أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - مأسسة السلامة النفسية والاجتماعية للعمال في التشريعات والنضال النقابي الفلسطيني














المزيد.....

مأسسة السلامة النفسية والاجتماعية للعمال في التشريعات والنضال النقابي الفلسطيني


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 18:52
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


إن التطور الطارئ على علم العمل بشكل عام، وتحديث التقنيات والتكنولوجيا، وتبدّل شروط وظروف التشغيل، إلى جانب التحديات الجسيمة التي تواجه العمال من ضغوط حياتية وصدمات نفسية واجتماعية، وخاصة في واقعنا الفلسطيني، كلها أعباء مركبّة تنعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للقوة العاملة، ولا سيما بعد الحرب على قطاع غزة وما واكبها من أزمات وإشكاليات هيكلية مست العمال وعلاقات العمل وأضرت بمصالح أطراف الإنتاج كافة؛ الأمر الذي يفرض تفكيراً جديداً ونوعياً في التعاطي مع القضايا النفسية والاجتماعية في سوق العمل الفلسطيني، وإعادة تنظيم آليات الحوار الاجتماعي بين الشركاء.
وفي هذا السياق، تقتضي التحولات العميقة والأزمات المركبة التي يعيشها العمال والعاملات إعادة نظر جذريّة في المفاهيم والمصطلحات التي أطّرت قطاع العمل وسوقه لعقود طويلة؛ إذ أثبتت التجربة الميدانية الممتدة، ولا سيما في ظل الحرب والحصار وإعادة التشكيل القسري للخارطة الاقتصادية والاجتماعية، أن الفهم التقليدي للسلامة والصحة المهنية، والذي اختُزل تاريخياً في أدوات الوقاية البدنية والشروط المادية المباشرة، لم يعد قادراً على حماية القوة العاملة أو صون كرامتها في أبعادها النفسية والاجتماعية، وتأسيسًا على ذلك، فإن الإنسان ليس مجرد جهد عضلات أو قدرة تنفيذية منفصلة عن بنائه النفسي والوجداني، بل هو كائن يتأثر ويؤثر في محيطه؛ حيث لا تقف الصدمات النفسية المتراكمة، والقلق المعيشي المزمن، ونزيف الأمان الاجتماعي عند حدود الذات، بل تتسرّب لتصبح محركاً رئيساً لحوادث العمل، وتراجع الإنتاجية، وتفكك التماسك الأسري والمجتمعي، ومن هذا المنطلق الحقوقي والنقابي، تبرز الحاجة الوطنية الملازمة لتأسيس رؤية مأسسية جديدة تُدرج السلامة النفسية والاجتماعية؛ كشرط أصيل وقانوني في تشريعات العمل وفي قلب النضال العمالي، وليست مجرد خيار إغاثي أو رفاهية مساندة.
واتصالاً بهذا التحدي الجسيم، يمر العامل والموظف الفلسطيني اليوم بمزيج غير مسبوق من الضغوط المركبة التي تحيل بيئة العمل إلى مساحة مليئة بالمخاطر غير المرئية؛ إذ تجسد ظاهرة الحضور الشكلي المقترن بالتشتت الذهني إحدى أشد التجليات قسوة بين المشتغلين في القطاعات الحيوية والإغاثية، حيث يظهر العامل جسدياً في موقع العمل، بينما يقع عقله تحت ضغط التفكير في سلامة أسرته، وتدبير أدنى مقومات العيش، والتعامل مع مشاعر الفقد والنزوح، وفي هذا الصدد، يتضاعف هذا الأثر الفادح نتيجة التجريد التعسفي وسلب التصاريح والمستحقات المالية لآلاف العمال الذين حُوصِرت فرص رزقهم، مما خلق حالة عميقة من القهر الحقوقي والشعور بانسداد الأفق، واللذين تزداد وطأتهما تشابكاً وتأثيراً لدى النساء العاملات والمعيلات للأسر اللاتي يجدن أنفسهن في مواجهة طاحنة تدمج بين أعباء الرعاية القاسية داخل مخيمات النزوح وبين السعي المستمر لتأمين القوت، مما يعرضهن لإنهاك نفسي وجسدي مضاعف يتطلب رعاية وحماية خاصة.
وبناءً على هذا الواقع المعقد، تكمن الثغرة الجوهرية في كون المنظومة التشريعية والتنظيمية الحالية تتعامل مع السلامة المهنية بآلية تقنية جافة، وتخلو لوائحها التنفيذية الصادرة عن وزارة العمل وجهات الاختصاص من أي نص صريح يُحمّل أصحاب العمل أو المؤسسات التشغيلية مسؤولية توفير بيئة حماية نفسية واجتماعية، ونظراً لهذه الفجوة الهيكلية، بات من الضروري بمكان إجراء تعديل تشريعي وإجرائي عاجل يتناول السلامة النفسية والاجتماعية، والوقاية من الإجهاد المهني كفصل أصيل في لوائح السلامة المهنية الوطنية، بالتوازي مع تحديث نماذج التفتيش الدوري لترصد مؤشرات الضغط النفسي والاجتماعي وساعات العمل المجهدة، فضلاً عن إلزام المانحين والمنظمات والمؤسسات الدولية وعلى رأسها منظمة العمل الدولية كمنظمة أممية مختصة، باشتراط وجود بند مالي محدد للخدمات النفسية والاجتماعية في كافة مشاريع الإعمار والتشغيل المؤقت.
وترسيخاً لهذه الرؤية على أرض الواقع، يجب العمل عبر محاور متكاملة تتضافر فيها الجهود الحكومية والنقابية والدولية؛ بدءاً من الإصلاح التشريعي الذي يوسع مفهوم إصابات العمل ليشمل الاضطرابات النفسية الناجمة عن بيئة العمل المجهدة، وإلزام المؤسسات الكبرى بتوفير أخصائيين نفسيين واجتماعيين ميدانيين لمتابعة العمال، ومروراً ببناء القدرات الميدانية عبر إطلاق برنامج وطني لتأهيل المشرفين والنقابيين على مهارات الإسعاف النفسي الأولي والرصد المبكر للإنهاك قبل وقوع الحوادث، ويتوازى مع ذلك حتماً بناء شبكات حماية الاجتماعية حقيقية تتجلى في إنشاء صندوق حماية ضد المخاطر وضمان أجور عادلة تتماشى مع الغلاء الفاحش لمكافحة الاستغلال، وصولاً إلى حث المنظمات الدولية على تبني ميثاق تمويل حامي يرفض تنفيذ أي مشاريع تنموية لا تراعي السلامة النفسية والاجتماعية للعاملين.
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن إعادة بناء ما دمرته الأزمة والعدوان لا يمكن أن تتحقق عبر استيراد المعدات أو ضخ الأموال فقط، بل تبدأ أولاً وأخيراً بإعادة ترميم البناء النفسي والاجتماعي للإنسان العامل، وإن السلامة النفسية للعمال والموظفين من كلا الجنسين ليست شأناً جانباً، بل هي ضرورة وطنية، وحاجة إنسانية، وتطبيقاً مهنياً يشكل محور البناء والتعافي وإعادة الإعمار والتنمية؛ فالاستثمار في رأس المال الاجتماعي وحمايته البدنية والنفسية والاجتماعية ضرورة تستوجب التجسيد الميداني لحماية القوى العاملة، وإن الانتقال الواعي من منطق الاستجابة لظروف الطوارئ إلى مأسسة الحماية الشاملة هو الواجب التاريخي الملقى على عاتق صُنّاع القرار في الحكومة والنقابات والمؤسسات الحقوقية، لتغدو كرامة العامل وصحته الشاملة المحرك الأساسي ونقطة الارتكاز المنيعة نحو التعافي الشامل والتنمية المستدامة.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصحة النفسية للعمال والموظفين أولويّة في مراحل التعافي والت ...
- إستراتيجية تمكين شباب غزة من الإغاثة إلى الإنعاش الاقتصادي
- ليالي النازحين بين جحيم الحرّ ورُعب القوارض
- من الركام إلى الاقتصاد التضامني ...رؤية إستراتيجية وميدانية ...
- إبداع الضرورة وإعادة صياغة الهوية المهنية للعمال
- سوسيولوجيا الصمود واقتلاع الطبقة العاملة
- عصام سالم.. - أبا وسام- قامةٌ من نور، ورسالةٌ لا تموت
- بين حداثة المشاريع وجمود النظم التقليدية في المؤسسات
- نساء غزة بين ثقل الواقع وضرورة التعافي
- سواعد غزة حجر الأساس لأي تعافٍ حقيقي
- مجدي سعادة بصمات نقابية وتضحيات وطنية في ذاكرة النضال الفلسط ...
- القائد الأديب والنقابي الثائر عبد الجواد زيادة -أبو الأديب-
- الرفق بالأطفال استثمار في مستقبل المجتمع واستدامته
- جمال خليفة.. سيرة قائد نقابي بقلب إنسان ونبض ثائر
- حين تكون الابتسامة أسلوب مقاومة وصمود
- أيتام غزة المنسيون مقيدون بشروط لإغاثة طفل!
- مهارة الذكاء العاطفي في الأزمات
- عندما يُغلق المتنفذون هواتفهم في وجه ميدان يُكوى بالنار..
- فصائلية العمل النقابي من معضلة الاستقلالية لنقد المحاصصة
- من الإغاثة إلى التنمية المستدامة لإعادة بناء قطاع غزة


المزيد.....




- منظمة العمل الدولية: الذكاء الاصطناعي يغلق -بوابات- سوق العم ...
- طوكيو تستدعي السفير الروسي احتجاجا على زيارة بوتين جزر الكور ...
- نتائج أعمال شركة الاتصالات الفلسطينية/ جوال للنصف الأول من ا ...
- “لجنة العلاج بالنقابة العامة للأطباء البيطريين تعتمد طلبات إ ...
- الأمم المتحدة: طالبان في أفغانستان يحتجزون اثنين من الموظفين ...
- وزير الزراعة الألماني: الجفاف يفاقم الضغوط على المزارعين وتو ...
- إجراءات لا تُنذر بانفراج قريب.. خطط أمريكية لإدارة سفارات ال ...
- WFTU WWC ON INTERNATIONAL YOUTH DAY
- بيان اليوم العالمي للنقابات للعمل من أجل السلام
- Statement on the IAD of Trade Unions for Peace


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - مأسسة السلامة النفسية والاجتماعية للعمال في التشريعات والنضال النقابي الفلسطيني