرات الأخبار، ولا تُسمى الشوارع بأسمائهم، لكنهم موجودون في تفاصيل الحياة اليومية: في مدرسة أُسست، أو مكتبة أُنشئت، أو صحيفة صمدت، أو فكرة أنارت طريقًا لجيل كامل.
وهنا تكمن مسؤولية الموثق. فهو لا يختار موضوعه لأنه الأكثر رواجًا، بل لأنه الأكثر استحقاقًا. إنه ينقب في المناطق التي لم يصل إليها الضوء، ويمنح الصوت لمن كاد النسيان أن يبتلعه.
ربما لا نستطيع أن نكتب عن الجميع، لكن يمكننا أن نبدأ بمن يستحق أن يبقى. فالأمم لا تُقاس فقط بمن أنجبت من العظماء، بل أيضًا بمن حرصت على حفظ سيرهم، ونقلها إلى من يأتي بعدها.
وأحسب أن الكتابة، في نهاية المطاف، ليست بحثًا عن الأسماء الكبيرة، بل بحثًا عن الأثر الكبير. فذلك وحده هو الذي يستحق أن يتحول إلى ذاكرة، وإلى كتاب، وإلى جزء من تاريخ لا ينبغي أن يضيع.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟