عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 11:25
المحور:
مقابلات و حوارات
يقف الشاعر مؤمن سمير في صدارة جيل التسعينيات الشعري كصوت فريد يتقن تحويل العزلة الشديدة إلى معمار إنساني نابض، ومنازلة الواقع اليومي بلغة تتجاوز المباشرة لتلامس أعمق مناطق الوجود والتأويل. من رحم الصحراء الصامتة، وضجيج بني سويف، وأسرار بورسعيد الممتدة إلى البحر، نسج قاموسه الشعري الخاص، مؤثراً النزول إلى حلبة القصيدة بوعي صلب يرى في الشعر رفيقاً عتيداً ومساحة لتفكيك الأسئلة الكبرى. في هذا الجزء من الحوار، ينبش مؤمن سمير في بدايات التكوين، ومنابع الخوف التي طاردت نصَّه، والخصوصية الجغرافية والجمالية التي شَكَّلت ملامح تجربته التسعيناتية الشاخصة حتى اليوم
المحور الأول: البدايات والتكوين (جيل التسعينيات)
1. ولدت عام 1975 وصدر ديوانك الأول في 1999؛ كيف تشكل وعيك الشعري في تلك المرحلة الانتقالية؟
أجبرتني ظروفي الشخصية على تعاطي الوحدة منذ البداية ثم كانت محاولة التواصل مع العالم من خلف جدار، عبر الفن، تعويضا عن غياب الاتصال الحي.. ومرت السنوات وصمد الشعر كصديق دائم أو بالأحرى كرفيق يعد عليك أنفاسك أو تربض أنت له خلف البيوت.. وبعد التطواف على كافة الأشكال الشعرية وجدتني أكتب ما يشبهني عبر قصيدة النثر.. وفي إجازة عامي الجامعي الأخيركان ديواني الأول "كونشرتو العتمة"..
2. تصف روحك قبل الشعر بأنها كانت "فوضى"؛ كيف استطاع الشعر أن ينظم هذه الفوضى؟
كنت وحيدا بينما روحي تصطخب بالأسئلة حول مغزى كل شئ وحول المسافة بين الظاهر والمخبوء.. وعندما تدخل الشعر، كظل كبير لهذا العالم، كان هو نافذة التعبير والتعامل ووسيلة مقاربة كل ما يجعل الروح والوعي في ارتعاش وارتباك دائم.. عن طريق الشعر أعدت مساءلة التاريخ الشخصي وتاريخ الكون كذلك.. واشتبكت مع كل ما أراه ويراني أو لا يراني وأتخيله وأعيد نحته لأعود للسؤال ولكن بطاقة أكثر اكتنازا..
3. هل ما زلت ترى في نفسك ذلك "المنسحب اجتماعياً" الذي يلوذ بالشعر لينام بـ "رضا مزيف"؟
للأسف كلما تمر علي السنين، يتجاوزني الواقع المحيط من البشر والعلاقات.. إقامتي بعيدا عن القاهرة جمدت وضعيتي ما بين العمل وشئون أطفالي.. لا أصدقاء ولا أرواح حرة تخرج بي من أقواس حياتي الصارمة.. وعندما أفتقد إحساس الرضا عن جملة شعرية ما ويصير الأمر شغلي الشاغل لمدد متراوحة قد تصل لشهور، ثم تختار القصيدة أخيرا صيغتها المرضية: أجد نفسي أتنفس بعمق ثم أنام أخيرا.. الشعر سري الخاص، المعقد والبسيط والوحيد..
4. في حوار سابق تمنيت لو عاد بك الزمن لتتخلص من "الخوف"؛ ما هو مصدر هذا الخوف الذي طارد قصيدتك؟
خوفي الشخصي من كل شئ، والذي وسم البدايات وربما استمر ولكن بصيغ أخرى أكثر التباسا وتعقيدا وبعدا عن المباشرة.. هل يعد أحيانا عبئا على القصيدة، أم هو رافد من روافدها.. وهل يتحول الشعر حينا، في هيمنته على روحي، إلى مصدر للخوف ودافعا إليه وليس تفكيكا فنيا وجماليا لعمقه وتجلياته في الواقع الذي يحيط بي؟ الخوف كائن له عين وذراع وخصية، يختفي لتنساه ثم يظهر بفداحة وقسوة لندرك أنه لم يغادر على الإطلاق.. هل يكبل الخوف القصيدة أم أنه باب شعري عظيم في الحقيقة.. عندما تكون تحت وطأة شعور ما،قاهر ومهيمن، تظهر للحيرة أنياب وأذرع وقصائد..
5. كيف ترى تجربة جيل التسعينيات الآن؟ هل هي "بقايا" جيل أم مشروع مستمر؟
الشعر مشروع فردي بالطبع لكن دعنا نقول إن جيل التسعينيات قد حمل تجارب ومشاريع شعرية كبيرة وعظيمة، منحتها السنوات خبرة وعمقا أكبر، عبر تراكم التجارب والمغامرات الجميلة.. في كل جيل، يستمر الحقيقي، المغامر، المثقل بهموم شعرية متعددة، الذي صنع تجارب ثم ثار عليها، الذي وصل إلى مداخله الشعرية وعينه الفنية الخاصة.. جيل التسعينيات مثله مثل غيره، تعرض لاختبار الزمن وسيظل كذلك، يصمد فيه من يصمد ويغيب عن المشهد من يغيب..
6. قلت إن نصوص التسعينيين منحت "قبلة الحياة" لأجيال سابقة؛ كيف حدث هذا التأثير العكسي؟
أقصد أنها قد أيقظت فيهم ثوريتهم الشعرية وجسارتهم الفنية ولكن عبر وسائل أكثر بساطة وعمقا، وشجعتهم على إعادة النظر في تقاليد انتموا إليها وأدت بالعديد من تجاربهم إلى انغلاق القصيدة وضيق أفقها.. لقد راقب الأساتذة التجارب الأحدث، وأقصد بالطبع الناضجة منها، فوجدوا لتجاربهم مداخل أخرى تغري بالاقتناص، فجددوا منجزهم عبر التنفس من رئات صديقة ومخلصة..
7. ما الذي تبقى من "جماليات التفاصيل اليومية" في نص مؤمن سمير اليوم؟
ربما الحديث عن شعري بشكل مجمل هو أمر غير دقيق ولا عادل وصعب في الحقيقة.. كل قصيدة لها منطقها ومتطلباتها وفلسفتها ووعيها وأرضها وسماؤها.. التفاصيل اليومية ليست غاية في حد ذاتها ولكنها وسيلة لخدمة معنى كبير وعميق ومعقد، ضمن وسائل فنية عديدة ومتجددة وليست ثابتة ولا مفترضة مسبقا.. أتعامل بشكل نفعي مع كل قيمة جمالية قد تخدم نصي وتحقق له مراميه الظاهرة والخفية..
8. لماذا تصف علاقتك بالشعر بـ "المبارزة" أو "النزال الشعري"؟
ربما بسبب مكره ووجوهه المتعددة، وألعابه التي لا تنتهي، لمحاصرتي حينا وتهذيب فوراني أو لإقصائي بعيدا عن المتاح من المداخل.. نحن رفيقان عصابيان وأنانيان، متوتران دائما، لأننا ندرك أنه لا بديل عن مقاربة العالم عبر التخييل ومحاولة صياغة الكون على هيئة قصيدة..
9. "السعودية، محافظة بني سويف، محافظة بورسعيد ".. كيف أثرت جغرافيا الأماكن في تشكيل قاموسك الشعري؟
ولدت في منطقة صحراوية في السعودية وعشت في مركز صغير في محافظة بني سويف حيث عاش أبي بينما كانت أمي تنتمي إلى محافظة بورسعيد.. الانتقال من الصحراء والصمت والوقود الأول للخيال، إلى الضجيج وبساطة العلاقات والفقر والقرب من القيم الزراعية وحياة الفلاحين ثم الانتماء في نفس الوقت للبحر وللصيادين وحكاياتهم والحرب التي لم تغادر أبدا.. الانتقال والتنقل بين المكونات الجغرافية، يحمل وعي كل مكان إلى روحك، فتغنى روحك وحينا تصير مثقلة فلا تحلم إلا بالتحليق بعيدا عن الدنيا كلها..
10. هل كان العمل في "لجنة الشعر" بالمجلس الأعلى للثقافة محاولة للاشتباك مع المؤسسة أم لخدمة القصيدة؟
لم أسع لشئ ولكني فوجئت باتصال من موظفي المجلس الأعلى للثقافة لابلاغي بمواعيد الجلسات وأنا والله لم أكن ساعتها أعلم باختياري عضوا بلجنة الشعر.. ولم أعلم حتى هذه اللحظة من الذي اقترح اسمي حتى لأشكره.. وفكرت في صيغ ووسائل كثيرة لخدمة الشعر والشعراء والقيام بدور إيجابي، تنظيمي أو موضوعي.. وهكذا شاركت لكن حالت ظروف عملي وإقامتي بعيدا ومتاعبي الصحية، دون أن تكون هي المشاركة التي ترضيني فكانت دورة واحدة ولم تتكرر..
المحور الثاني: فلسفة "تفكيك السعادة" و"فضائل الضغينة"
11. عنوان ديوانك "تفكيك السعادة" يحمل خللاً منطقياً متعمداً؛ كيف يمكن تفكيك ما هو هلامي كالسعادة؟
ربما يحمل هذا العنوان يأسا مسبقا أو سخرية مضمرة.. لكن لا بد ألا ننسى أنها محاولة شعرية بالأساس، لرفد القيم المجردة بطاقة تخييلية..
12. لماذا استعنت بمقولة ماركيز "بلسمي السم يا أماه" كعتبة لهذا الديوان؟
لأني رأيتني أدلف إلى فخ قديم يجدد نفسه وصوره كل لحظة، وهو التعامل مع مفهوم مربك كالسعادة..
13. هل السعادة في شعرك هي "السم والبلسم" في آن واحد؟
باعتبار أنها قيمة مخاتلة، أقرب للإمساك بالهواء والقبض عليه كي لا يهرب، يظل البحث عن السعادة هو السم االذي يصاحبك طول رحلة العمر، وهو مايصنع منها رحلة بالأساس.. البلسم هنا هو السم ولكن في صورته البيضاء الشفافة.. هو الوهم الضروري واللازم..
14. في "فضائل الضغينة"، كيف تتحول "الضغينة" إلى فضيلة شعرية؟
لأنها تنتج اعترافات وهتكا للصورة المثالية لمؤسسة قارة في النفوس، وهي العائلة.. لأنها تصيغ صورا أكثر اكتنازا بالاشارات.. لأنها تربي طاقة في البناء عبر شروط جديدة، تشبه طاقة الهدم في قوتها وعنفوانها..
15. الناقدة ريما حمزة تقول إنك تنقلنا من "صورة داخل صورة"؛ هل الشعر لديك هو عملية "توالد بصري"؟
كل نص يحمل آلياته وقوانينه.. بعض الصور تشير لمعنى مضمر في بقعة ما في جسد النص.. وبعضها يحمل على كتفه معنى له طبقات.. في النهاية لا أعمل وفق باترون جاهز مسبقا، بل أكتشف لعبة النص وعناصره المهيمنة أثناء المعركة..
16. كيف توازن بين "غموض الفلسفة" و"جسدية الشعر" في نصوصك؟
الشعر مثلما يحمل في قلبه هموما شخصية بسيطة، يحمل صلبانه وأسئلته الانسانية الكبيرة والخالدة فوق ظهره.. وما دام المعني بالأمر هو الشاعر أو الانسان، فلتكن البداية من أيهما للالتقاء بالآخر.. أما البلاغة فهي ساحة موارة بالألعاب التي تحمل الرؤية وتعبر عنهأ.. الشعر فن لغوي بالأساس..
17. هل الشعر لديك "يحلل" كالفلسفة أم "يجسد" كالفن؟
هما حقلان متمايزان.. لكن الحمولات المعرفية في الأول والجمالية في الثاني، قد تتداخل وتتعاضد أو حتى تتنافر في نص واحد، وهو تلاقح يكون إيجابيا وقتها..
18. ما هي "الحقيقة" التي يبحث عنها مؤمن سمير وسط تعقيدات التأويل؟
لا حقيقة ثابتة ومستقرة كي يسعى إليها الجميع بنفس الرؤى والآليات.. وإنما هي متغيرة والسعي كذلك له عدد لا نهائي من المحاولات والطرائق.. أظنني أسعى لسؤال إنسانية الانسان، بالاشتباك مع تجلياتها الموارة والمتجددة..
19. لماذا تصر على بناء "دواوين موضوعية متشابكة" بدلاً من تجميع قصائد متفرقة؟
كانت رؤيتي دوما لفكرة الديوان هو أن يكون وعاء لفكرة ما أو سؤال ما أو توجه شعري معين، وتحمل نصوص الديوان بالتالي خطا فكريا أو فنيا يسري بين أنسجتها.. وهكذا يحاول كل نص تكملة لبنة أو جزء من المعمار الكلي.. وبعد هذا البازل الفني، تكتمل الصورة بشكل يخص كل متلق، وهو هنا شريك كامل في إنتاج النص بمحاولته فك الشفرات وإعادة تركيبها من جديد..
20. هل تعتقد أن "الضغينة" هي الوجه الآخر للصدق الوجودي في عالم مليء بالزيف؟
الضغينة سؤال والمحبة سؤال وبينهما أمور مشتبهات، ربما بنفس قوة الأمور المتنافرة.. ونحن بين الحدين نفترض ونلعب ونقترب ونبتعد، علنا نكون أنفسنا..
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟