|
|
لماذا تُعد أطروحة الإقطاع التكنولوجي ماركسية؟
حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 00:13
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
ترجمةوإعداد:حازم كويي
يصف يانيس فاروفاكيس(*) القوة الطاغية التي تمارسها شركات التكنولوجيا الكبرى على اقتصادنا الحديث بأنها «الإقطاع التكنولوجي». ويوضح فاروفاكيس في مجلة جاكوبين أن هذا الوصف لا يمثل حكماً أخلاقياً، بل هو نقد ماركسي لديناميات تراكم رأس المال في عصرنا الحالي.
وكتب أنه :عندما صدر كتابي «الإقطاع التكنولوجي» عام 2023، لم أكن أتوقع أن يحظى بحماس أشخاص مثل ستيف بانون. لكنني كنت أتوقع بالفعل موجة من الانتقادات من جانب المفكرين الماركسيين، ولا سيما رداً على العنوان الفرعي الاستفزازي للكتاب «ما الذي قتل الرأسمالية». والآن جاء دوري لعرض الحجج الماركسية المؤيدة لفرضية الإقطاع التكنولوجي. فعلى الرغم من أن الكتاب كُتب لجمهور أوسع، فإن تصوره كان ماركسياً. كانت منهجية كارل ماركس تهدف إلى تجنب النقد الأخلاقي البحت لميل الرأسمالية إلى الظلم وتكوين الاحتكارات والفساد. وبدلاً من ذلك، درس ماركس الرأسمالية في أنقى صورها: باعتبارها نظاماً سوقياً فوضوياً تحركه قوة محددة هي رأس المال، الذي يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه وزيادته. وتتطلب عملية التراكم هذه تحويل كل شئ إلى سلعة، فضلاً عن صراع طبقي مرير حول فائض القيمة أو الفائض. وكل تحليل يدّعي مواصلة عمل ماركس، لا بد أن ينطلق بالطريقة نفسها. وأنا أرى اليوم أن تحوّلاً في طبيعة رأس المال اكتسب نفوذاً هائلاً على نحو غير مسبوق. وأطلق على هذا التحول اسم «رأس المال السحابي»: شبكة من الآلات المذهلة التي لا تنتج السلع، وإنما تولّد قوى هائلة لتحقيق الأرباح من خلال تفاعلها المباشر معنا، خارج نطاق ما يمكن أن نطلق عليه سوقاً بالمعنى التقليدي. وينبغي أن تكون دراسة هذا الشكل الجديد من رأس المال مهمة كل ماركسي وماركسية. وقبل أن نركز على رأس المال السحابي، من المهم إزالة ثلاثة مفاهيم خاطئة شائعة. أولاً: نحن لا نعود إلى الإقطاع. فالتاريخ لا يسير إلى الوراء. بل إننا، مدفوعين بتراكم رأس المال الجامح، نندفع بسرعة نحو نظام اجتماعي واقتصادي جديد تماماً. ووفقاً لفرضية الإقطاع التكنولوجي، أصبح رأس المال أكثر هيمنة من أي وقت مضى. فالثروة تنمو بشكل أُسّي، بفضل استثمارات هائلة في آلات ديناميكية، وليس في أصول ثابتة. وتُعد شركات ألفابت ومايكروسوفت وميتا وآبل رأسمالية شرسة بقدر ما كان إديسون وفورد كذلك، إن لم تكن أكثر. وبالتالي، فإن مصطلح «الإقطاع التكنولوجي» لا يشير إلى تراجع حرفي إلى الوراء، بل يستعير تشبيهاً بقوة استخراجية تُمارس خارج الأسواق التقليدية. ثانياً: الريوع ليست شيئاً جديداً في ظل الرأسمالية. فالرأسمالية لم توجد قط في صورتها الخالصة التي تصفها النظريات الاقتصادية السائدة. وكما يحتاج جسدنا إلى بقايا من الحمض النووي للثعابين، احتاجت الرأسمالية إلى بقايا من الإقطاع لكي تعمل. وقد حذّر ديفيد ريكاردو من أن الريع العقاري سيرتفع بشكل خطير، وهذا ما حدث بالفعل. وأظهر بول باران وبول سويزي أن فائض الاحتكار يمثل شكلاً من أشكال الريع. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، أضيفت إلى أشكال الريع القائمة أشكال هائلة من الريوع المالية نتيجة لعملية التمفصل المالي. وبالتالي، فإن مجرد ازدياد الريوع لا يقدم دليلاً على أن الرأسمالية تتحول إلى شئ آخر. ولكي يصبح مثل هذا الادعاء معقولاً، لا بد أيضاً من وجود مؤشرات على حدوث تغير نوعي في رأس المال نفسه. ثالثاً: البيانات ليست الأرض الجديدة. ومن يعتقد أن بياناتنا المسروقة أصبحت نوعاً من الملكية الإقطاعية الجديدة، إنما يمارس شكلاً من «فتشية البيانات» يتعين على الماركسيين والماركسيات رفضه. فـ«رأسمالية المراقبة» لا تمثل تغيراً نوعياً في النظام الرأسمالي، لأن أي تشريع يمنحنا حقوق ملكية على بياناتنا من شأنه أن يلغي أي ريع يتم استخراجه من جمعها سراً. وبالتالي، فإن الجِدّة الحقيقية تكمن في مكان آخر، وتحديداً في الطريقة التي يستخدم بها رأس المال السحابي البيانات لتغيير سلوكنا بشكل مباشر، ودفعنا إلى الخروج من أي شئ يشبه السوق الرأسمالية، ولو من بعيد. وباختصار، تتمحور فرضية الإقطاع التكنولوجي حول مفهوم رأس المال السحابي. ولكي نفهم جوهره، علينا أن ننطلق من تعريف ماركس للسلع باعتبارها سلعاً أو خدمات تُنتج من أجل التبادل في السوق، ومن تعريفه للسلع الرأسمالية باعتبارها «وسائل إنتاج مُنتَجة»، ومن تعريفه للأسواق باعتبارها مجالات لامركزية للتداول، تتحول فيها قيمة العمل إلى نقود، ويتحول فائض القيمة إلى أرباح وريوع وفوائد.
تعديل السلوك هل تُعدّ آلات غوغل وسائل إنتاج رأسمالية تقليدية أم رأس مال سحابياً؟ الجواب هو: يعتمد على الحالة! فإذا كانت غوغل تفرض عليك رسماً مقابل مشاهدة فيلم على يوتيوب، فهي تبيع سلعة. وفي هذه الحالة، تعمل آلاتها وتقنياتها كوسائل إنتاج مُنتَجة تقليدية. أما عندما تقدم لك آلات غوغل، مجاناً، نتيجة بحث أو إرشادات للوصول إلى مكان ما عبر خريطة، فإن هذه الآلات تعمل كرأس مال سحابي: إنها آلات قائمة على السحابة لا تنتج سلعاً، بل تدخل في علاقة معك بهدف التأثير في سلوكك. وهذا أمر جديد، فلم تكن الآلات قادرة، حتى وقت قريب، على القيام بذلك. كيف يغيّر رأس المال السحابي سلوكنا؟ من خلال إشراكنا في حوار شخصي متبادل وفي الوقت الفعلي. ولنأخذ أليكسا من أمازون مثالاً على ذلك. فالآلة تدربك، بمعنى ما: إذ يُفترض بك أن تدربها كي تتعرف هي على تفضيلاتك، وتقوم بالمهام نيابة عنك، وتقدم لك نصائح جيدة، وبالتالي تكسب ثقتك. ثم يأتي يوم تتعطل فيه آلة إعداد القهوة لديك، فتقترح عليك شراء طراز معين. وبسرعة، تنقر على «شراء». ماذا حدث للتو؟ لقد باعك رأس المال السحابي سلعة لم يشارك في إنتاجها، وحصل مالكه، جيف بيزوس، على ما يصل إلى 40 في المئة من سعرها باعتباره ريعاً سحابياً، وهو شكل من أشكال الريع المطلق. من الواضح أن هذه الآلات ليست وسائل إنتاج تقليدية بالمعنى الذي تحمله وسائل الإنتاج المُنتَجة. لقد تجاوزت الخط الفاصل وأصبحت ما أسميه، في مقابل وسائل الإنتاج المُنتَجة، «وسائل مُنتَجة لتعديل السلوك»، أو ببساطة رأس المال السحابي. ومن المثير للاهتمام أن رأس المال السحابي، بالمعنى التقني الماركسي، غير منتج، لأنه لا ينتج السلع، لكنه مع ذلك يتمتع بقوة هائلة. وتمتد قوته الاجتماعية إلى المستهلكين، وإلى العمال بأجر، وإلى المنتجين الرأسماليين التقليديين. وفي الوقت نفسه، يحل رأس المال السحابي محل الأسواق بشئ أسميه «الإقطاعيات السحابية» أو «الأملاك الإقطاعية السحابية»، ومن أمثلتها Amazon.com..
لماذا لا علاقة لـ Amazon.com بالسوق؟ لنتذكر غوسبلان، وزارة التخطيط السوفييتية. فقد كانت هذه الوزارة أيضاً تقدم نظاماً خوارزمياً موجهاً من أعلى، يجمع بين المشترين والبائعين. ومن الواضح أن ذلك لم يكن سوقاً، بل نقيضاً للسوق. وبالمثل، فإن أمازون نظام توزيع مخطط مركزياً. فلا يتفاعل أحد مع شخص آخر إلا إذا قامت الخوارزمية بالربط بينهما. وبما أن أمازون، خلافاً لغوسبلان، مملوكة للقطاع الخاص، فمن الأفضل فهمها باعتبارها إقطاعية سحابية، وليس سوقاً رأسمالية. ومثال آخر هو إنستاكارت. فالشركة تقدم «تحسيناً مثالياً للأسعار». ويحصل كل عميل على سعر فريد لا يمكن مقارنته بالأسعار الأخرى. وبذلك يصبح التنافس السعري مستحيلاً. ويتعاون تجار التجزئة والمنصات بطريقة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. وقد صُمم النظام بحيث يجعل السمات الأساسية لآلية السوق غير مرئية ويفككها. ومثال آخر هو أوبر. نعم، تبدو الشركة وكأنها وسيط احتكاري يعيد بيع قوة عمل السائقات والسائقين. لكن أوبر تتعقب أيضاً التزامات السائقين وديونهم: فهي تقدم لهم أجوراً أفضل وقروضاً لتحديث سياراتهم، ثم تخفض معدلات الأجور بمجرد أن يصبحوا «مرتبطين بها» ويعتمدون عليها. وتتبع شركة شيفت ميد النهج نفسه مع العاملين في مجال التمريض، إذ تعرض معدلات أجور أقل قبل وقت قصير من موعد استحقاق الإيجار. وهذا شكل من الاستبداد الخوارزمي خارج السوق، وليس سوق عمل رأسمالية تكون فيه الأجور، كما افترض ماركس، متناسبة مع قيم العمل للسلع الاستهلاكية التي تُشترى بهذه الأجور. وهنا نصل إلى استنتاج آخر يتعين على الماركسيين والماركسيات فهمه: للمرة الأولى، يساعد العمل المجاني شكلاً من أشكال رأس المال على تعزيز قوته، بهدف التأثير في سلوك الجميع بما يخدم مصالح مالكي رأس المال. وعلى خلاف رأس المال التقليدي، الذي كانت فيه قوة العمل تُستأجر فحسب، يسهم اليوم قدر هائل من العمل المجاني في تراكم رأس المال السحابي. فمع كل فيديو ننشره، وكل تقييم نقدمه، وكل كيلومتر نقطعه، وكل عملية شراء نجريها، نُنمّي رأس المال السحابي ونزيد في الوقت نفسه تكلفة خروجنا من الأنظمة المعنية. صحيح أنه يمكننا مغادرة أي منصة، لكن تكلفة الخروج ترتفع مع كل نقرة. وهنا تحجب الحرية الشكلية انعدام الحرية الفعلي. وهذا تشخيص ماركسي كلاسيكي، يُطبّق على عصر رأس المال السحابي. «لكن أليست المنصات تتنافس أيضاً بشراسة فيما بينها؟» هكذا يعترض كثيرون. «أليست صراعات القوة بينها دليلاً على منافسة سوقية لا تعرف الرحمة؟» لا، ليست كذلك. فالمنافسة السوقية تقوم على السعر والجودة، وتتطور في أسواق لامركزية. أما التنافس الاقتصادي، كما نراه اليوم في الصراعات بين تيك توك وإنستغرام، وأوبر وليفت، وغيرها، فهو لعبة محصلتها صفر، تتسم بطابع إقليمي، وتضع إقطاعية سحابية مركزية بالكامل في مواجهة إقطاعية أخرى. وعلى خلاف المنافسة السوقية بين شركات مثل تويوتا وجنرال موتورز، تتنافس المنصات على ربطنا بأنظمتها التجارية المركزية، وليس على تقديم أسعار أقل أو جودة أفضل لنا.
وماذا عن مستخدمي يوتيوب الناجحين والمؤثرين؟ إنهم يعملون بجد، وبعضهم يحقق دخلاً جيداً. أفليسوا رواد أعمال إذن؟ من وجهة النظر الماركسية، ليسوا كذلك. فعملهم لا ينتج قيمة تبادلية جديدة ولا رأس مال منتجاً، لأن رأس المال السحابي في حد ذاته غير منتج. إن عملهم لا ينتج سوى قيمة استعمالية، ويساعد على جذب المستخدمين غير المدفوعي الأجر، لكنه لا يخلق فائض قيمة. والمؤثرون، بهذا المعنى، ليسوا رأسماليين، بل بالأحرى طبقة متميزة من الأقنان السحابيين الذين يتقاضون أجوراً مرتفعة نسبياً، وأحياناً مرتفعة جداً، وهو ما يحجب الوضع الأساسي: معظمنا يعمل من دون أجر على زيادة القوة التي يمارسها رأس المال السحابي علينا. ولننتقل الآن إلى الاقتصاد الكلي. فقد أظهر ماركس أن نزوع الرأسمالية إلى التراكم يولّد دورات اقتصادية، وعلى المدى الطويل، يؤدي إلى انخفاض معدل الربح. وفي دراسة أكثر تفصيلاً، وسّعت تحليله ليشمل رأس المال السحابي، كما هو موضح في الملاحظة في نهاية هذا النص. واستناداً إلى تكييف ريتشارد غودوين لنموذج العلاقة بين الفريسة والمفترس، يوضح التحليل العلاقة الديناميكية بين القطاع الإنتاجي في الاقتصاد، حيث تُخلق القيمة بأكملها باستخدام رأس المال التقليدي والعمل المأجور، والقطاع التقني الإقطاعي، حيث تُستخلص الريوع السحابية. ويمكن التمييز هنا بين أربع مراحل. في البداية، ينمو القطاع التقني الإقطاعي على حساب القطاع الإنتاجي. وبمجرد أن يتجاوز استقطاع الريوع السحابية عتبة معينة، يبدأ رأس المال الإنتاجي من جديد في التراكم، وينمو القطاعان معاً. ثم تبدأ مرحلة ثالثة عندما يتجاوز معدل الربح عتبة أخرى: إذ يتراكم رأس المال السحابي بشكل مفرط، وتتراجع قدرته على استقطاع الريوع. وأخيراً، في المرحلة الرابعة، ينخفض كل من معدل الربح ومعدل استقطاع الريوع السحابية. وعلى المدى الطويل، ومع تراكم رأس المال السحابي وإزاحة العمل المأجور بصورة متزايدة بواسطة العمل غير المدفوع الأجر في القطاع التقني الإقطاعي، تنخفض العتبات نفسها، ويميل النظام إلى انهيار كل من معدلات الربح ومعدلات استقطاع الريوع السحابية. وهكذا تنقل فرضية الإقطاع التكنولوجي نظرية ماركس حول انخفاض معدل الربح إلى عالم رأس المال السحابي. وهذا يعزز أيضاً الأطروحة الماركسية القائلة إن الاشتراكية هي البديل الوحيد لفشل النظام وانهيار المجتمع.
ردود الفعل الرأسمالية (السحابية) على الأزمات منذ صدور كتاب «الإقطاع التكنولوجي»، تحوّل موضوع الذكاء الاصطناعي إلى هوس حقيقي. صحيح أن رأس المال السحابي لم يكن بحاجة إلى الذكاء الاصطناعي لكي يرسخ نفسه؛ فقد أُنشئت أولى الإقطاعيات السحابية بمساعدة خوارزميات قائمة على التعلم التعزيزي. لكن الذكاء الاصطناعي يعزز قوة رأس المال السحابي بشكل هائل. وسرعان ما ستعرفنا الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي معرفة كاملة، وستتحدث معنا كما يفعل البشر، وستنشئ تبعيات عاطفية. وعندئذ سيصبح الانتقال من منصة إلى أخرى انفصالاً مؤلماً، أشبه بالطلاق. وينشأ عن ذلك ما أسميه «علاقات اجتماعية مصطنعة»: علاقات نتفاعل فيها مع الآلات نفسها. كيف استجاب رأس المال في الماضي لتناقضاته التي كانت تتفاقم باستمرار؟ لقد حدد خلفاء ماركس ثلاثة أنماط من الاستجابة: رأس المال المالي، والإمبريالية، والأيديولوجيات التي تمنح النظام شرعية. ويمكننا أن نلاحظ الأمر نفسه اليوم:
1. التمويل السحابي: أدى اندماج رأس المال السحابي مع عالم المال التقليدي إلى نشوء حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين. وبفضل العملات المستقرة وما يسمى بقانون العبقرية الذي أقره ترامب، يستطيع التمويل السحابي عملياً خصخصة الدولار، ومنح شركات التكنولوجيا الكبرى صلاحيات وإمكانات كانت في السابق حكراً على البنوك المركزية.
2.الإمبريالية والحرب: إن أنظمة الاستهداف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، التي جلبت الموت على نطاق واسع إلى غزة، هي رأس المال السحابي نفسه الذي تبيعه، على سبيل المثال، شركتا بالانتير وأوراكل إلى هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية. فالإقطاع التكنولوجي هو أداة من أدوات الحرب الحديثة.
3.حكم أسياد التكنولوجيا: أيديولوجية جديدة تحل محل النيوليبرالية. فبينما كانت النيوليبرالية تؤلّه السوق، فإن «حكم أسياد التكنولوجيا» يؤلّه رأس المال السحابي، ويضفي مظهراً من الشرعية الفلسفية على استبدال العمل البشري بآلات تستخرج الريوع، في الوقت الذي يجري فيه دمج شركات التكنولوجيا الكبرى في مؤسسات الدولة، وتصبح البنوك المركزية خاضعة للتمويل السحابي. وهنا يكمن التناقض الجدلي المركزي: فكلما نجحت طبقة السحابة في تركيز جميع مجالات السلطة، الصناعة والمال والسياسة والثقافة وسلطة الدولة، بوتيرة أكبر، دفعتها هذه العملية بسرعة أكبر إلى خفض كل من معدلات الربح ومعدلات استقطاع الريوع السحابية. وهكذا يؤدي النجاح الخاص إلى فشل النظام.
لا تبرئة للرأسمالية يخشى بعض النقاد أنني، من خلال القول إن شيئاً أسوأ من الرأسمالية قد حلّ محلها، قد أبرئ الرأسمالية من مسؤوليتها، أو ألعب دوراً في خدمة الدعاية البرجوازية التي تدعو إلى العودة إلى رأسمالية أسطورية يُفترض أنها «نقية». لكن هذا التخوف لا أساس له. ففرضيتي راسخة في التقليد الماركسي. لقد كانت الرأسمالية دائماً شديدة اللاعقلانية. والإقطاع التكنولوجي ليس سوى تحول آخر داخل الرأسمالية نفسها: فقد نشأ لأن التحول الاشتراكي جرى منعه بوحشية. والاعتراف بذلك لا يعفي الرأسمالية من مسؤوليتها، بل يعزز ضرورة الاشتراكية. ولعل أهم إسهامات فرضية الإقطاع التكنولوجي أنها توضح كيف أصبح رأس المال الخاص غير متوافق ليس فقط مع الرفاه الاجتماعي، بل حتى مع الملكية الخاصة نفسها، باستثناء مجموعة صغيرة للغاية من أسياد التكنولوجيا. فرأس المال السحابي المدعوم بالذكاء الاصطناعي يقوم بتجميع عملنا وذكائنا وهويتنا، بل وحتى صورتنا السمعية والبصرية، في إطار جماعي. وتثبت الدولة البرجوازية عجزها عن تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى. وأصبحت الحجج الداعية إلى تأميم كل من رأس المال الإنتاجي ورأس المال السحابي، بل مخزون رأس المال بأكمله في المجتمع، أكثر إقناعاً من أي وقت مضى. عندما ننتقل الآن إلى نظرية التغيير، ينتقد بعض الماركسيين دعوتي إلى تشكيل جبهة موحدة تضم العاملات والعمال التقليديين، وبروليتاريا السحابة، أي عمال اقتصاد العمل المؤقت المدفوع الأجر، وأقنان السحابة، أي المستخدمين غير المدفوعي الأجر، وحتى الرأسماليين التابعين، أي الشركات الصغيرة التي تتعرض للضغط والسحق على أيدي الإقطاعيات السحابية. وبالطبع، يمكن الجدال حول ذلك. ومع ذلك، لطالما ناقش الماركسيون مسألة التحالفات، سواء مع الفلاحين أو حتى مع البرجوازية الصغيرة. ولا بد من مواصلة هذا النقاش داخل تقليدنا.
تلاعب بالألفاظ؟ أود أن أختم بسؤال دلالي ولغوي: هل ما زلنا نتحدث هنا عن الرأسمالية، أم يتعين علينا أن نطلق على كل هذا اسم الإقطاع التكنولوجي؟ أتفهم الشكوك والتحفظات. فقد قال لي اقتصادي ماركسي ذات مرة، بابتسامة مريرة، إنه لا يستطيع ولا يريد أن يتخلى عن فكرة أننا نحن البشر قد جئنا إلى هذا العالم لكي نسقط الرأسمالية. ثم سأل: «إذا كان رأس المال سيتمكن من تحقيق ذلك من دوننا، فما الغاية من وجودنا إذن؟» أستطيع تفهم ذلك. فقد نشأت أنا أيضاً على أمل أن تحظى اليسارية بامتياز إسقاط الرأسمالية. لكن هناك أيضاً سؤال روزا لوكسمبورغ القاطع: «الاشتراكية أم البربرية؟» فهذا السؤال يعبر عن أن الاشتراكية ليست حتمية، وأن البربرية تمثل بديلاً وإمكانية واقعية جداً. وفي زمن لوكسمبورغ، اتخذت البربرية شكل الفاشية. أما الفاشية اليوم فتستفيد من الإقطاع التكنولوجي ومن «أيديولوجية أسياد التكنولوجيا».
ما الذي تفعله الكلمات؟ في سبعينيات القرن الثامن عشر، كان آدم سميث يحتفي بالفعل بـ«مجتمع السوق»، رغم أن القطاع الإقطاعي في بريطانيا كان لا يزال أكبر من القطاع الرأسمالي. وفي أربعينيات القرن التاسع عشر، كان بإمكان كارل ماركس وفريدريش إنجلز، على سبيل المثال، أن يطلقا على العصر الجديد اسم «الإقطاع الصناعي». لكن تسمية «الرأسمالية» ساعدت أبناء القرن التاسع عشر على جعل التحول الذي كان يجري آنذاك أكثر قابلية للفهم والاستيعاب. يتمثل الخيار الآمن اليوم في افتراض أن تحولاً «سحابياً» يحدث داخل الرأسمالية. أما الخيار الأكثر إثارة للجدل، والذي أدافع عنه، فيتمثل في إدخال مصطلح جديد تماماً، مثل «الإقطاع التكنولوجي»، من أجل تحفيز مخيلتنا الجماعية. وكلا الخيارين مقبول ضمن التقليد الماركسي. ولا ينبغي لأي منهما أن يكون سبباً للخلاف بين الماركسيين والماركسيات. تعلمنا الجدلية أن الواقع يقوم على التناقضات. ففي زمن «التحول العظيم» الأول، كان المجتمع إقطاعياً ورأسمالياً في آن واحد. واليوم، هو رأسمالي وتقني إقطاعي في آن واحد. ويتمثل جوهر الجدلية الماركسية في إدراك هذا التعايش المحيّر، ورؤية إمكانية تجاوز التناقضات من خلال تحول اشتراكي. لذلك، علينا أولاً أن ندرك التناقض. وما إن نفعل ذلك، حتى تصبح الإمكانات التحررية بلا حدود.
يانيس فاروفاكيس(*): هو رئيس حزب ميرا25 ووزير المالية اليوناني السابق. ومن بين مؤلفاته كتاب «الإقطاع التكنولوجي: ما الذي قتل الرأسمالية؟»، وأحدث أعماله «ارفع روحك: سيرة شخصية للمقاومة».
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أكثر من مجرد مقرّ حزبي – لماذا ينبغي لنا أن نفكر إلى ما هو أ
...
-
ترامب يستخدم البيروقراطية لمصلحة الأثرياء، وممداني يسعى لتخف
...
-
خمسة أوهام تُبقينا أسرى الرأسمالية
-
استعمار التكنوقراط
-
من هم -حزب الصراصير- الشعبي في الهند، ولماذا يُنظم الاحتجاجا
...
-
كيف نظهر الرقي في طريقة تواصلنا؟
-
من يتقدم؟الولايات المتحدة أم الصين
-
سردية العِرق والطبقة في حوارات طرق الأبواب
-
بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال.الجزء الثاني
-
بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال
-
حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) – هل يستحق الحظر؟
-
التحول الداخلي في ألمانيا: صعود أيديولوجيا التسلح والحرب
-
نحو رؤية يسارية للذكاء الاصطناعي
-
تأريخ المنصة الألكترونية وتطور أشكال عملها
-
تاريخ موجز للجبهة الشعبية – دروس من الحكومة اليسارية الفرنسي
...
-
اليسار يفتقد إلى منظور عالمي بديل
-
الاحتجاجات تتصاعد ضد التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطن
...
-
كيف نكبح سلطة الشركات الرقمية العملاقة؟
-
عندما مالَ برج بيزا الإيطالي إلى اليسار
-
ستون عاماً على الثورة الثقافية الصينية: تاريخ تجربة فاشلة
المزيد.....
-
ألمانيا وأكثر من 30 دولة تندد بـ-عمليات إعدام المتظاهرين- في
...
-
The Architecture of Autonomy and the Mecca Pact
-
Unions and Militarism in Today’s Germany
-
The Best Human Rights Money Could Buy: The West, Western Sah
...
-
Marxism Leninism, RIP?
-
Latin America: The Great Laboratory — Part 2: Today
-
Paper Tiger: The Failure of America’s Trillion Dollar War Ma
...
-
D.C. Under Siege: One Year of Military Occupation
-
سلام تركيا مع حزب العمال الكردستاني.. تسوية تاريخية أم مأزق
...
-
من نزع السلاح إلى أوجلان.. ماذا يحسم قانون تركيا الجديد وماذ
...
المزيد.....
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
المزيد.....
|