أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فطنة بن ضالي - الدلالة والصورة في قصيدة العكاز للدكتور جمال مرسي















المزيد.....

الدلالة والصورة في قصيدة العكاز للدكتور جمال مرسي


فطنة بن ضالي
كاتبة، شاعرة

(Fatna Bendali)


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


القصيدة عصارة قلب مفجوع بفقد أعز حبيب، فقد فاضت نفس الشاعر الدكتور جمال مرسي شعورا نبيلا جارفا بالمحبة والوفاء والامتنان لأب رحل، فهو ركن ركين وعمدة حياة الشاعر، ساكن القلب متوطن بمثابة الروح، كان شمسا تنير وتهدي في دروب الحياة. فلما انتقل إلى رحمة الله انكشفت خصاله ومكانته رغم أنها لم تكن خفية، فهاجت قريحة الشاعر للتعبير عن هذه الخصال والمكانة شعرا؛ يذكره في قمة البيان، والبديع، والبلاغة، لقد رثاه بصور عميقة ينذر أن يصفها اليراع والبنان، ومدحه مدحا لا يبلغ كنهه المادحون، إذ تعلق به تعلق القلب بالصدر فوصفه صفات نفسية وحسية رائعة: (أبِي، مؤدِّب، مسامر، حنون، كريم، بشوش، عذب الكلام، زاهد) باع دنياه بالآخرة ،اختار جوار الله بقضائه وقدره، وهي قيم نبيلة دالة على التقوى والورع، وبين أنه شفيق لا ينمحي من القلوب مهما طال الزمان، وإن غاب فذكراه مترددة في كل لحظة وحين .
عمد الشاعر إلى الاسترجاع والتذكر تقنية مهمة أفسحت المجال لمشاعره للتحليق في فضاء القصيد والتعبير عن أفعال و أوصاف المرثي بسلاسة في حكي يحقق وحدة النص، كما تمكنه من جلب انتباه المتلقي وإدخاله جو النص الحزين المعبر عن تلك العلاقات الإنسانية المتميزة بين الآباء والأبناء التي تفيض في النص بِرّا و اعتزازا فهي قيمة أصيلة في الشاعر.
واستعمل لتك المعاني الأساليب الخبرية والأفعال المضارعة الدالة على الحركة و الهيجان الدائم في قلبه من فراق المرثي: (تسامرني، يضمني، استميح، أغفو)، كما استعمل الإشارة (هذا الأبي) الدالة على المشار إليه حصرا لأنه لا يريد غيره. ويظهر مدى تمكن حبه منه، وأنه حاضر دائما معه، معبرا من الأساليب الإنشائية بالاستفهام الإنكاري (هل كنت أنساه) أي لا أنساه، وعن تذكره كل ليلة (يأتي كهالة نور، نور في معيته) بصور تشبيهية، إذ يشبه مجيئه والضوء المصاحب بهالة النور المشع، لما تدل عليه الصورة من الضياء والنقاء والصفاء، حتى أن الشاعر يخجل أمام وجوده - وإن على مستوى الذكرى- يقول (أغض طرفي مثل الأمس)، احتراما وتقديرا لمقام الأب على المستويين الواقعي و الرمزي. كما شبه نفسه بقبرة (وفوق كفيه أغفو مثل قبرة) تغرد في كفي صاحبها فيطعمها بالمحبة والرحمة فتغفو سكينة واطمئنانا. حيث ترمز القبرة في الشعر إلى الوسيط بين السماء والأرض إذ تحلق عاليا في السماء، وتبني عشها على الأرض، وتغريدها يرمز للحياة، وإلى توق الإنسان إلى الفرح كما ورد في قاموس الرموز.
وقصد التعبير عن المعاني في جماليتها استعار الشاعر القلب للبيت، في قوله: (القلب سكناه) على سبيل الاستعارة المكنية التصريحية بجامع التمكن والاستقرار. وفي قوله:
يمناه تقطر سلسالا، فتحسدها عليه، حتى تريق الشهد، يسراه
فقد استعار يد المَرثي للسماء القاطرة مطرا على سبيل الاستعارة المكنية التبعية بجامع التتابع والعطاء المستمر، كما استعار اليد اليسرى لإنسان حاسد لليمنى وجعلها كالنحلة تأتي بالشهد غيرة من اليد اليمنى، وهي صورة جميلة مركبة تدل على الجود والعطاء المادي والمعنوي ليدي المرثي، وذلك في إنجاز الأفعال الخيرة حتى وصفها بالبياض المتدفق منها وادي الندى العذب الذي لا ينضب، فكنى عنه بالكوثر عن هذا العطاء المتواصل (فواعجبا من كوثر، كان في الكفين مجراه) متعجبا من كثرة كرمه سخائه. وبَيّن أن أشياء المرثي تفتقده؛ و(سبحته تبكي عليه) لأنه كان كثير استعمالها، فأسند لها فعل الإنسان، على سبيل المجاز العقلي، إذ تحفل القصيدة بمثل هذه الصور المجازية التي تسند الفعل لغير فاعله الحقيقي، كما في قوله :(صنعت يد السنين) و (طرق عكازه)، كل هذا من أجل أن يعبر الشاعر عن حزنه في فقدان المرثي وحنينه الدائم إليه، ولا تخلو القصيدة من الأساليب البديعية كالتعبير بأسلوب الطباق مثلا: (أغض / نظرت، اليمنى / اليسرى، الدنيا / الآخرة). وأما في قوله:
عكازه الغض في حضني وسبحته تبكي عليه فتعلو داخلي الآه
فإن للعكاز والسبحة حمولة رمزية، حيث السبحة مشحونة دلالة دينية تنبئ بالورع والتقوى. أما العكاز فإن دلالته في النص تدل على الأثر وما بقي من المرثي، واللفظة في عنوان النص فتدل على مَن يُتكأ عليه و يهتَدى به و يؤتَم به، وما يعزز هذا تركيبية العنوان، حيث اللفظة معرفة ، وهي خبر لمبتدإ محذوف، تقديره "هو" ، لتحيل إلى الأب بكل صفاته السابقة الذكر. وتستمد القصيدة إيقاعها الداخلي من تكرار بعض الحروف في الألفاظ مثل حرفي السين العين؛ السين (أنساه، سكناه، يسبح باسم...) والعين (صنعت، باع ، العذب، عنادله...) في كلماتها، والمد الدال على التوجع. أما إيقاعها الخارجي فيتمثل في بحر القصيدة وقافيتها ورويها، وهي من البحر البسيط؛ المركب من تفعيلتين؛ (مستفعلن فاعلن) مرتين في كل شطر، وإذ اختار الشاعر الهاء رويا لقصيدته فإنه التزم بالحرف الساكن قبلها وهو الألف، وزاد تواتر هذا المد في القافية تقوية النغمة الحزينة في القصيدة. ولا شك أن الشاعر وجد البحر البسيط متلائما وحالته النفسية وانفعالاتها و دفقاته الشعورية، فاختاره من بين البحور الشعرية الخليلية لاحتواء ه حالته و ولتعبيره عن معانيه العميقة المرتبطة بما تدل عليه الأبوة واقعا ورمزا.
هكذا، يعصر الشاعر ألم قلبه ويسكب روحه في شعره، مبينا حنينه إلى الماضي الذي يحضر فيه الأب، بصور فنية رائعة تشي بالعاطفة الصادقة وبالتماسك الفني في النص بين واقعين؛ واقع الحضور وواقع الغياب، ثنائية ضدية تجمعها على مستوى تفكير الشاعر الذكرى المتمثلة بالنسبة في حياة الاب و سلوكاته واستحضار ذلك بعد غيابه. إذ يُضَمّن الشاعر القصيدة رأيه في الموت والغياب بكل اتزان وإيمان بالقضاء والقدر والتسليم بأمر الله تعالى.
وإن كان غرض الرثاء غرضا شعريا قديما حديثا، فإن حضور الذات الشاعرة في قصيدة "العكاز" حضورا قويا في مقام وصف الحنين على الأب الغائب، وما يقتضيه هذا الغرض الشعري، لكن الشاعر أضفى عليه من أسلوبه المميز وأنسنة الأشياء التي جعلها تنطق بلسانه في الشوق والحنين ، وذلك في صوره الفنية المركبة العناصر، بين التشبيه والمجاز العقلي واللغوي والكناية، وهي صور عميقة عمقت المعنى تشير إلى سعة أفق خيال الشاعر، أخرجها في أبهى حلة مع اختيار الألفاظ و اللغة المعبرة عما يجيش في نفس الذات الشاعرة، من عواطف وحزن في سياق الصور وجماليتها. تعبيرا عن حالته الوجدانية وانفعالاته تجاه المرثي، في اتساق وانسجام تام، يدل على مقدرة الشاعر وعلى وتفرده بتجربته الإبداعية. تحية ترقى إلى مقام الشاعر الكبير د. جمال مرسي.



#فطنة_بن_ضالي (هاشتاغ)       Fatna_Bendali#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصيدتي .. زهرة برية بين السرد والشعر
- ترنيمة الفراق للشاعر حسان محمد الشناوي
- أغنيتان من أجل الوطن
- مدينة العشق مراكش
- ديوان فن الملحون 2
- ديوان فن الملحون
- أنا ألأطلسي
- موت ينتظرعلى قارعة الوطن
- غزة الشهداء
- أرض وعهد
- بردا وسلاما يا وطني
- بنية الخطاب السردي والخطاب الشعري في الرواية العربية (3)
- بنية الخطاب السردي والخطاب الشعري في الرواية العربية (2)
- بنية الخطاب السردي والخطاب الشعري في الرواية العربية (1)
- - الرمزية واللون في التراث الأمازيغي - بقصر البديع
- كل الألوان فيك عابثة
- الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي
- - الأشجار تحلق عميقا- لسعد ياسين يوسف
- مفهوم الشعر في قصيدة -مارق من ضجة الأوراق- للشاعرة ابتهال مح ...
- - غيثة تقطف القمر- بفاس


المزيد.....




- -يوم الكشف-.. هل نجح الفيلم في استعادة سحر الخيال العلمي؟
- الثقافة الإيطالية تنتقد خطة الاتحاد الأوروبي لوقف تمويل بينا ...
- معارض إيطالي: نية المفوضية الأوروبية وقف تمويل بينالي البندق ...
- المسرح المغربي يودع محمد الزيات بعد مسيرة امتدت لأكثر من 4 ع ...
- الطب الشرعي يكشف سبب وفاة الممثلة التركية إيجي أرتيم ويحسم ل ...
- مجلس الشعب السوري يعقد أولى جلساته بعد سقوط الأسد، والشرع يد ...
- اللواء رضائي: إذا نجح الأعداء في ترسيخ ثقافة اغتيال القادة ف ...
- المفوضية الأوروبية توصي بوقف تمويل بينالي البندقية بسبب مشار ...
- سوق السلاح في عمّان.. إرث الفروسية تحرسه القوانين
- المتحف الروسي في بطرسبورغ يفتح أبوابه مجانا للمشاركين في ال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فطنة بن ضالي - الدلالة والصورة في قصيدة العكاز للدكتور جمال مرسي