أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (5)














المزيد.....

رسائل الى حنان في الزمن الصعب (5)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 11:50
المحور: الادب والفن
    


الصديقة حنان
تحية طيبة...
تلقيت اليوم رسالتك المؤرخة في السادس من أبريل 1993. كانت بطاقة جميلة، رسم عليها بحر وسفينة وشراع أبيض، ومعها كلمات قليلة اختصرت المسافة بين غرفتين؛ الأولى هناك، عند حافات البحر الأبيض المتوسط، والثانية هنا، حيث أجلس الآن لأكتب إليك.
وأرفقتِ مع البطاقة قصاصات من مقالاتي الأخيرة في الجريدة، وأشكرك كثيراً على هذه المتابعة التي تسعدني أكثر مما تتصورين.
ووصلتني اليوم أيضاً رسالة أخرى، لكنها كانت من محررة الجريدة. طرد بريدي صغير يحتوي على لوح شوكولاتة وبسكويت. لم تكن هدية منها، بل كانت ثمن مقالاتي الأسبوعية. ولأن إرسال النقود لم يكن ممكناً، فقد فضّلوا تحويل مكافأة النشر إلى شوكولاتة وبسكويت.
وعندما فتح موظف البريد الطرد ليتأكد من محتوياته، رأيته يبتسم. نظرت إليه مبتسماً أنا أيضاً، فأعطيته قطعة شوكولاتة وأخرى من البسكويت، ثم أخذت طردي الذي كان يزن كيلوغراماً ونصف الكيلو.
أخذت حصتي منه، وأعطيت إخوتي نصيبهم، وغداً سأوزع ما تبقى على تلاميذ الصف الأول، شعبة (أ). أما شعبة (ب)، فعليها أن تنتظر الطرد القادم، بعد شهر إن شاء الله.
هكذا أصبحت مكافآت النشر... شوكولاتة وبسكويت.
واليوم أيضاً أوفت أمي بوعدها، واشترت لي قميصاً جديداً هدية بمناسبة تسنمي منصب معاون مدير المدرسة، ووعدتني أن تشتري لي بنطالاً جديداً مع بداية العام الدراسي القادم.
وسمعتها، وهي تنظر إلى صورة أبي المعلقة على جدار غرفة الضيوف، تقول بصوت خافت:
"حسوني أصبح معاون مدير... لقد كبر حسوني."
وقبل أن أنسى...
حصتك من الشوكولاتة والبسكويت محفوظة عندي. سأضعها في درج مكتبي في المدرسة. وهناك تلميذة في الصف الرابع اسمها حنان، ستتناولها نيابة عنك، إلى أن يأتي يوم تأتين فيه لتأخذي حصتك بنفسك.
دمتِ لي، صغيرتي... نامي الان ستظل الرسالة مفتوحة..غدا صباحا نفطر ونسافر في رحلة قصيرة .

صباح الخير يا حنان
الساعة الآن السادسة صباحًا من يوم الخامس عشر من نيسان/أبريل 1993. استيقظتُ مبكرًا لأنني سأصطحبكِ معي في رحلة إلى مضارب بني حمدان، تلبيةً لدعوة لحضور زفاف أحد فرسان القبيلة. سنقطع نحو مئة كيلومتر شمال الخالص.
أحضرتُ لكِ فطورًا عراقيًا بسيطًا: قيمرًا طازجًا، وخبزًا حارًا، وكأسَي شاي. نتناوله معًا، ثم نقف عند شارع كركوك ننتظر سيارة تقلّنا إلى هناك.
أتعلمين؟ للقيمر عندي حكاية قديمة. عندما كنتُ ألتحق بوحدتي العسكرية في البصرة، كنت أصل مع الفجر، وأفطر عند بائعة قيمر اسمها سعاد. كانت سمراء بصراوية، وكانت أصابعي، وأنا أتناول الصحن منها، تسهو فتلامس أطراف أصابعها، وكأن المصادفة تتكرر كل مرة. كنت يومها في التاسعة عشرة من عمري؛ محاربًا ومراهقًا في آنٍ واحد.
كنت أحدث صديقي كريم في خندق القتال عنها، فيضحك ويقول: "نحن وجوه عابرة أمام البائعات، ومحظوظ من يراهن أكثر من مرة." وكنت بالفعل من المحظوظين.
ذات صباح سألتني عن اسمي، وفرحتُ بذلك فرحًا لا يناسب زمن الحرب.
وفي مساء اليوم نفسه تعرضنا لهجوم، وتمكنا من صده، لكن شظية أصابت ساقي. نُقلت إلى وحدة الميدان، ثم مُنحت إجازة شهر كامل. بقيت الشظايا في قدمي، لكنها لم تعد تؤلمني كثيرًا.
وحين عدت إلى وحدتي، مررت بها من جديد لأتناول فطور القيمر. نظرت إليّ نظرة عتاب، كأنها تقول: لماذا تأخرت؟ وضعت الصحن أمامي، وعادت أصابعها لتسهو نحوي كما اعتادت. عرفت من نظرتها أنها أدركت أنني كنت مصابًا، وأنني شُفيت. وعندما هممت بدفع نصف الدينار، رفضت أن تأخذه، وكأنها تقول بصمت: الحمد لله على سلامتك.
يا إلهي يا حنان... ما أغبى الرجل حين يحدث امرأة عن امرأة أخرى!
لكن ذلك كان قبل عشر سنوات، وهذا القيمر وحده هو الذي أعاد إليّ تلك الذكرى.
هيا... لقد توقفت لنا السيارة. سننطلق الآن إلى مضارب بني حمدان.
انظري إلى الطريق. نحن في قلب الربيع. حقول الحنطة والشعير تمتد من الخالص حتى مشارف الطوز، أو "الدوز" كما يسميها أهلنا. ما أجمل الأرض حين تكتسي بهذا الأخضر.
ها قد وصلنا. لم يبق سوى دقائق.
ربما يسألني أهلي: من معك؟ وماذا سأجيب؟ أظن أنهم لن ينتبهوا، وإن سألوا فسأكتفي بالابتسام.
لا تنظري إلى الساعة، فما زال وقت الغداء بعيدًا. كانت أمي تقول دائمًا: "القيمر لا يشبع... يسيح."
انظري كيف استقبلونا بحفاوة. لا أحد سأل عنك، وربما نسوا. لكن النسوة قد يسألن، لذلك لن نقترب من مجلسهن.
تعالي نجرب الدبكة العراقية. لا تضحكي، فأنا أيضًا لا أجيدها. هي مجرد خطوة إلى الأمام، وأخرى إلى الخلف، ثم نترك الباقي للموسيقى.
وربما سنأكل اليوم بأيدينا، فلا ملاعق ولا شوكات في مثل هذه الولائم. وإن لم تأكلي، فهذا ذنبك، فلن أشتري لك شيئًا في طريق العودة!
خذي هذه القطعة من اللحم، ضعيها داخل الخبزة... هكذا... أصبحت سندويشًا. بالهناء والشفاء.
بقي علينا واجب أخير؛ أن نقدم التهاني، ونضع هديتنا مع هدايا الآخرين. هنا تكون الهدية نقودًا تساعد العريس على بداية حياته الجديدة. لكل بلد عاداته الجميلة.
والآن يمكننا العودة.
أنا إلى غرفتي... وأنتِ إلى البحر الذي يعرفك ويحفظ خطاك.
وأعدكِ أن نبقى معًا دائمًا.
دمتِ لي.
المخلص
15 نيسان/أبريل 1993



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (4)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (3)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (2)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (1)
- هل تتغير جغرافية الصراع ؟
- مابعد المظلة الأمريكية
- حين توقفت الحرب .. ٨ اب ١٩٨٨
- المواطن الصالح .. عقد بين الدولة والإنسان
- الحرب الباردة الجديدة تقاطع مصالح لا تحالف حتمي
- الاستثمار الصناعي في العراق: فرص واعدة وتحديات مستمرة
- الخروج من عباءة النفط
- هل تتخلى أمريكا عن -الترامبية- بعد ترمب؟
- الذكاء الاصطناعي وسوق العمل بين الفرص والتهديد
- ابن خلدون... حين التقت الحكمة القديمة بعلم النفس الحديث كيف ...
- امن الشرق الأوسط بين تشظي الداخل ورهان الخارج
- طهران - واشنطن هدنة أم اتفاق ؟
- الامريكان في بيتي وصراع الحضارات
- الاردن بين التحالف والاستهداف
- ٢ اب ١٩٩٠ .. قرار غير وجه المن ...
- من يكتب ذاكرة الدولة العراقية ؟


المزيد.....




- الفنان المصري طارق الشيخ يعلن انفصاله رسميا عن زوجته بكلمات ...
- بوتين يبعث تحياته إلى الرئيس الكوبي.. وروسيا ضيف شرف معرض ها ...
- بوتين: المجمع الثقافي في فلاديفوستوك سيصبح مركز جذب
- خلال لقائه بوتين.. نحات من بورياتيا يطرح مبادرة لدعم الفناني ...
- عشر حقائق عن الساماور الروسي… من أداة منزلية إلى رمز للتراث ...
- لماذا يعود الشباب الروس إلى الموسيقى الشعبية في احتفالاتهم؟ ...
- مدينة كيريلوف تستلم لقب عاصمة -القلادة الفضية الروسية- في عي ...
- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (5)