أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - ركائز الوطن ووعي البناء: قراءة في فلسفة التنمية والإنسان عند المفكر تامر عمار(3-5)















المزيد.....


ركائز الوطن ووعي البناء: قراءة في فلسفة التنمية والإنسان عند المفكر تامر عمار(3-5)


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 11:49
المحور: مقابلات و حوارات
    


في رحلة الأمم نحو نهضتها واستقرارها، تظل الأسئلة الكبرى متعلقة بالجوهر الذي تُبنى عليه الأوطان وتُقاس به حضاراتها. ونادراً ما يلتقي الفكر التنموي بالعمق الإنساني بمثل تلك الشفافية التي يقدمها المفكر والكاتب تامر عمار في رؤيته الوطنية الشاملة. فهو لا ينظر إلى الأوطان كمساحات جغرافية صماء أو منشآت مادية مجردة، بل يراها تجسيداً حياً لوعي الإنسان وجهده وانتمائه.
من خلال مقالاته ومقارباته العميقة، يضعنا تامر عمار أمام فلسفة متكاملة ترتكز على شعار "خدمة وطن.. بناء الإنسان"، موضحاً أن أي تنمية حقيقية تظل ناقصة ما لم تتخذ من العقل الواعي والضمير المسؤول حجر الزاوية لها. بدءاً من تحويل الشعارات الوطنية إلى سلوก ملموس وإنتاجية يومية، وصولاً إلى تفعيل دور النخبة المثقفة وبناء جسر التكامل بين الأسرة والمدرسة، يفكك الكاتب المعوقات الفكرية كالاتكال وسطحية التفكير، داعياً إلى تبني ثقافة الإتقان والمبادرة. إنها دعوة فكرية واعية لإعادة اكتشاف طاقات الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية والمشروع الأكبر لأي أمة تبحث عن مكانها في المستقبل.
المحور الثالث: الرؤية الوطنية والتنموية وشعار "خدمة وطن.. بناء إنسان"

1. تتبنى دائماً شعار "خدمة وطن.. بناء إنسان"؛ لماذا تؤكد دائماً أن بناء الإنسان هو حجر الزاوية لكل المشاريع التنموية والوطنية؟

حين أردد شعار "خدمة وطن.. بناء إنسان" فإنني لا أتعامل معه باعتباره عبارة إعلامية أو شعاراً جميلاً يزين الخطابات، بل أراه فلسفة عمل ورؤية تنطلق من حقيقة أساسية؛ وهي أن الأوطان في جوهرها ليست مجرد طرق ومبانٍ ومؤسسات، وإنما هي الإنسان الذي يصنع هذه المنجزات ويحافظ عليها ويمنحها معناها وقيمتها.
لقد أثبت التاريخ أن أعظم المشاريع يمكن أن تفقد أثرها إذا لم يكن الإنسان هو محورها وغايتها. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بما نضيفه من منشآت أو بما نحققه من أرقام اقتصادية، بل بما ننجحه في بناء مواطن يمتلك الوعي والمسؤولية والانتماء والقدرة على الإسهام الإيجابي في مجتمعه. فالمشروع الذي لا يترك أثراً في الإنسان يظل مشروعاً ناقصاً، مهما كان حجمه أو بريقه.
إن الإنسان هو نقطة البداية والنهاية في أي مسيرة حضارية؛ لأنه هو الذي يبتكر، ويدير، ويقرر، ويحمي المكتسبات، ويحول الأفكار إلى واقع. ولذلك فإن الاستثمار في الإنسان ليس جانباً اجتماعياً مكملاً للتنمية، بل هو الأساس الذي تقوم عليه كل أشكال التنمية الأخرى. فالعقول الواعية تصنع الاقتصاد القوي، والقيم الراسخة تبني المجتمعات المتماسكة، والإنسان المسؤول يحول الوطن من مساحة جغرافية إلى مشروع حضاري حي.
وعندما نتحدث عن بناء الإنسان، فإننا لا نقصد فقط التعليم أو التدريب بالمعنى التقليدي، رغم أهميتهما، وإنما نتحدث عن بناء منظومة متكاملة تشمل الفكر والقيم والمهارات والوعي بالمسؤولية. فالإنسان الذي يمتلك المعرفة دون أخلاق قد يستخدم قدراته بطريقة تضر بالمجتمع، والإنسان الذي يحمل القيم دون أدوات قد يعجز عن مواجهة تحديات العصر. لذلك فإن البناء الحقيقي هو الذي يوازن بين العقل والضمير، بين الكفاءة والإنسانية.
كما أن المجتمعات لا تواجه تحدياتها الكبرى بالقوانين والمشاريع فقط، وإنما بقدرة أفرادها على تحمل المسؤولية. فالوطن القوي ليس هو الذي يمتلك الإمكانات فحسب، بل هو الذي يمتلك الإنسان القادر على توظيف هذه الإمكانات بحكمة. ومن هنا فإن كل مشروع وطني يجب أن يبدأ بالسؤال الأهم: كيف سيؤثر هذا المشروع في حياة الإنسان؟ وكيف سيجعله أكثر قدرة على المشاركة وصناعة المستقبل؟
لقد علمتنا التجارب الإنسانية أن الحضارات لا تنهض عندما تمتلك الموارد فقط، بل عندما تمتلك الإنسان الذي يعرف قيمة هذه الموارد. فالثروة الحقيقية لأي وطن ليست في ما تحت الأرض فقط، وإنما في العقول التي تفكر، والقلوب التي تنتمي، والطاقات التي تعمل بإخلاص.
ولهذا فإن خدمة الوطن لا تعني فقط إنجاز مهمة أو تنفيذ مشروع، بل تعني المساهمة في صناعة إنسان يشعر بأن له دوراً ورسالة ومسؤولية. فكل طفل يتعلم قيمة الاجتهاد، وكل شاب يكتسب مهارة جديدة، وكل فرد يزداد وعياً بحقوقه وواجباته؛ هو لبنة جديدة في بناء وطن أكثر قوة واستقراراً.
إنني أؤمن بأن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ من السؤال: ماذا نملك؟ بل من السؤال: ماذا نصنع بالإنسان الذي نملكه؟ لأن الإنسان هو القادر على تحويل التحديات إلى فرص، والأفكار إلى إنجازات، والأحلام إلى واقع. ومن هنا يبقى بناء الإنسان هو المشروع الأكبر؛ لأنه عندما نبني الإنسان، فإننا لا نبني فرداً فقط، بل نبني أسرة أكثر وعياً، ومجتمعاً أكثر تماسكاً، ووطناً أكثر قدرة على صناعة مستقبله.

2. في مقالاتك الوطنية مثل "تحيا مصر.. شعار وكيان"؛ كيف يمكننا تحويل الشعارات الوطنية من حيز الحماس العاطفي إلى سلوك وإنتاجية يومية ملموسة لدى المواطن؟

أستطيع ان أقول لكم إنني أؤمن أن أخطر ما يمكن أن يصيب الشعارات الوطنية هو أن تتحول من قيمة حية تسكن وجدان الإنسان إلى مجرد عبارات نرددها في المناسبات ثم نغادرها دون أن تترك أثراً في سلوكنا اليومي. فالشعار الحقيقي ليس مجموعة كلمات جميلة، وإنما فكرة تحمل مسؤولية، وقيمة تتحول إلى ممارسة، وإيمان يترجم إلى عمل.
عندما كتبت عن "تحيا مصر.. شعار وكيان" كنت أفرق بين حب الوطن باعتباره عاطفة نبيلة، وبين الانتماء باعتباره سلوكاً يومياً. فحب الوطن لا يُقاس فقط بما نقوله عنه، وإنما بما نقدمه له عندما نعود إلى تفاصيل حياتنا العادية؛ في إتقان العمل، واحترام القانون، والحفاظ على المال العام، وتربية أبناء يحملون روح المسؤولية، والمشاركة الإيجابية في بناء المجتمع.
لقد ارتبط مفهوم الوطنية لدى البعض بالمواقف الاستثنائية فقط، بينما الحقيقة أن الأوطان تُبنى بالأفعال الصغيرة المتراكمة. فالموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص، والمعلم الذي يصنع جيلاً واعياً، والطبيب الذي يؤدي رسالته بضمير، والشاب الذي يطور نفسه ويسعى للإنتاج، كل هؤلاء يمارسون الوطنية بأعمق صورها؛ لأنهم يضيفون قيمة حقيقية إلى وطنهم.
الشعارات الوطنية تصبح قوة مؤثرة عندما تنتقل من الوجدان إلى السلوك. فليس كافياً أن نهتف بالانتماء، بل علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا أضفت لوطني اليوم؟ هل كنت سبباً في تحسين شيء من حولي؟ هل تركت أثراً إيجابياً في عملي أو أسرتي أو مجتمعي؟ هذه الأسئلة هي التي تنقل الوطنية من حالة عاطفية مؤقتة إلى ثقافة حياة.
وأعتقد أن بناء هذا الوعي يبدأ من التربية؛ لأن الطفل الذي يتعلم أن الوطن ليس مجرد خريطة أو نشيد، وإنما مسؤولية وعطاء، سينشأ وهو يرى نفسه شريكاً في المستقبل لا متفرجاً عليه. فالوطنية ليست مادة تدرّس فقط، بل سلوك يُمارس، وقدوة تُرى، وتجربة يعيشها الإنسان في بيته ومدرسته ومجتمعه.
كما أن المؤسسات لها دور كبير في تحويل الشعارات إلى واقع؛ فحين يشعر المواطن أن جهده مقدر، وأن مشاركته لها أثر، وأن المؤسسات تفتح له أبواب الإبداع والمبادرة، يتحول الانتماء من شعور داخلي إلى طاقة إنتاجية. فالإنسان يعطي أكثر عندما يشعر أن له مكاناً حقيقياً في مشروع وطنه.
إن الوطن لا يحتاج فقط إلى أصوات تدافع عنه، بل إلى عقول تعمل من أجله، وضمائر تحافظ عليه، وأيدٍ تبني مستقبله. فالمحبة الحقيقية للأوطان ليست في كثرة الحديث عنها، وإنما في مقدار ما نبذله من أجل أن تكون أفضل.
ولهذا فإنني أرى أن أعظم تكريم لأي شعار وطني هو أن نجعله منهجاً للحياة. فحين يصبح الإتقان قيمة، والمسؤولية عادة، والإيجابية سلوكاً، يتحول الشعار من كلمات معلقة إلى واقع ملموس. عندها فقط لا تكون عبارة "تحيا مصر" مجرد هتاف نردده، بل تصبح رسالة نعيشها؛ لأن الوطن لا يحيا بالكلمات وحدها، وإنما يحيا بالإنسان الذي يؤمن به ويعمل من أجله.

3. من وجهة نظرك كخبير وباحث، ما الدور الذي يجب أن تلعبه النخبة المثقفة والكتاب في دعم مسيرة البناء والتنمية والقيادة الرشيدة في مصر؟

أعتقد أن دور النخبة المثقفة والكتاب في حياة الأمم يتجاوز حدود الكتابة والتعبير؛ فالكلمة في مراحل البناء الوطني ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار، بل هي قوة قادرة على تشكيل الوعي، وتصحيح المسارات، وصناعة الإنسان القادر على فهم واقعه والمشاركة في صناعة مستقبله.
لقد كانت النخب الفكرية عبر التاريخ شريكاً أساسياً في نهضة المجتمعات؛ لأنها تمثل ضمير الأمة وعقلها النقدي، وتملك القدرة على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل. فالكاتب الحقيقي لا يعيش خارج قضايا وطنه، ولا يكتفي بوصف الأحداث، بل يسعى إلى فهم جذورها، وطرح الأسئلة التي قد لا يلتفت إليها الآخرون، وتقديم رؤى تساعد المجتمع على تجاوز تحدياته ، وفي تقديري، فإن أول دور يجب أن تقوم به النخبة المثقفة هو بناء الوعي؛ لأن التنمية لا تبدأ من المشروعات فقط، وإنما تبدأ من الإنسان الذي يفهم قيمة هذه المشروعات ودوره فيها. فالمجتمع الواعي هو القادر على دعم مسيرة البناء، والتمييز بين النقد المسؤول والنقد الهدام، وبين الاختلاف الذي يثري التجربة الوطنية والخلاف الذي يعطلها.
كما أن المثقف الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد مراقب للأحداث من بعيد، بل شريكاً في الحوار الوطني. فوظيفته ليست التصفيق الدائم، كما أنها ليست المعارضة الدائمة، وإنما تقديم رؤية متوازنة تجمع بين الانتماء والموضوعية؛ رؤية ترى الإنجازات بإنصاف، وتشير إلى التحديات بوعي، وتقترح الحلول بدلاً من الاكتفاء بتشخيص المشكلات.
إن القيادة الرشيدة تحتاج دائماً إلى بيئة فكرية ناضجة؛ لأن القرارات الكبرى لا تنجح فقط بقوة التنفيذ، وإنما تحتاج إلى مجتمع يفهم أهدافها ويتفاعل معها. وهنا يأتي دور الكتاب والمثقفين في تبسيط القضايا الكبرى للناس، وتحويل المفاهيم التنموية إلى لغة قريبة من المواطن، حتى يشعر بأن التنمية ليست مشروعاً بعيداً عنه، بل مساراً يشارك فيه ويستفيد منه ، وأرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تنفصل النخبة عن الواقع، أو أن تتحول الثقافة إلى مساحة نخبوية مغلقة لا تصل إلى الإنسان العادي. فالمثقف الذي لا يلامس هموم الناس يفقد جزءاً من رسالته، والكاتب الذي لا يشعر بنبض مجتمعه تصبح كلماته منفصلة عن الحياة. قيمة الفكر الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى أثر، وعندما يجد طريقه إلى عقول الناس وسلوكهم.
كما أن على الكتاب مسؤولية كبيرة في مواجهة الشائعات، وتعزيز الثقة، ونشر ثقافة الأمل الواقعي. فالأوطان لا تُبنى فقط بالمشروعات المادية، بل أيضاً بالمزاج النفسي والاجتماعي للمجتمع. والكلمة المسؤولة قادرة على رفع الوعي، وتقوية الانتماء، ومنح الناس القدرة على رؤية المستقبل بإيمان وثقة ، لكن هذا الدور لا يعني غياب المساحة النقدية؛ فالمجتمعات التي تتقدم هي التي تمتلك ثقافة حوار تسمح بالأفكار المختلفة، لأن النقد البناء ليس خصماً للتنمية، بل أحد أدوات حمايتها. فالكاتب الوطني ليس من يغض الطرف عن التحديات، وإنما من يطرحها بدافع الإصلاح والبناء، وبأسلوب يحترم عقل القارئ ويدرك حجم المسؤولية التي تحملها الكلمة.
إنني أؤمن بأن المثقف في عصرنا لم يعد مجرد صاحب قلم، بل أصبح مسؤولاً عن جزء من مستقبل وطنه؛ لأن الأفكار التي تُزرع اليوم ستصبح وعياً وسلوكاً وقرارات في المستقبل. ولذلك فإن أعظم خدمة يمكن أن يقدمها الكاتب لوطنه هي أن يكون صادقاً في رؤيته، عميقاً في تحليله، وإنسانياً في خطابه.
فالأوطان لا تُبنى بالجهود المادية وحدها، وإنما تُبنى أيضاً بالعقول التي تفكر، والأقلام التي تنير الطريق، والنخب التي تدرك أن دورها الحقيقي ليس الوقوف خارج المشهد، بل الإسهام في صناعته. وعندما تتكامل إرادة القيادة مع وعي المجتمع ودور النخبة، يصبح البناء الوطني مشروعاً جماعياً تشارك فيه كل الطاقات من أجل حاضر أكثر استقراراً ومستقبل أكثر إشراقاً.

4. كيف ترى دور الأسرة والمدرسة معاً في غرس قيم المواطنة والانتماء لدى الجيل الجديد في ظل التحديات والعولمة الثقافية؟

أرى أن بناء المواطنة الحقيقية لا يبدأ من الكتب والمناهج فقط، ولا يتشكل من الشعارات وحدها، وإنما يبدأ من البيئة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الانتماء؛ وهي الأسرة، ثم تأتي المدرسة لتوسع هذا المعنى وتحوله من إحساس داخلي إلى وعي وسلوك وممارسة.
فالأسرة هي الوطن الأول الذي يتعرف فيه الطفل على مفاهيم الحب والمسؤولية والاحترام والعطاء. وفي البيت يتعلم الإنسان لأول مرة معنى أن يكون جزءاً من جماعة، وأن حقوقه ترتبط بواجباته، وأن وجوده لا يكتمل إلا بقدر ما يضيفه إلى من حوله. فإذا نشأ الطفل في أسرة تقدّر العمل، وتحترم النظام، وتشارك بإيجابية في المجتمع، فإنه يكتسب بصورة طبيعية بذور المواطنة قبل أن يسمع تعريفاتها في أي كتاب.
لكن الأسرة وحدها لا تستطيع أن تحمل هذه المهمة في عالم متغير بهذه السرعة؛ وهنا يأتي دور المدرسة باعتبارها المساحة التي ينتقل فيها الطفل من دائرة الأسرة الصغيرة إلى المجتمع الأوسع. فالمدرسة ليست مكاناً لتلقي المعلومات فقط، بل مؤسسة لبناء الشخصية، وتعليم قيم الحوار، واحترام الاختلاف، والعمل الجماعي، والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
وفي عصر العولمة الثقافية، لم تعد الهوية تواجه تحدياً من ثقافة واحدة، بل أصبحت الأجيال الجديدة تتعرض يومياً لكم هائل من الأفكار والقيم عبر الفضاء الرقمي. وهذا لا يعني أن نحاصر أبناءنا أو نعزلهم عن العالم، فالعزلة ليست حلاً، وإنما المطلوب هو بناء إنسان يمتلك وعياً يجعله منفتحاً على العالم دون أن يفقد جذوره.
فالهوية القوية لا تخشى التفاعل مع الثقافات الأخرى، لأنها لا تقوم على الانغلاق، وإنما على الثقة بالنفس. والجيل الذي يعرف تاريخ وطنه، ويحترم قيم مجتمعه، ويدرك مسؤولياته، سيكون أكثر قدرة على التعامل مع العالم من حوله دون أن يتحول إلى تابع أو يفقد خصوصيته.
وأعتقد أن الخطأ الذي يجب أن نتجنبه هو اختزال المواطنة في المناسبات والاحتفالات فقط؛ فالمواطنة ليست أغنية وطنية نرددها، ولا كلمة جميلة نقولها، وإنما سلوك يومي يظهر في احترام الإنسان للآخرين، والمحافظة على مقدرات وطنه، والإسهام في حل مشكلات مجتمعه، والقيام بدوره بإتقان وأمانة.
كما أن غرس الانتماء لا يكون من خلال تقديم الوطن بصورة مثالية منفصلة عن الواقع، بل من خلال تعليم الأبناء أن حب الوطن يعني أيضاً السعي إلى تطويره. فالإنسان الذي يحب وطنه لا يغلق عينيه عن التحديات، بل يعمل على تجاوزها، لأن الانتماء الحقيقي ليس إنكاراً للمشكلات، وإنما مسؤولية تجاه حلها.
إن التكامل بين الأسرة والمدرسة هو حجر الأساس في هذه المهمة؛ فالأسرة تمنح القيم جذورها العاطفية، والمدرسة تمنحها إطارها المعرفي والاجتماعي. وعندما تتحدث الأسرة عن الاحترام، وتمارسه، وعندما تعلم المدرسة المسؤولية، وتجسدها في بيئتها، يصبح الطفل أمام نموذج حي لا مجرد نصائح نظرية.
إن الجيل الجديد لا يحتاج فقط إلى أن نقول له: "أحب وطنك"، بل يحتاج إلى أن يفهم لماذا يحبه، وكيف يخدمه، وما الدور الذي يمكن أن يقوم به في مستقبله. فالمواطنة لا تُفرض على الإنسان، وإنما تُبنى داخله عندما يشعر أن الوطن ليس مجرد مكان يعيش فيه، بل قصة ينتمي إليها، ومسؤولية يشارك في صياغتها.
ومن هنا فإن أكبر استثمار يمكن أن تقدمه المجتمعات لنفسها هو أن تبني جيلاً يمتلك جذوراً راسخة وأجنحة واسعة؛ يعرف قيمته وهويته، وينفتح في الوقت ذاته على العالم بثقة ووعي. فهذا هو الإنسان القادر على أن يكون مواطناً صالحاً في وطنه، وشريكاً إيجابياً في عالمه.

5. التنمية الشاملة تتطلب وعياً مجتمعياً؛ ما هي أبرز المعوقات الفكرية التي ترى أنها تعطل مسيرة البناء المجتمعي وكيف نتغلب عليها؟

إن أصعب التحديات التي تواجه مسيرة البناء المجتمعي ليست دائماً تلك التي تظهر في صورة أزمات واضحة، وإنما تلك التي تختبئ داخل طريقة تفكير الإنسان نفسه؛ لأن المجتمعات لا تتقدم فقط بما تمتلكه من موارد وإمكانات، بل بما تحمله من أفكار وقيم ومواقف تجاه العمل والتغيير والمسؤولية.
فالتنمية الشاملة ليست عملية اقتصادية أو إدارية فقط، وإنما هي قبل ذلك عملية بناء وعي. وقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الدول لا تنهض بالقرارات والمشروعات وحدها، بل تحتاج إلى إنسان يؤمن بالتغيير، ويشارك فيه، ويدرك أن بناء الوطن ليس مسؤولية مؤسسة بعينها، وإنما مسؤولية جماعية يشترك فيها كل فرد بحسب موقعه ودوره.
ومن أبرز المعوقات الفكرية التي تعطل مسيرة البناء المجتمعي ثقافة الاتكال وانتظار الحلول من الآخرين؛ فحين يعتقد الإنسان أن دوره محدود، وأن التغيير مسؤولية جهة أخرى فقط، يفقد المجتمع جزءاً كبيراً من طاقته. فالأوطان لا تُبنى فقط بقرارات القيادة أو جهود المؤسسات، وإنما تبنى أيضاً بالمبادرات الفردية، وبإحساس كل مواطن بأنه شريك في صناعة المستقبل.
كما أن من التحديات المهمة ضعف ثقافة العمل والإنتاجية، عندما يُنظر إلى العمل باعتباره مجرد وسيلة للحصول على الدخل، وليس قيمة ورسالة ومساهمة في تقدم المجتمع. فالمجتمعات المتقدمة هي التي نجحت في ترسيخ مفهوم الإتقان، وجعلت جودة العمل جزءاً من هوية الإنسان، لا مجرد التزام وظيفي يؤديه تحت الرقابة ، ومن المعوقات أيضاً مقاومة التغيير والخوف من التجديد؛ فالإنسان بطبيعته يميل أحياناً إلى المألوف حتى لو لم يكن الأفضل، لأن التغيير يتطلب مواجهة الذات والخروج من مناطق الراحة. لكن التاريخ يؤكد أن المجتمعات التي رفضت التطور تراجعت، بينما المجتمعات التي امتلكت شجاعة التعلم وإعادة بناء نفسها استطاعت أن تصنع مكانها في المستقبل.
وهناك تحدٍ آخر لا يقل أهمية، وهو انتشار التفكير السطحي وسرعة الحكم على القضايا المعقدة، خصوصاً في ظل التدفق الهائل للمعلومات عبر المنصات الرقمية. فالمجتمع الواعي لا يبنى بكثرة المعلومات فقط، وإنما بقدرة الإنسان على التحليل، والتمييز بين الحقيقة والانطباع، وبين النقد المسؤول والانفعال العابر.
ولمواجهة هذه التحديات، فإن البداية تكون من الاستثمار في الإنسان؛ من تطوير التعليم ليبني العقل لا الذاكرة فقط، ومن تعزيز دور الأسرة في غرس قيم المسؤولية، ومن تمكين المؤسسات الثقافية والإعلامية من نشر خطاب يرتقي بالوعي العام. فالمعركة الحقيقية في عصرنا ليست فقط مع نقص الموارد، وإنما مع طريقة التفكير التي تحدد كيف نستخدم هذه الموارد ، كما نحتاج إلى الانتقال من ثقافة السؤال: "ماذا قدم لي المجتمع؟" إلى سؤال أكثر نضجاً: "ماذا أستطيع أن أقدم لمجتمعي؟". فهذا التحول في الوعي هو الذي ينقل الإنسان من موقع المتلقي إلى موقع الشريك، ومن الانتظار إلى المبادرة.
وأعتقد أن بناء الوعي المجتمعي لا يعني أن يصبح الجميع متفقين في كل شيء، فالتنوع والاختلاف مصدر قوة، وإنما يعني أن نختلف داخل إطار من الاحترام، وأن نضع المصلحة العامة فوق المصالح الضيقة، وأن ندرك أن نجاح الفرد لا ينفصل عن نجاح المجتمع الذي يعيش فيه.
إن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يتحول الإنسان من مجرد مستفيد من الوطن إلى مساهم في بنائه. فالمشروعات قد تصنع البنية التحتية، لكن الوعي هو الذي يصنع الحضارة. ولذلك فإن أعظم مشروع تنموي يمكن أن تقوم به أي أمة هو بناء عقل قادر على التفكير، وضمير قادر على تحمل المسؤولية، وإنسان يرى في تقدم وطنه امتداداً طبيعياً لتقدمه الشخصي.

.



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين هندسة الفكر ودفء الكلمة: فلسفة التوازن عند المفكر تامر ع ...
- مرآة الوعي والروح: إضاءات في فقه المشاعر ومسؤولية الإنسان عن ...
- جسور الوعي والأسرة: مقاربات فكرية في تماسك المجتمع عند المفك ...
- حراسة الذاكرة وإنصاف المهمشين: حوار خاص مع الباحثة والكاتبة ...
- شجون العامية وفلسفة الوجدان: حوار خاص مع الشاعر يس النحايفة
- دروب الإبداع بين شجون الواقع وعوالم السرد: حوار خاص مع الأدي ...
- حنان إسماعيل: رحلة بين رصانة البحث الأكاديمي وسحر الإبداع ال ...
- ترانيم في أقصى الجنوب: مسك الختام لرحلة الكلمة والوعي مع حسن ...
- عتبات الإبداع والاشتباك الثقافي: رحلة الإتلاتي بين منصات الن ...
- في محراب القصيدة وصومعة الرفض: مع حسني الإتلاتي حول شؤون الش ...
- صرخة الشاعر حسني الإتلاتي في وجه بيروقراطية الثقافة ومقايضات ...
- «حسني الإتلاتي: حارس التراث وجسر النبض بين الفصحى وفن الواو» ...
- «حسني الإتلاتي: من صقيع التهميش إلى دفء الإبداع.. جغرافيا ال ...
- عتبة الجنوب وصوت النهر: رحلة الإتلاتي والاستقرار في أسوان( 3 ...
- دروب الرؤيا ونقوش الروح: ملحمة الشعر والوجع الإنساني عند الإ ...
- بين تراب الإتلات ودفء الذاكرة: رحلة الشاعر حسني الإتلاتي من ...
- أجنحة الدعم والوفاء: الإتلاتي.. كيف صنع المعلمون وشريكة الحي ...
- صانع التاريخ من رماد الذاكرة: رحلة في عوالم الكاتب فكري فيصل ...
- مفترق الطرق بين التوثيق والتنوير: استكمال الرحلة في مختبر ال ...
- الدكتور يسري عبيد يقرأ المشهد الإيراني: استراتيجيات الردع ال ...


المزيد.....




- هل يجوب ملك الغابة السعودية مجددًا؟ المملكة تعلن خطة لإعادة ...
- تحول إلى كرة نارية ضخمة.. انفجار صاروخ صيني يحمل قمراً اصطنا ...
- حريق هويلفا في إسبانيا يهدد المنازل وإجلاء 800 شخص وسط جفاف ...
- خامنئي يعيد ترتيب القيادة العسكرية الإيرانية.. وترامب يطالب ...
- كازاخستان تعرض عفوا عن العملات المشفرة لإعادة مليارات الأصول ...
- -مواجهة واشنطن والإمساك بالداخل-.. خبراء يحللون تغييرات خامن ...
- صحيفة: ترامب غادر تركيا على متن رحلة سرية بسبب تهديد إيراني ...
- دراسة حديثة تحلّ لغز تجمّد الأرض لحوالي 56 مليون سنة
- حركة -السلام الآن-: إسرائيل تمضي نحو ضم غير معلن للضفة.. وسم ...
- الدفاع الروسية: اعتراض وتدمير 396 مسيرة أوكرانية خلال 12 ساع ...


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - ركائز الوطن ووعي البناء: قراءة في فلسفة التنمية والإنسان عند المفكر تامر عمار(3-5)