|
|
بين هندسة الفكر ودفء الكلمة: فلسفة التوازن عند المفكر تامر عمار(4-5 ))
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 11:48
المحور:
مقابلات و حوارات
في خريطة الفكر الإنساني، طالما عُزل العالم الإداري والمادي في زاوية الأرقام والتخطيط، وترك العالم الإדبي والوجداني في زاوية المشاعر المنفلتة. غير أن المفكر والكاتب تامر عمار يثبت أن هذه الفجوة ما هي إلا وهم ظاهري، ليقدم نموذجاً فريداً يمتزج فيه عقل الباحث المحترف، ودقة المدير المنظم، وقلب الأديب المرهف. فمن خلال خلفيته الأكاديمية والمهنية العميقة في إدارة الأعمال والتسويق، يقرأ تامر عمار قضايا المجتمع والإنسان بعين استراتيجية لا تهمل التفاصيل ولا تغفل الوجدان. فهو لا يكتب ليملأ مساحة أو يردد شعارات عابرة، بل يتعامل مع الكلمة بوصفها أداة لتشكيل الوعي، ومع الفكرة كرسالة تسويقية نبيلة تحتاج إلى الوضوح والصدق والوصول إلى عقول الشباب. إنها رحلة فريدة يترجم فيها الكاتب صرامة المعرفة إلى حرارة حياة، ويصنع من خلالها توازناً يربط بين تخطيط الغد ودفء الحاضر، مؤكداً أن الإنسان يظل دائماً هو البوصلة والغاية. المحور الرابع: المزيج بين الإدارة والتسويق والكتابة الصحفية
1. تحمل شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال والتسويق، وتعمل مديراً للتسويق؛ كيف تنعكس هذه الخلفية الأكاديمية والمهنية المنظمة على طريقة صياغتك لمقالاتك الفكرية؟
حين أتأمل رحلة الكتابة، أجد أن القلم لا يولد من فراغ، وأن الكلمات التي تخرج من الإنسان تحمل في داخلها تاريخاً كاملاً من التجارب والقراءات والتأثيرات التي صنعت وعيه. فالكاتب الحقيقي لا يصنع أسلوبه في لحظة، وإنما يتشكل عبر سنوات طويلة من المعرفة والتجربة والاحتكاك بالناس والحياة. وقد كان لنشأتي في بيت ارتبط بالكلمة والأدب أثر عميق في تكوين علاقتي بالكتابة؛ فقد كان والدي شاعراً وأديباً، ومنه تعلمت في وقت مبكر أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي مسؤولية ورسالة، وأن الكلمة الراقية لا تُقاس بجمال صياغتها فقط، وإنما بقدرتها على لمس الإنسان وإضاءة جانب من الحقيقة. فقد غرس في داخلي احترام الحرف، والبحث عن المعنى خلف الظاهر، والإيمان بأن الكاتب لا يكتب ليملأ مساحة، وإنما ليترك أثراً ، وعندما انتقلت في مسيرتي العلمية والمهنية إلى عالم إدارة الأعمال والتسويق، لم أبتعد عن هذا الجوهر، بل أضفت إليه بعداً آخر؛ فقد منحتني الإدارة أدوات التحليل، ومنحني التسويق فهماً أعمق للإنسان وسلوكه ودوافعه. فخلف كل قرار إداري إنسان، وخلف كل اختيار تسويقي احتياج أو رغبة أو قيمة يبحث عنها الإنسان. وهذا الفهم كان له انعكاس مباشر على كتاباتي الفكرية. لقد علمتني الإدارة أن أي قضية لا يمكن قراءتها من زاوية واحدة، وأن النجاح في فهم الواقع يحتاج إلى رؤية شاملة تربط بين الأسباب والنتائج، بين التفاصيل والصورة الكبرى. لذلك عندما أكتب عن الإنسان أو الأسرة أو المجتمع أو الوطن، لا أتعامل مع القضايا باعتبارها عناوين عابرة، وإنما أحاول الغوص في جذورها؛ ما الذي يحرك الإنسان؟ لماذا تتغير القيم؟ كيف تتشكل المواقف؟ وما الذي يقف خلف الظواهر التي نراها في حياتنا اليومية؟ ، أما التسويق فقد علمني درساً مهماً: أن الفكرة مهما كانت عظيمة تحتاج إلى أن تصل إلى الناس بلغتهم، وأن الكاتب لا يكتب لنفسه، بل يكتب من أجل قارئ له تجربة ومشاعر وأسئلة وهموم. لذلك أحاول دائماً أن أوازن بين عمق الفكرة ووضوح الرسالة، وبين الرؤية الفكرية والبعد الإنساني. إن مقالاتي ليست امتداداً لمهنة فقط، ولا انعكاساً لتخصص أكاديمي فحسب، وإنما هي حصيلة تفاعل بين ثلاثة مسارات: حس الكاتب الذي تربى على قيمة الكلمة، وعقل الباحث الذي يبحث عن الحقيقة، وخبرة المدير الذي يدرك تعقيدات الواقع وآليات التأثير فيه. ولعل أهم ما أضافته لي هذه الخلفية المتنوعة هو أنني أصبحت أكثر إيماناً بأن الإنسان هو محور كل شيء. فالإدارة في جوهرها إدارة للطاقات البشرية، والتسويق في جوهره فهم للإنسان، والكتابة في جوهرها محاولة للوصول إلى أعماق الإنسان. ومن هنا جاءت محاولتي الدائمة أن تكون المقالة مساحة تجمع بين الفكر والشعور، بين التحليل والتأمل، بين صرامة المعرفة ودفء التجربة الإنسانية. أنا لا أرى الكتابة ترفاً أو حضوراً اجتماعياً، بل أراها مسؤولية ثقافية؛ لأن الكاتب يشارك بصورة أو بأخرى في تشكيل وعي المجتمع. والكلمة التي تُكتب اليوم قد تصبح فكرة تستقر في عقل قارئ، أو موقفاً يعيد من خلاله النظر إلى نفسه أو واقعه. ولهذا فإنني أحرص في كل ما أكتب على أن تكون الكلمة صادقة قبل أن تكون جميلة، وعميقة قبل أن تكون رائجة، وأن تحمل قيمة تتجاوز لحظتها. فالكاتب لا يُقاس بعدد ما يكتب، وإنما بما يتركه من أثر. وفي النهاية، فإنني أؤمن أن أجمل ما يمكن أن يجمعه الإنسان في رحلته هو أن يمتلك قلب الأديب، وعقل الباحث، وخبرة الممارس. وعندما تلتقي هذه العناصر يصبح القلم أكثر من أداة للتعبير؛ يصبح وسيلة لفهم الإنسان، والدفاع عن القيم، وصناعة وعي يحتاجه المجتمع في كل مرحلة من مراحله.
2. هل يمكننا الحديث اليوم عن مفهوم "تسويق الأفكار والقيم الإيجابية" في المجتمع؟ وكيف نستخدم آليات التسويق الحديثة لنشر الوعي الثقافي والتربوي؟
في هذا العالم الذي أصبح فيه الأفكار سلعة للتنافس مثل المنتجات ،وأصبحت العقول الإنسانية ساحة مفتوحة لكم هائل من الرسائل والصور والمفاهيم، لم يعد كافياً أن نمتلك فكرة جيدة أو قيمة نبيلة؛ فالقيمة التي لا تصل إلى الناس قد تبقى حبيسة أصحابها، والفكرة التي لا تجد طريقها إلى الوعي العام قد تفسح المجال لأفكار أقل عمقاً وأكثر قدرة على الانتشار ، من هنا أرى أن الحديث عن تسويق الأفكار والقيم الإيجابية لم يعد خياراً فكرياً يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة حضارية تفرضها طبيعة العصر، فالتسويق في جوهره ليس مجرد بيع منتج أو خدمة، وإنما هو علم بناء علاقة بين رسالة وجمهور، وبين قيمة وإنسان. وإذا كانت المؤسسات تستخدم أدوات التسويق لتعريف الناس بمنتجاتها، فإن المجتمع يحتاج بالقدر نفسه إلى تسويق القيم التي تحافظ على تماسكه، مثل المسؤولية، والانتماء، والحوار، والرحمة، والعمل، والإيجابية. لقد تغيرت طبيعة التأثير في عصرنا؛ فلم تعد الأفكار تنتقل فقط عبر المنابر التقليدية، وإنما أصبحت المنصات الرقمية تصنع وعياً يومياً لدى ملايين البشر. ولهذا فإن من يمتلك رسالة إيجابية عليه أن يفهم لغة العصر، وأن يدرك أن جودة الفكرة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى أسلوب عرض قادر على الوصول إلى الإنسان في اللحظة المناسبة وبالطريقة التي تناسب اهتماماته ، وهنا يأتي دور آليات التسويق الحديثة؛ من دراسة الجمهور وفهم احتياجاته، إلى صناعة المحتوى المؤثر، واستخدام القصص الإنسانية، وتحليل تفاعل الناس مع الرسائل المختلفة. فالقيمة لا تصل دائماً من خلال الخطاب المباشر، وإنما كثيراً ما تصل من خلال قصة مؤثرة، أو تجربة واقعية، أو نموذج إنساني يرى الناس أنفسهم فيه. لكنني أرى أن هناك فارقاً جوهرياً بين تسويق الأفكار الإيجابية وتسويق المنتجات؛ فالمنتج يمكن أن يُقنع الإنسان بامتلاكه، أما القيمة فتحتاج إلى أن تُقنعه بتبنيها وممارستها. ولهذا فإن نشر الوعي لا يعتمد فقط على قوة الرسالة، بل على صدق من يقدمها. فالناس قد ينسون ما نقوله، لكنهم لا ينسون ما نمارسه أمامهم. ومن أكبر الأخطاء التي قد تقع فيها المؤسسات الثقافية والتربوية أنها تقدم القيم بلغة قديمة لا تتناسب مع طبيعة الجيل الجديد. فالشباب اليوم لا يرفضون القيم، كما يعتقد البعض، لكنهم يبحثون عن طريقة مختلفة لتقديمها؛ يريدون خطاباً يحترم عقولهم، ويتحدث بلغتهم، ويربط القيم بحياتهم الواقعية وليس فقط بالمواعظ المجردة ، لذلك فإن تسويق الوعي يحتاج إلى الانتقال من مرحلة التلقين إلى مرحلة بناء التجربة. فنحن لا نريد فقط أن نقول للشباب أهمية القراءة، بل أن نجعل القراءة تجربة ممتعة. ولا نريد فقط أن نتحدث عن المسؤولية، بل أن نمنحهم فرصاً حقيقية لممارستها. فالفكرة التي تتحول إلى تجربة تصبح أكثر رسوخاً من الفكرة التي تبقى مجرد خطاب. كما أن المؤسسات المعنية بالتربية والثقافة والإعلام تحتاج إلى التعامل مع القيم باعتبارها مشاريع استراتيجية طويلة المدى، لا حملات مؤقتة مرتبطة بمناسبة معينة. فبناء الوعي يشبه بناء الإنسان؛ يحتاج إلى استمرارية وصبر وتراكم ، وأعتقد أن الكاتب والمثقف والإعلامي في هذا العصر أصبح يحمل دوراً قريباً من دور المسوق للمعنى؛ فهو لا يروج لسلعة، بل يساعد المجتمع على رؤية قيمة ما قد يغيب عنه وسط زحام الحياة. فالكلمة المسؤولة تستطيع أن تغير تصوراً، والتصور قد يتحول إلى سلوك، والسلوك قد يصبح ثقافة عامة. إن التحدي الحقيقي أمامنا اليوم ليس نقص الأفكار الإيجابية، فمجتمعاتنا مليئة بالقيم العظيمة، وإنما التحدي هو كيف نجعل هذه القيم حاضرة في وعي الإنسان اليومي، وكيف نقدمها بلغة العصر دون أن نفقد جوهرها. ولهذا فإنني اعترف بأن المستقبل لن يكون فقط لمن يمتلك أدوات التكنولوجيا، بل لمن يمتلك رسالة إنسانية واضحة ويعرف كيف يصل بها إلى الناس. فالتسويق الحقيقي للأفكار ليس محاولة لتزيين الواقع، وإنما هو فن تحويل القيم النبيلة إلى طاقة حية تتحرك داخل المجتمع وتصنع أثراً يمتد من إنسان إلى آخر.
3. في عالم الإدارة، التخطيط الاستراتيجي هو أساس النجاح؛ هل يفتقد الفرد في مجتمعنا العربي للتخطيط الاستراتيجي في حياته الشخصية والأسرية؟ وكيف يربك ذلك واقعه؟
أعتقد أن إحدى الإشكاليات الكبرى في مجتمعاتنا العربية أننا نجيد إدارة يومنا أكثر مما نجيد صناعة مستقبلنا. فكثيرون يمتلكون القدرة على التعامل مع متطلبات اللحظة، لكنهم يفتقدون الرؤية التي تجعل لكل خطوة معنى، ولكل قرار غاية، ولكل مرحلة من العمر اتجاهاً واضحاً. ومن واقع تجربتي في الإدارة، أؤمن أن التخطيط الاستراتيجي ليس منهجاً للمؤسسات فحسب، بل هو فلسفة حياة. فالنجاح لا يولد صدفة، والاستقرار لا يأتي بالمصادفة، وحتى العلاقات الإنسانية لا تزدهر بالنيات الطيبة وحدها، وإنما تحتاج إلى رؤية، وإلى حسن تقدير، وإلى وعي بالنتائج قبل اتخاذ القرارات. وللأسف، ما زلنا في كثير من الأحيان ندير حياتنا بمنطق ردود الأفعال لا بمنطق صناعة المستقبل. نتعامل مع الأزمات بعد وقوعها، ونبحث عن الحلول عندما تتعقد المشكلات، بينما يغيب السؤال الأهم: ماذا كان يمكن أن نفعل حتى لا نصل إلى هذه المرحلة؟ وأرى أن غياب التخطيط لا يقتصر على الجانب المهني، بل يمتد إلى الأسرة ذاتها. فكم من أسرة اجتمعت تحت سقف واحد، لكنها لم تجتمع يوماً على رؤية مشتركة؟ وكم من أبٍ وأمٍ بذلا كل ما يستطيعان من أجل أبنائهما، لكنهما لم يجلسا يوماً ليرسما ملامح المستقبل الذي يريدانه لهم؟ إن الأسرة الناجحة لا تُبنى فقط بالمحبة، بل تُبنى أيضاً بالوضوح، وبالاتفاق على الأولويات، وبالاستعداد لما قد تحمله الأيام من تحديات. كما أن التخطيط الشخصي لا يعني أن يعيش الإنسان أسيراً للجداول والأرقام، وإنما أن يعرف إلى أين يتجه. فهناك فرق كبير بين من يقود حياته، ومن تجره الحياة إلى حيث تشاء. الأول يصنع قراراته وفق أهدافه، أما الثاني فيبقى رهينة الظروف، يغير مساره مع كل متغير، ويعيد ترتيب أولوياته مع كل أزمة. لقد علمتني الإدارة أن الرؤية تسبق الإنجاز، وأن وضوح الهدف يوفر كثيراً من الجهد والوقت والموارد. وهذه القاعدة لا تخص المؤسسات وحدها، بل تنطبق على الإنسان أيضاً. فالذي لا يحدد أهدافه بوعي، كثيراً ما يجد نفسه يحقق أهداف الآخرين، أو يستهلك سنوات عمره في مسارات لم يخترها بإرادته. ولا يعني ذلك أن الحياة يمكن إخضاعها لخطة جامدة؛ فالمتغيرات جزء من طبيعتها، لكن التخطيط يمنح الإنسان القدرة على التكيف دون أن يفقد وجهته. فالسفينة الماهرة ليست التي تمنع العواصف، وإنما التي تعرف كيف تصل إلى وجهتها رغم تغير اتجاه الرياح. ومن هنا، فإنني أدعو إلى ترسيخ ثقافة التخطيط منذ السنوات الأولى من حياة الإنسان؛ داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي الجامعة، لأن التخطيط ليس مهارة إدارية فحسب، بل هو أسلوب تفكير يصنع شخصية أكثر اتزاناً، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر استعداداً لتحمل المسؤولية. إن أخطر ما يسببه غياب التخطيط أنه يجعل الإنسان يعيش عمره منشغلاً بإطفاء الحرائق، بدلاً من أن ينشغل ببناء المستقبل. وما أكثر الطاقات التي أُهدرت، والأحلام التي تعثرت، ليس بسبب نقص الإمكانات، وإنما بسبب غياب الرؤية. وأنا على يقين بأن الأمم التي تخطط لمستقبلها تبدأ أولاً ببناء إنسان يعرف ماذا يريد، ولماذا يريده، وكيف يصل إليه. فالتخطيط ليس رفاهية إدارية، ولا ترفاً تنظيرياً، بل هو ترجمة عملية لقول بسيط وعميق في آن واحد: أن تحيا حياتك بقصد، لا أن تتركها رهينة للصدفة.
4. من واقع خبرتك؛ كيف تقيّم أداء المؤسسات الثقافية والإعلامية في استخدام أدوات التسويق الرقمي للوصول بفاعلية إلى عقول الشباب؟
إذا أردنا أن نتحدث بموضوعية، فعلينا أولاً أن نعترف بأن معركة التأثير في هذا العصر لم تعد تُحسم بقوة الرسالة وحدها، وإنما بقدرة هذه الرسالة على الوصول إلى الإنسان في الوقت المناسب، وبالأسلوب الذي يتوافق مع طبيعة الجيل الذي نخاطبه. وللأسف، ما زالت كثير من المؤسسات الثقافية والإعلامية العربية تمتلك محتوى قيماً، لكنها لم تطور بالقدر الكافي الأدوات التي تضمن وصول هذا المحتوى إلى عقول الشباب ووجدانهم. ومن واقع خبرتي في الإدارة والتسويق، أرى أن المشكلة ليست في ندرة الأفكار، بل في إدارة الأفكار. فما زال البعض يتعامل مع التسويق الرقمي باعتباره مرحلة لاحقة لإنتاج المحتوى، بينما الحقيقة أن التسويق يبدأ قبل إنتاج المحتوى نفسه، من خلال فهم الجمهور، وتحليل اهتماماته، ومعرفة احتياجاته، واختيار المنصة المناسبة، وصياغة الرسالة بالأسلوب الذي يحقق التأثير المنشود. لقد تغيّر الشباب، وتغيّرت أدوات تلقيهم للمعلومة، وتبدلت اللغة التي يتفاعلون معها، بينما ما زالت بعض المؤسسات تخاطبهم بعقلية الأمس. وهنا تكمن الفجوة. فليس من المنطقي أن نخاطب جيلاً يعيش في فضاء رقمي سريع، بلغة تقليدية جامدة، ثم نتساءل لماذا ابتعد عن المحتوى الثقافي الجاد. وأعتقد أن التحدي الأكبر ليس منافسة المنصات الرقمية، بل تعلم قواعدها. فهذه المنصات ليست عدواً للثقافة، وإنما أصبحت الميدان الحقيقي الذي تُصنع فيه اتجاهات الرأي العام، وتتشكل فيه القناعات، وتتنافس فيه الأفكار. ومن ينسحب من هذا الميدان، يتركه طواعية لخطابات قد لا تحمل القيم ذاتها، لكنها تمتلك أدوات أكثر تأثيراً ،كما أن المؤسسات الثقافية والإعلامية مطالبة اليوم بالانتقال من ثقافة نشر المحتوى إلى ثقافة صناعة التجربة. فالشباب لم يعودوا يكتفون بتلقي الرسائل، بل يريدون أن يكونوا جزءاً منها؛ يشاركون، ويتفاعلون، ويناقشون، ويشعرون بأن أصواتهم مسموعة. فالتواصل في العصر الرقمي لم يعد أحادي الاتجاه، وإنما أصبح حواراً مستمراً بين المؤسسة وجمهورها ، ومن الأخطاء التي ألاحظها أيضاً أن بعض المؤسسات تقيس نجاحها بعدد المنشورات التي تنشرها، بينما المعيار الحقيقي هو حجم الأثر الذي تتركه. فالأرقام قد تعكس انتشاراً، لكنها لا تعني بالضرورة تأثيراً. وقد تحقق رسالة واحدة، صيغت بذكاء وصدق، ما لا تحققه عشرات الحملات التي تفتقر إلى الرؤية. وأرى أن الاستثمار الحقيقي في المرحلة المقبلة يجب أن يكون في بناء كوادر تجمع بين المعرفة الثقافية والخبرة الرقمية. فالعالم لم يعد بحاجة إلى محتوى جيد فقط، بل إلى من يعرف كيف يقدمه، وكيف يوصله، وكيف يحوله إلى تجربة مؤثرة في حياة الناس ، وفي تقديري، فإن نجاح أي مؤسسة ثقافية أو إعلامية لن يُقاس مستقبلاً بكم ما تنتجه من مواد، بل بقدرتها على أن تكون حاضرة في وعي الشباب، وأن تنافس على وقتهم، وأن تكسب ثقتهم، وأن تجعل الثقافة جزءاً من حياتهم اليومية، لا مادة موسمية أو خطاباً نخبوياً بعيداً عن واقعهم. إنني أؤمن بأن المستقبل سيكون للمؤسسات التي تدرك أن التسويق الرقمي لم يعد وظيفة مساندة، بل أصبح جزءاً من صناعة الوعي نفسها. فحين تجتمع الفكرة العميقة مع الأداة الذكية، وتلتقي الرسالة الصادقة مع الفهم الحقيقي للجمهور، يتحول المحتوى من كلمات تُقرأ إلى قوة تُحدث أثراً، ومن رسالة تُنشر إلى وعي يتشكل، وهذه هي الغاية التي ينبغي أن نسعى إليها جميعاً.
5. يرى البعض أن الإدارة والتسويق عالم مادي جاف، بينما الكتابة الوجدانية عالم رقيق وفيّض؛ كيف نجح د. تامر عمار في المزج بين هذين النقيضين وصناعة هذا التوازن؟
أبتسم كثيراً عندما أسمع هذا السؤال؛ لأنه يقوم على افتراض أن الإدارة والكتابة يقفان على طرفي نقيض، بينما تجربتي علمتني أن هذا التناقض ظاهري أكثر منه حقيقي. فالإدارة ليست عالماً من الأرقام الجامدة كما يتصور البعض، والكتابة ليست فيضاً عاطفياً منفلتاً من العقل. كلاهما يبدأ من الإنسان، وينتهي إليه. إن الإدارة في جوهرها هي فن قراءة الواقع، والكتابة في جوهرها هي فن قراءة الإنسان. والإدارة تبحث عن أفضل السبل لتوجيه الطاقات وتحقيق الأهداف، بينما تحاول الكتابة أن تفهم ما الذي يحرك هذه الطاقات أصلاً، وما الذي يصنع أحلام الإنسان ومخاوفه وقناعاته. ولذلك لم أشعر يوماً أنني أتنقل بين عالمين متناقضين، بل بين مسارين يلتقيان عند نقطة واحدة. لقد منحتني الإدارة الانضباط في التفكير، ومنحني التسويق القدرة على فهم طبيعة المتلقي، أما الكتابة فقد منحتني الحرية في أن أطرح الأسئلة التي لا تستطيع التقارير الإدارية أن تطرحها. ففي الإدارة أتعلم كيف تُدار المؤسسات، وفي الكتابة أحاول أن أفهم كيف تُدار النفوس، وبين المؤسسة والإنسان تنشأ كل القضايا التي تستحق أن نكتب عنها. وأعتقد أن الخطأ الشائع هو اختزال التسويق في مفهوم البيع. أما أنا فأراه علماً لفهم السلوك الإنساني. فكل حملة تسويقية ناجحة تبدأ بسؤال: ماذا يريد الإنسان؟ والكاتب الصادق يبدأ بالسؤال نفسه، لكنه يضيف إليه سؤالاً آخر: ماذا يحتاج الإنسان، حتى وإن لم يدرك حاجته بعد؟ وهنا يلتقي التسويق بالفكر، ويلتقي العلم بالأدب. ولهذا فإنني لا أكتب مقالاتي بمنطق الكاتب الذي يطارد الجملة البليغة، ولا بمنطق الإداري الذي يطارد الأرقام، وإنما بمنطق الباحث عن المعنى. أحاول أن أمنح الفكرة دقة العلم، وأن أمنحها في الوقت نفسه حرارة الحياة. فلا قيمة لفكرة صحيحة لا تمس الإنسان، ولا قيمة لكلمات مؤثرة تفتقر إلى أساس معرفي راسخ. وربما لهذا السبب أرفض الفصل بين العقل والعاطفة. فالكتابة التي لا يحكمها العقل تتحول إلى انفعال مؤقت، والعقل الذي لا يلامس وجدان الإنسان يتحول إلى معرفة باردة لا تصنع أثراً. أما حين يتصافح العقل والقلب، فإن الفكرة تكتسب مصداقيتها، وتكتسب الكلمة قدرتها على البقاء. إنني لا أرى نفسي أمارس ثلاث مهن مختلفة، بل أؤدي رسالة واحدة بثلاث أدوات؛ أفكر بعقل الباحث، وأخطط بعين الإداري، وأكتب بقلب الإنسان. وما دامت الغاية هي خدمة الإنسان، فإن كل هذه الأدوات تصبح أجزاءً من مشروع واحد، لا عوالم متباعدة. ولذلك فإنني لا أؤمن بوجود صراع بين الإدارة والكتابة، وإنما أؤمن بأن المعرفة الحقيقية هي التي تهدم الحواجز بين التخصصات. فالإنسان أكثر تعقيداً من أن تفسره مدرسة واحدة، والوطن أكبر من أن يبنيه علم واحد، والكاتب الحقيقي هو الذي يجعل من كل تجربة يعيشها نافذة جديدة يطل منها على الإنسان والحياة.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مرآة الوعي والروح: إضاءات في فقه المشاعر ومسؤولية الإنسان عن
...
-
جسور الوعي والأسرة: مقاربات فكرية في تماسك المجتمع عند المفك
...
-
حراسة الذاكرة وإنصاف المهمشين: حوار خاص مع الباحثة والكاتبة
...
-
شجون العامية وفلسفة الوجدان: حوار خاص مع الشاعر يس النحايفة
-
دروب الإبداع بين شجون الواقع وعوالم السرد: حوار خاص مع الأدي
...
-
حنان إسماعيل: رحلة بين رصانة البحث الأكاديمي وسحر الإبداع ال
...
-
ترانيم في أقصى الجنوب: مسك الختام لرحلة الكلمة والوعي مع حسن
...
-
عتبات الإبداع والاشتباك الثقافي: رحلة الإتلاتي بين منصات الن
...
-
في محراب القصيدة وصومعة الرفض: مع حسني الإتلاتي حول شؤون الش
...
-
صرخة الشاعر حسني الإتلاتي في وجه بيروقراطية الثقافة ومقايضات
...
-
«حسني الإتلاتي: حارس التراث وجسر النبض بين الفصحى وفن الواو»
...
-
«حسني الإتلاتي: من صقيع التهميش إلى دفء الإبداع.. جغرافيا ال
...
-
عتبة الجنوب وصوت النهر: رحلة الإتلاتي والاستقرار في أسوان( 3
...
-
دروب الرؤيا ونقوش الروح: ملحمة الشعر والوجع الإنساني عند الإ
...
-
بين تراب الإتلات ودفء الذاكرة: رحلة الشاعر حسني الإتلاتي من
...
-
أجنحة الدعم والوفاء: الإتلاتي.. كيف صنع المعلمون وشريكة الحي
...
-
صانع التاريخ من رماد الذاكرة: رحلة في عوالم الكاتب فكري فيصل
...
-
مفترق الطرق بين التوثيق والتنوير: استكمال الرحلة في مختبر ال
...
-
الدكتور يسري عبيد يقرأ المشهد الإيراني: استراتيجيات الردع ال
...
-
مرآة النقد ومشاريع البناء الآتي: رؤى عبد المجيد الخولي في ال
...
المزيد.....
-
هل يجوب ملك الغابة السعودية مجددًا؟ المملكة تعلن خطة لإعادة
...
-
تحول إلى كرة نارية ضخمة.. انفجار صاروخ صيني يحمل قمراً اصطنا
...
-
حريق هويلفا في إسبانيا يهدد المنازل وإجلاء 800 شخص وسط جفاف
...
-
خامنئي يعيد ترتيب القيادة العسكرية الإيرانية.. وترامب يطالب
...
-
كازاخستان تعرض عفوا عن العملات المشفرة لإعادة مليارات الأصول
...
-
-مواجهة واشنطن والإمساك بالداخل-.. خبراء يحللون تغييرات خامن
...
-
صحيفة: ترامب غادر تركيا على متن رحلة سرية بسبب تهديد إيراني
...
-
دراسة حديثة تحلّ لغز تجمّد الأرض لحوالي 56 مليون سنة
-
حركة -السلام الآن-: إسرائيل تمضي نحو ضم غير معلن للضفة.. وسم
...
-
الدفاع الروسية: اعتراض وتدمير 396 مسيرة أوكرانية خلال 12 ساع
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|