أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فطنة بن ضالي - ديوان سفر البوعزيزي للشاعر نصر سامي بين الواقع والرمز















المزيد.....

ديوان سفر البوعزيزي للشاعر نصر سامي بين الواقع والرمز


فطنة بن ضالي
كاتبة، شاعرة

(Fatna Bendali)


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 21:08
المحور: الادب والفن
    


يتكون ديوان "سفر البوعزيزي" للشاعر الفنان التونسي نصر سامي من ثمان وثلاثين قصيدة، إضافة إلى ملاحظات ومدخل وسيرة ذاتية للشاعر، والإهداء، حيث أهداه الشاعر إلى روح محمد البوعزيزي1، مفجر الثورة التونسية، وإلى والدي الشاعر.
ومادام الإهداء رسالة خاصة خارجة عن النص الإبداعي مقصودة وموجهة إلى المهدى إليه وإلى القراء، فإنها ذات أهمية كبرى من حيث دلالتها و مقصديتها، ولذلك يعتبر الإهداء نصا موازيا بعد العنوان وهو نص يتصل بالنص الإبداعي تمام الا تصال، ويلعب دورا هاما في توجيه القراءة والتأويل للنص الإبداعي. وانطلاقا من: "أن مقصدية المؤلف في رسالة الإهداء تتجه غالبا ولو بدرجات متفاوتة إلى تبرير المهدى إليه بعلاقة مناسبة تجمعه بالعمل المرفوع إليه… وقد يكون التبرير متصلا بإعلان التماثل بين الموضوع والمهدى إليه في أفق إسناد دور النموذج إلى شخصية هذا الأخير". فإن العلاقة بين شخصية البوعزيزي وبين الديوان تتجلى في كون روح البوعزيزي تحل في القصائد الإبداعية وصوته حاضر باعتباره رمزا للثورة التونسية. يقول الشاعر في قصيدة "بوراق" على لسانه:
كن للياسمينة وهي تنبت وحدها / وتهز غيمتها الطرية نحو شرفتها لتدفع في دمي أسرارها /(…) /. خدني بعيدا كي أرى شجري الذي كسروه ينبت مرة أخرى هنا/ يسقيه دم الشهيد/. /(…)/ ولي رفاق لم يموتوا بعد يرونني ضوءا/ وأحسدهم على أضوائهم أنا في غد طير وأجنحة القصيد/ (…)/ رؤياي أكبر من حقيقتي البسيطة / (…)/ مت حقا كي أرى صوتي يمهد الثورات للأحياء3.
يُعد ديوان سفر البوعزيزي تجربةً متأصلة في الأدب العربي المعاصر بصفة عامة، وفي الأدب المغاربي المعاصر بصفة خاصة، فهو يضم جملة نصوص هي على الإيقاع الخارجي والشكل متنوعة ؛ ما بين قصائد التفعيلة وقصائد مختلطة بين الأسطر والفقرات ، وقصائد نثر، ترجع من حيث الزمن والحدث إلى ما قبل الثورة، وإلى إبانها، وإلى ما بعدها، وقد أعلن الشاعر عن ذلك في المدخل، إذ يستنطق الحدث الشعبي العميق؛ الذي هو الثورة التونسية؛ ومَثّل فعل البوعزيزي (حرق نفسه) نقطة تحول فيها على مستوى الواقع، ومن حرارة الحدث ونبضه وتحركه، انبثقت مواكبته على مستوى الكتابة زمنا ممتدا، له حمولات ودلالات كثيرة.
لقد كان فعل البوعزيزي النقطة التي (أفاضت الكأس) نقطة الانعطاف والتحول التي حركت كل شيء في تونس، وخلقت على مستوى الإبداع سِفْرا ناتجا عن سَفَر في فضاء الإبداع الشعري، فبين السفر الواقعي والرمزي يتجلى الإبداع في عمق الدلالات والصور والإيحاءات. ذلك أن علاقة الرحيل والسفر بالإبداع على المستوى الرمزي متبادلة.
يبدأ الديوان بقصيدة "تذكرتُ البداية"، ومن خلال هذه الذكرى يستحضر الشاعر أزمنة الإبداع على مستوى التعبير والتجارب الإنسانية، وتتوالى النصوص الإبداعية مزاوجة بين استحضار ماض شعري، واستشراف إلى مستقبل مغاير عبر الواقع المعيش؛ حسب ترتيب محكوم بالزمن النفسي للشاعر، إذ يهدف الشاعر إلى خلق مفهوم جديد للشعر؛ بالبحث عن كيفية تطويع اللغة لتحمل الدلالات، وتحتوي حالات الإنسان؛ من غضب، وقلق، ومرارة بواسطة الرمز مادام الواقع محَمَّلا بالإخفاق... ولذلك عبّر الديوان عن الثورة وعن قلق ما بعد الثورة، بين الأمل والإخفاق يقول الشاعر في قصيدة " الخطاب الأخير لمحمد البوعزيزي:
لا لا لم تمت/ ستظل حيا هنا/ في الأرض نجما ساكنا/ في أمنيات الطيبين/ ومن رمادك سوف يولد ألف ضوء4.
إنه الأمل في التغيير الذي يَعقُب كل ثورة إلى أحسن الأحوال والظروف على مستوى الواقع، في أفق التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويمضي الشاعر في التشبث بالأمل والتغيير من حال إلى حال، يقول في قصيدة "ثورة الأحرار":
حدّدتُم شكل الصباح،
فلم يَعُد للصبح ذاك اللون،
ذاك الأسود،
وجعلتم هذه البلاد قصيدة
في كل قلب ثائر
تتجدد.
وذلك حين يجمع الأمل في الصباح المشرق الذي يبدد الظلم والسواد على يد الثوار بإشاعة النور المتجدد، وإشراقات إبداع القصيدة، في كل حين وآن. مباركا الحدث الثوري في الخروج إلى نور الحرية، والانعتاق من واقع مرفوض، إلى العيش الكريم، في سماء المجد والعزة. يقول:
ذاك شعبي الحر،
ذاك التونسي،
ملهم الثورات،
بانيها ومسرى كل ضوء
…عش كريما، عش عزيزا،
مثل برق في سماء5.
هذه الحركية بين الحلم والحقيقة ذهابا وإيابا في القصيدة تلو القصيدة، معلنة ثورة الإبداع تبعا لثورة الواقع، تجعل الشاعر يزاوج بين الرؤية والرؤيا، بين الواقع والحلم، في عالمه الرمزي، فتعلن القصيدة عن هذا كله، فقد تصور الانتكاس والإخفاق... كما يقول في قصيدة "لدينا حلم":
زمن القداسات القديم يمر كالأضغاث بي،
لكني في ظلمة الأكوان مقطوع اليد.
هذه معلقتي، أموت هنا وقافيتي معي،
هذه معلقتي، أموت هنا وذاكرتي معي،
هذه معلقتي، أموت هنا وفي دمي لغتي (…)
هذه معلقتي، نعم، وأمري ليس بيدي6.
ويظل التعبير عن المعاناة بكل أشكالها وأشكاله ملازما للشاعر في الديوان، هكذا، يستلهم الشاعر نفَس الثوار على مستوى الواقع وعلى مستوى الإبداع، فكما استلهم نفس أبي القاسم الشابّي في إرادة الحياة في عتبة نصية في قصيدة بعنوان؛ معلقة القصبة التي يقول فيها:
" إلى جميع ممثلي الشعب الواقفين بالقصبة، وإلى الشعب التونسي الذي أراد الحياة."
يستلهم كذلك نفس شاعر القضية الفلسطينية محمود درويش، ويهدي إليه قصيدة بعنوان " فوضى على باب القيامة؛ يقول:
أفكر في غدي
وأنا عليم بأن الشعر منذور لهذا
(...) ولم ندرك،
وطين الخلق نيءٌ على الأجساد
أن الكون فوضى على باب القيامة
أي جدوى،
وسهمي خاب مرات،
ولم يعرف نفاذا
إلى سري.7
وبهذا، فقد اسلتهم الشاعر أصواتا أخرى لشعراء آخرين، تلك الأصوات التي تجمعت وكونت صوت الشاعر نصر سامي رابطا الفعل الثوري والتعبير عنه بالتغيير على جميع المستويات، لأن الذات المبدعة تصنع عالمها من تراكم معرفي وثقافي واجتماعي وذاتي نفسي. وهكذا، فكل أديب محكوم بجدلية التأثير والتأثر بالواقع الاجتماعي وهو بهذا يعبر عن الذات الفردية والجماعية وعن وعيها، كما يقول محمود درويش في جداريته:
((و كلما فتشت عن نفسي / وجدت الآخرين
لأن التعبير عن الثورة في جميع مناحي الحياة ارتبط بالتعبير عنها على مستوى الإبداع مرورا بتجارب الشعراء الثوار والمجددين، في جميع العصور واستحضار معاناتهم مثل أبي تمام، والمعري، … السياب درويش …الخ، لأن قضايا المعرفة والفكر متصلة أعمق الاتصال بالحياة وبعلاقات التفاعل بين الأفراد والمجتمعات.
كما يتمثل ديوان سفر البوعزيزي الديني بشكل قوي جدا في عناوين بعض القصائد مثل البراق، اسماعيل، المدثر، مسيح الليل، …الخ. و الرموز و الأساطير العالمية و أبطالها مثل؛ آخيل ، جلجاميش، وطائر الفينيق ..الخ . لأن الأدباء والشعراء يستمدون موادهم وأشكال ما يحتاجون من الخبرات الإنسانية المتراكمة عبر القرون في مجالات شتى منها الديني، والأسطورة والميتافيزيقا والتصوف.
ويختم الديوان ب "قصيدة شرفة في القاع "، مستدعيا فيها عتبة نصية لبدر شاكر السياب و"بويب" نهر الموت والضياع والحياة والحلم الجميل، فقد توحد والسياب في المعاناة والخلاص، يقول الشاعر نصر سامي:
لا بويب هنا يجري
…وذاكرتي ،
لم تغادر بعد منبعها الضئيل.
وأكتب،
لا لأفرح بالصباح
ولا بغابته الضليلة
وأكتب،
لا لأفتح للرياح بأحرفي وطنا بديلا.
ومن هذا الاعتبار فإن الشاعر نصر سامي يريد " أن ينشئ كائنا نصيا قادرا على التهام كل شيء"8، قادرا على الاستفادة من مكونات وتقنيات النوعين الأدبيين، محطما الحدود والقواعد، حرا طليقا في التعبير عن معاناته ومعانيه بشكل يرضاه، غير مقيد بقواعد الشكل الصارمة، لأن الشاعر راكم على مستوى التجربة ما يحقق له ذلك.
على العموم، إن قارئ ديوان سفر البوعزيزي ليجده يعبر عن تجذر الشاعر في عمق الثقافة العربية الرصينة بكل عصورها، وعن تمثله للثقافة الكونية، مستكنها روح الحضارة الإنسانية، معبرا في شعره عن مواقفه في انسجام تام وعصره مضمونا وشكلا، بفنية ومقدرة فائقة.
وأخيرا، أقول مع صاحب كتاب قضايا الشعر الحديث: "ولا شك أن الحداثة في الشعر مطلب فني، ومطلب قومي معا، ولا أتصور أن عربيا يريد تحريك السواكن في أمته يقف موقفا سلبيا من تحريك سواكن الشعر العربي، وربطه ربطا كاملا بالعصر.9 " كما ربط الشاعر بين الهدفين معا.
الهوامش
1 - محمد البوعزيزي شاب تونسي ولد في 29مارس 1984، بمدينة سيدي بوزيد، بأسرة تتكون من سبعة أفراد، اضرم النار في نفسه يوم 17 ديسمبر 2010، أمام مقر الولاية، احتجاجا على مصادرة عربيته التي يبيع عليها الخضر والفواكه، توفي على اثر ذلك 2011، فأشعل شرارة الثورة التونسية، وثورات الربيع العربي.
2- الخطاب الموازي للقصيدة العربية ، ص 49.
3 - سفر البوعزيزي، دار ميارة للنشر، القيروان تونس، 2018، ص 120-122.
4- سفر البوعزيزي، ص 124.
5- سفر البوعزيزي، ص115.
6- سفر البوعزيزي، ص 45-46.
7- سفر البوعزيزي، ص 54-55.
8- سفر البوعزيزي، ص 18.
9- جهاد فاضل، قضايا الشعر الحديث، دار الشروق، ط1، المقدمة، ص9.



#فطنة_بن_ضالي (هاشتاغ)       Fatna_Bendali#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديوان في حياة أخرى للشاعرة دليلة حياوي ( المدينة والشعر)
- ديوان -في حياة أخرى- للشاعرة دليلة حياوي ( الوطن والانتماء)
- الدلالة والصورة في قصيدة العكاز للدكتور جمال مرسي
- قصيدتي .. زهرة برية بين السرد والشعر
- ترنيمة الفراق للشاعر حسان محمد الشناوي
- أغنيتان من أجل الوطن
- مدينة العشق مراكش
- ديوان فن الملحون 2
- ديوان فن الملحون
- أنا ألأطلسي
- موت ينتظرعلى قارعة الوطن
- غزة الشهداء
- أرض وعهد
- بردا وسلاما يا وطني
- بنية الخطاب السردي والخطاب الشعري في الرواية العربية (3)
- بنية الخطاب السردي والخطاب الشعري في الرواية العربية (2)
- بنية الخطاب السردي والخطاب الشعري في الرواية العربية (1)
- - الرمزية واللون في التراث الأمازيغي - بقصر البديع
- كل الألوان فيك عابثة
- الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي


المزيد.....




- عشر حقائق عن الساماور الروسي… من أداة منزلية إلى رمز للتراث ...
- لماذا يعود الشباب الروس إلى الموسيقى الشعبية في احتفالاتهم؟ ...
- مدينة كيريلوف تستلم لقب عاصمة -القلادة الفضية الروسية- في عي ...
- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فطنة بن ضالي - ديوان سفر البوعزيزي للشاعر نصر سامي بين الواقع والرمز