فطنة بن ضالي
كاتبة، شاعرة
(Fatna Bendali)
الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 02:47
المحور:
الادب والفن
2- المدينة بين الواقع والتحول في حياة أخرى
يتسم حضورالمدينة في نصوص ديوان "في حياة أخرى " بسمتين اثنتين :
- تصالح الشاعرة مع المدينة.
- الحضور المكثف للمدينة المغربية.
ينم شعر دليلة حياوي عن تصالح الشاعرة مع المدينة ، إذ لا نجد التعارض بين القرية والمدينة عندها كما هو شأن بعض الشعراء الحداثيين الرواد؛ لأن الشاعرة انتقلت من مدينة هي عاصمة حضارة إلى أخرى غربية عريقة في الحضارة الإنسانية، مع اختلاف يفرضه الواقع بين حضارتين ومجتمعين . ولذلك تحضر المدينة في الديوان بشكل مكثف إما معبر عنها بشكل صريح : مراكش، فاس (حاضرة آل مرين)، تطوان، أو مرموز إليها "بلاد الروم"، "موظفة البلدية" وهي تعني هنا- بلدية الحي الذي تقطنه بايطاليا - في مدينة روما ، إلا أن وجود المدينة الغربية في الديوان باهت جدا. ذلك أن "المدينة الشعرية ليست هي بعينها المدينة الواقعية بطبيعة الحال، فكل شاعر يصنع مدينته، ومدينته تعيش داخله، وعلى ذلك قد تتولد المدينة الموحشة شعريا في مدينة حافلة في الواقع، على العكس قد تتولد المدينة الشعرية المتلألئة بالأضواء من مدينة أطفئت أضواؤها في واقع الحال ". من هذا المنطق تتلألأ أضواء المدينة المغربية في الديوان حيث تفصح الشاعرة عن شوقها لمسقط رأسها، مدينة مراكش في أكثر من موضع، وهي المدينة التي يتغلغل حبها في أعماقها بحمولة تاريخها الحضاري، وكذلك حواضر مغربية لها نفس الإنجذاب ونفس القيمة التي تجعل الشاعرة تراها في نفسها، وتظل تشتاق إليها:
ولحاضرة آل مرين / شوق / وصبو/ ورنو/ وانجذاب/ بظهرانيها شُج قلب/ قد ثوى زهره بدفي كتاب.
ويدخل هذا الشوق والحنين عند الشعراء إلى مدنهم في الشوق والحنين إلى الوطن بصفة عامة، حيث " يغطي موقف الشاعر العربي المعاصر من "المدينة" مساحة واسعة في مجال رؤيته، مما يبلغ بهذا الموقف أحيانا حد التناقض، ففي جانب تقف المدينة الطاهرة " النقية" المعشوقة التي تكاد تكون مبرأة من العيوب، وفي جانب آخر تقف المدينة المزيفة، القاسية المشوهة. ومن خلال هذين الموقفين المتباعدين تنبثق المدينة الرمز التي تجسد بصفاتها معنى شاملا يومئ في بعض الأحيان إلى الحياة ذاتها ".
ولكن الشاعرة رغم حنينها وشوقها لهذه المدينة تعتب عليها:
اشهد يا صاحبي التي / أفرشتني حجرها وسقتني بالنهد/ وعلى غرة لفظتني بظلمات . في سالف العقد.
مدينة الشاعرة مدينة عريقة في جذور التاريخ، ضاربة في الحضارة، لكنها عاقة لم تخلص في حب الشاعرة، وغضبها منها ومن رجالاتها بقدر حبها لها، فمدينتها تمثل "الفردوس المفقود" بالنسبة لها، يحدوها فيها الأمل بين الحقيقة والخيال، إذ المدينة الأم هي أهلها الحقيقيين والرمزيين اللذين استأثروا بإحساس الشاعرة.
وهنا، تبدو المفارقة بين افتخار الشاعرة بانتمائها لمدينتها وبين العتاب المتكرر في غير ما موضع في الديوان وغضبها منها ومن رموزها، تقول:
أكتبي أن رجال مراكش خانوني / وأنهم لثاني مرة في عقد باعوني .
وبين أمل تغيير الواقع المحتوم، حيث تفجره بأسلوب وبصورة مجازية شديدة الوقع في النفس "باعوني" وكأن الجملة هنا، استنكار وخلق لعلاقة أخرى محمومة الأشواق للمدينة على مستوى الواقع والخيال معا. والمقصود هنا برجال مراكش أئمته السبعة -كما أشارت في الهامش -" يوسف بن علي، والقاضي عياض، وأبو العباس السبتي، وابن سليمان الجزولي (الشاذلي)، وعبد العزيز التباع، و أبوعبد الله الغزواني، والإمام السهيلي. "، وهم أئمة العلم والتصوف، رموز، يشار إلى مراكش بهم . ونظرا للعلاقة الروحية بين الشاعرة ورموز المدينة، فهي تشير إلى الاعتقاد السائد في كرامات أقطاب التصوف؛ الرجال السبعة، وهي فكرة روحية صوفية، تشبعت بها الشاعرة من معرفتها بتاريخ المدينة الذي ظلت مهووسة به، حتى وهي بالغربة يغمر وجدانها هذا الروحي الذي يحقق لشخصها التوازن الذاتي في مقابل مادية المدينة الغربية.
وهكذا، " وقد عبر الشعر المعاصر عن بعض مشكلات " الحاضرة"، وأبدى حيالها من الخوف والدهشة، والغضب، والحزن، والوحشة، وخيبة الأمل ما أبدى، وحاول أن يحدد مدينته، بالدفاع عنها في ماضيها وحاضرها أحيانا، وبإنكارها أحيانا، وبالوقوع في أسرها، أو التجول في دروبها أحيانا، ولكن الطريق أمام الشاعر المعاصر لا يزال طويلا لكي يصل إلى تحويل المدينة إلى رمز شعري كامل ، يكون بديلا عن الواقع، ووعاء فعالا" تتزامن داخله قيم الماضي، ومعطيات الحاضر، و"خيالات" المستقبل". ولعل الشاعرة دليلة حياوي حاولت أن تستحضر مدينتها الواقعية ، حالمة تحويل أفقها إلى مدينة رمزية تتآلف فيها القيم الإنسانية والحضارية بكل مستوياتها ومعانيها.
ولقد بات حديث الشاعرة عن المدن المغربية وثيق الصلة بوجدانها وإحساسها تجاه كل مدينة حضرت في الديوان بشكل من الأشكال؛ (قالوا أحببت فاس) و(ولطالما قلت تطوان أم)، هذا التعلق بالمدينة مسقط الرأس مراكش والمحبة لكل مدينة، هو جزء لا يتجزأ من حب الوطن الذي تغنت بمدنه، وبالخصوص بمراكش، إذ لم يخل ذكرها من الإشارة إلى رجالها السبعة. ويمكن أن نقول فيها كما قال جابر عصفور في انطلاق شعر صلاح عبد الصبور" من وعي مديني محدث هو الذي جعله يرى المدينة في نفسه ويرى نفسه في المدينة" حيث أصبحت المدينة عند الشاعرة مرتبطة بوجودها الرمزي فهي مجال للتأمل في الذات وفي الهوية والوجود، "وليست ملاذا روحيا للفرار من وطأة مدينة بلا قلب ". ولم تعتن الشاعرة في ديوانها بالمقارنة بين المدينة المغربية والغربية، كما لم تصور تناقضات المدينة، وإنما تَصَورها للمدينة يستحضرها كمفهوم وموضوع حضاري ينبذ التخلف والتفرقة ويتطلع إلى تصور جديد للمجتمع والإنسان والكون.
3- الشعر و الشاعرة "في حياة أخرى"
تتوق الشاعرة إلى رؤية للشعر مغايرة تماما، نظرا لإحساسها العميق بالعيش حياة أخرى في مجال مختلف يستدعي التحول، ويغني التجربة الإبداعية، وتجدر الإشارة إلى أن الكتابة في تجربة دليلة حياوي غواية موسومة ب:
- سعة الطلاع المعرفي على الموروث الثقافي المغربي.
- ومعرفتها بأكثر من لغة زيادة على العربية؛ الفرنسية والانجليزية والإيطالية مما عزز باب المثاقفة.
وهي على مستوى التجريب وسعت دائرة النوع الأدبي في إبداعها، فقد كتبت السرد (السير ذاتي)، والشعر، والمسرحية، مؤمنة في كل ذلك بالإنسان وبقضاياه الإنسانية في كل مكان. والديوان حافل بتفاعلها مع الشعراء والأصدقاء في ردود مهمة تطرح فيها الذات المبدعة أسئلة وقضايا في علاقة الإنسان بالإنسان والمجتمع ناشدة العدل والمساواة باحثة عن معنى الوجود الحقيقي للإنسان الحر في المجتمع. فالكتابة بالنسبة إليها حرب مقدسة:
!فأعلني حربك المقدسة/ وفتوحاتها شني
حرب ضروس بمعاناتها وآثارها النفسية، تجابه فيها المبدعة / الشاعرة اللغة في كل مستوياتها وحمولات معاني ودلالات مفرداتها ومعجمها وتراكيبها، في صورها الأدبية، إلى أن تعانق الحلم بالولادة والإبداع في شكله الذي ترضاه له، محققه عالمها المتميز على مستوى التركيب والدلالة مخلصة للإبداع ومقوماته النوعية:
ليتك ما نظمت / وما كبلني إليك مجد وأوزان.
وكأن الشاعرة خيرت بين النظم وما تجد فيه من فسحة المساحة وبين أن تذعن لفكر معين وقيود يضعها المجتمع، قيود لا تمت بصلة لا للحرية ولا للوجود الحقيقي للإنسان، وما القيود التي ترضى بها إلا قيود الإبداع وقواعده وعالمه المزهر.
أفي الكتم أمضي؟/ أم للعالم أشهر/ شغفي بك / أنازله/ أم جذوته أنصر؟؟.
ويظل صوت الذات الشاعرة قوي الحضور في الديوان متميزا بالجرأة في التعبير والاختيار على مستوى اللغة والفكر والإقبال على المجهول، إذ تبدو الذات متسائلة تبحر في المجهول، تشق طريقها بثبات، مقتحمة الحياة المغايرة، مجسدة أحزانها وآلامها وآمالها في شتى الصور؛ الأم الواعية باختلاف الأجيال:
ترفق أيها الصبي / يا مضغة قدت / من أضلعي/ يا بسمي/ يا وجعي.
والمبدعة الشاعرة والمثقفة المعبرة عن مواقفها من قضايا الإنسانية، وقضايا الوطن الاجتماعية والسياسية تقول في نتائج الانتخابات في المغرب:
اصطفيت الورد مدادا.. / لخواطر كتاب.
معلنة عن مشاركتها وموقفها، وأمام هذا الواقع والرؤية الجديدة التي تفرض نفسها على الشاعرة، فإنها تعتمد على الإيقاع في التعبير عن معانيها وانفعالاتها في النظم. والإيقاع أكبر من الوزن والقافية، فهو "حركة تعتمد على المعنى أكثر مما تعتمد على الصورة التجريدية للوزن، وعلى الإحساس أكثر مما تعتمد على الانتظام الآلي للقوافي "، من ثَم تحرص الشاعرة على التنغيم الواضح في الأسطر، رغم اختلافه من قصيدة إلى أخرى حسب المواقف الشعورية ودرجات الانفعال، فهو يبدو قويا في الديوان تجد مثلا:
لولا المحبة ما نبض وجدان / وفاض موج واستسقت شطآن/. ولا شدا طير بنغم ولا مالت أفنان.
هذا التوافق في الوزن بين الصوت في (وجدان وشطآن وأفنان) أكسب قصيدة "أخوة " جرسا قويا يستميل المتلقي .
و الإيقاع يقوم على عنصرين أساسيين هما : التكرار والتوقع وهما عنصران يكمل أحدهما الآخر- كما يقول جابر عصفور -، ففي التكرار تكتسب الكلمة ظلا جديدا في السياق وأبعادا جديدة في الصوت والمعنى على حد سواء.
إذ نجد في قولها: يا مضغة قدت / من أضلعي / يا بسمي/ ويا وجعي.
تكراريا النداء المتبوعة باسم منادى مع إضافة ياء النسبة، حيث يتكرر التركيب بنفس المقولات يعطي للسطر الشعري إيقاعا قويا يدل على معاناة الشاعرة، وتدفق إحساساتها الحرى تجاه فلذة الكبد.
وإذا كان التكرار بمثابة استجابة النفس إلى نمط معين، فإن تنويعه بين إشباع توقع القارئ وعدم إشباعه، تبعا لتغيير مواقف الشاعر وإحساساته وانفعالاته، يجعل كل قصيدة تتميز عن أخرى من حيث الإيقاع مما يطبعها بطابعها الخاص، وقد تتوق نفس القارئ إلى التغيير والتنوع، كما في قول الشاعرة:
قد أكون أحببته/ قد أكون عشقته / . ربما.
فإيراد الأداة "ربما" في السطر الأخير بعد توافق السطرين السابقين في التركيب هي تغيير وتنويع، وقد تأتي مفاجئة بالنسبة للمتلقي، لكنها تخرجه من رتابة الوزن، عوض إشباع توقعه، ذلك أن "معظم ضروب الإيقاع الناجح تتألف من عدد من المفاجآت أو الصدمات قد لا تقل عن عدد من الإشباعات."
ويرتبط الإيقاع بالقدرة الإبداعية للشاعر " بل لعله يرتبط أكثر بالقدرة الواعية للشاعر على تنظيم أفضل الكلمات في أفضل نسق أو نمط يلائم الشاعر". مما يبدي اختيار الشاعرة مفردات لغتها بدقة متناهية منسجمة مع تأدية معانيها لما تقتضيه مواقفها وانفعالاتها، ويتبين حرصها على التنغيم الواضح في الأسطر والجمل الشعرية، معتمدة الإيقاع حركة موسيقية أكبر من الوزن.
ختاما يظل للشاعرة عالمها الرمزي المميز الأسلوب، المحكوم برؤيتها لواقعها بكل مقوماته، إذ فسحت المجال في ديوان " في حياة أخرى " للحضور القوي للذات المبدعة في التعبير عن قضاياها وهمومها وإحساساتها في غربتها، وتعبيرها عن تصورها للوطن والمدينة بمفهوميهما، المشوب بنبرة العتاب، وصولا إلى التجربة الشعرية الموفقة مع وضوح الأفكار والرؤى وتضافر المواقف والإيقاعات، واختيار اللغة والصور التي وسمت عالمها الجمالي والشعري في هذا الديوان.
#فطنة_بن_ضالي (هاشتاغ)
Fatna_Bendali#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟