أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إيرينى سمير حكيم - ماذا أضافت -بينا باوش- لمسرح الرقص الحديث؟















المزيد.....

ماذا أضافت -بينا باوش- لمسرح الرقص الحديث؟


إيرينى سمير حكيم
كاتبة وفنانة ومخرجة

(Ereiny Samir Hakim)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 22:13
المحور: الادب والفن
    


في ذكرى رحيل أيقونة مسرح الرقص المعاصر "بينا باوش" في 30 يونيو عام 2009م، لا يكفي أن نستعيد إبداعاتها أو أن نحتفي بثمار مشروعها الفني فحسب، إنما من الأجدر أن نتوقف أمام سؤال تستحق "بينا" نفسها أن نعطيه حقه من التأمل والإجابة، وهو: ماذا أضافت لمسرح الرقص الحديث؟ والحقيقة أنَّها قد أضافت الكثير، لكن قيمة إضافاتها لا تكمن فقط في تطوير شكل فني جديد أو تقديم لغة حركية مختلفة، بل في إعادتها النظر إلى الإنسان نفسه من خلال استخدام لغة الجسد الفصيحة التعبير عما يختبئ في مكنونات النفس الساكنة فيه.

ولدَت الراقصة التعبيرية، ومصممة الحركة، والمخرجة الألمانية "بينا باوش"“Pina Bausch” عام 1940م بمدينة "زولينغن"، وتلقت تكوينها الفني في مدرسة "فولكفانغ" للفنون بمدينة "إيسن"، حيث تأثرت بأفكار مصمم الرقصات الألماني "كورت يوس"، أحد أبرز رواد المسرح الراقص والتعبيرية الألمانية. ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة بمنحة دراسية، واحتكت هناك بتجارب الرقص الحديث الأمريكية التي كانت تشهد آنذاك تحولات جذرية. وبعد عودتها إلى ألمانيا تولت عام 1973م إدارة فرقة الرقص التابعة لمسرح مدينة "فوبرتال"، والتي تحولت لاحقًا إلى فرقة "تانزتياتر فوبرتال" “Tanztheater Wuppertal”، ليصبح اسمها مرتبطًا عالميًا بهذا المشروع الفني الذي غيَّر ملامح المسرح الراقص المعاصر. ومن خلال هذه الفرقة قدمت عشرات الأعمال التي جابت العالم وأثرت في أجيال كاملة من الفنانين، حتى أصبحت واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الفنون الأدائية خلال القرن العشرين.

وقد ارتبط اسمها على نحو خاص بتطوير مفهوم "مسرح الرقص" أو "تانزتياتر"، ذلك الشكل الفني الذي يمزج بين الرقص والتمثيل والصورة المسرحية والأداء الجسدي في بنية واحدة. ورغم أنَّ جذور هذا الاتجاه تعود إلى تجارب ألمانية سبقتها، فإنَّ "بينا" كانت صاحبة التأثير الأكبر في منحه أبعاده النفسية والإنسانية التي جعلته ظاهرة عالمية تجاوزت حدود الرقص التقليدي.

فحين ظهرت "بينا باوش" في المشهد الفني العالمي، كان الرقص الحديث قد تجاوز بالفعل كثيرًا من القيود الكلاسيكية التي حكمته لقرون، وتحررت الحركة من القوالب الصارمة، وتخلَّى الراقصون عن الكثير من الاشتراطات التقليدية، مع ذلك ظلَّت طبقات أعمق من النفس البشرية مطموسة خلف الحركة، وفي هذه المساحة المصمتة تحديدًا ظهرت قدرات "بينا باوش".

تلك الفنانة التي لم يكن اهتمامها منصبًّا على ابتكار حركة جديدة بقدر ما كان منصبًّا على اكتشاف معنى جديد للحركة، إذ لم تكن تنظر إلى الجسد باعتباره أداة للأداء، بل باعتباره مستودعًا للذكريات والرغبات والمخاوف والهشاشة الإنسانية. ولذلك لم يعد الجسد في عروضها يرقص بالمعنى التقليدي للكلمة، بل صار يتذكر ويعترف ويكشف ما تعجز الكلمات أحيانًا عن قوله، أو توصيل المراد التعبير عنه للمتلقي في أعمق درجات الشعور والفهم.

لقد أعادت توجيه مركز الاهتمام في مسرح الرقص نحو التجربة الإنسانية الكامنة خلف الحركة. ونقلته من سؤال "كيف يتحرك الجسد؟" نحو سؤال أكثر عمقًا وتعقيدًا وهو "ما الذي يدفعه للتحرك؟"

ولعلّ أحد أهم إسهاماتها تُمثَّل في تحويل الجسد إلى وثيقة نفسية، فالحركة عندها ليست تعبيرًا عن فكرة مجردة، بل أثرًا لتجربة إنسانية، فالتكرار، والتوقف، والارتباك، والسقوط، والاقتراب من الآخر ثم الابتعاد عنه، كلها عناصر تبدو وكأنها قادمة من أعماق النفس البشرية أكثر من كونها نابعة من تقنيات الرقص.

ويظهر ذلك بوضوح في عرض "Café Müller" الذي قدمته عام 1978م، وهو أحد أكثر أعمالها شهرة وخصوصية، وربما أكثرها قربًا من عالمها الداخلي. وتدور أحداث العرض داخل مقهى شبه مهجور تمتلئ خشبته بالكراسي والطاولات المبعثرة التي تتحول إلى عوائق مادية ونفسية في آنٍ واحد. لا يُقدَّم فيه قصة بالمعنى التقليدي للعرض المسرحي، بل مجموعة من الشخصيات تبدو وكأنَّها عالقة داخل حلم أو ذكرى قديمة، تتحرك في فضاء يختلط فيه الواقع باللاوعي.

منذ اللحظات الأولى للعرض تظهر امرأة تسير وعيناها مغمضتان وسط هذا الحشد من الكراسي، متقدمة بخطوات مترددة وكأنَّها تسير داخل ذاكرة أو شعور مُلِّح لا داخل مكان. لتدخل إلى المسرح إمرأة أخرى تقوم بنفس الحركة ولكن باندفاعية أكبر، وقبل أن تصطدم بالأثاث يندفع رجل لإزاحة الكراسي من طريقها في اللحظة الأخيرة، ثم يواصل هذه المهمة بصورة محمومة ومتكررة طوال العرض. تتكرر العملية مرات عديدة متسارعة، في مشهد يبدو للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه يكشف تدريجيًا عن عالم كامل من القلق والرغبة في الحماية والخوف من الانهيار.

وقد جاءت معظم حركات هذا العرض متسمة بطابع شبه آلي أو حُلْمي، فالشخصيات تبدو وكأنَّها منومة أو مسلوبة الإرادة، تتحرك مدفوعة بقوة داخلية لا نفهمها تمامًا، إذ لا تتفاعل مع بعضها البعض بشكلٍ واعٍ، بل في حالة شبه لاوعية داخل حالة جماعية من الوحدة! لذلك لا يشعر المتفرج أنَّه يشاهد شخصيات درامية بقدر ما يشعر أنَّه يشاهد أجزاءً متناثرة من النفس الإنسانية نفسها.

هنا تكمن عبقرية "بينا" في التوظيف المسرحي للرمزيات، فالكراسي ليست مجرد كراسٍ، والمقهى ليس مجرد مقهى، والحركات المتكررة ليست مجرد تصميم حركي، لأن كل عنصر في مخططها المسرحي يتحول إلى استعارة نفسية حادة التأثير عندما تتقاطع مع الموسيقى المكملة لهذه الأركان التعبيرية. فالعوائق المادية التي تملأ الخشبة تصبح صورة للعوائق التي تفصل الإنسان عن الآخر، والتكرار يصبح صورة للذكريات التي تطاردنا، أما السير بالأعين المغلقة فيبدو وكأنَّه تجسيد لحالة الإنسان وهو يَعبُر الحياة مسترشدًا برغباته ومخاوفه أكثر مما يسترشد باليقين.

ولعلّ من أهم ما يلفت الانتباه في تجربتها أيضًا، هو قدرتها على اكتشاف الدراما الكامنة داخل التفاصيل اليومية، فالأفعال البسيطة التي يمر بها الناس كل يوم، كالانتظار والنظر والتردد والبحث عن الآخر والخوف منه في الوقت نفسه، تتحول في أعمالها إلى مادة تأملية وفلسفية عميقة. وكأنَّها كانت تذكرنا دائمًا بأنَّ المأساة الإنسانية لا تسكن الأحداث الكبرى وحدها، بل تختبئ كذلك في أكثر اللحظات اعتيادية.

لقد جعلت "بينا باوش" من المسرح مساحة للتساؤلات الإنسانية، أكثر من كونه مساحة للإجابة، وذلك من منطلق إدراكها أنَّ الفن العظيم لا يمنحنا يقينًا نهائيًا، بل يجعلنا أكثر وعيًا بأسئلتنا. ولذلك عادةً ما يخرج المتفرج من عروضها وهو يحمل معه شيئًا من القلق والتأمل والدهشة، وكأنَّ العرض لم ينته عند إسدال الستار، بل بدأ بداخله هو!

ولا يزال هذا التأثير الخاص بـ"بينا باوش" حاضرًا في المسرح والرقص وفنون الأداء المعاصرة، بعد أكثر من عقد ونصف على رحيلها. وهذا ليس لأنَّها أبدعت أسلوبًا تعبيريًا مبتكرًا ببصمتها الخاصة فحسب، بل لأنَّها أعادت اكتشاف الإنسان داخل الفن.

فلقد جعلت الجسد يعكس ديناميكية التفكير، والحركة تجسد الذاكرة، ومنحت المسرح قدرة للاقتراب من المناطق الأكثر هشاشة وصدقًا في التجربة البشرية!



#إيرينى_سمير_حكيم (هاشتاغ)       Ereiny_Samir_Hakim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل آن الأوان لإنهاء اختيارية الثقافة النفسية؟
- حماية إنسانية الأطفال في عصر الذكاء الاصطناعي
- في ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن..نذكر كوميتاس: حارس الهُويَّ ...
- -كوميتاس- حارس الهُويَّة والسفير الموسيقيّ للثقافة الأرمنية
- المُشاركة في آلام المسيح
- مَن هو -نونيز- ولماذا أُحِب -نونيز-؟
- كَشف العُنف الرمزي للختان على الجسد الأنثوي في كتاب -أقنعة ا ...
- في كتاب *أقنعة الختان المختلفة* تجد ما لا تعرفه عن *الختان*
- يا رايح -ترشيش- مشوارك على مفيش!
- تحت الطوفان
- المجد للقائم من بين الأموات
- مريمات القلب
- المسيح بين عرفات والصباح الجزء الثاني
- بين الغروب والليل .. شمس
- المسيح بين عرفات والصباح!
- توما أغسطينوس دوستويفسكي .. امنعوا الشك
- هزالة المراحل الانتقالية!
- سيركية الساحات الثقافية ومَسرحتها
- الثبات الانفعاليّ للإيمان
- محطات الموت وميكانيزمات النجاة


المزيد.....




- من نحيب -تموز- إلى كاظم الساهر.. لماذا يبكي الغناء العراقي؟ ...
- المجمع المعماري لمركز معارض عموم روسيا في موسكو يستعد لتقييم ...
- ألكسندر بلوك.. رحيل أنهى حقبة العصر الفضي للأدب الروسي
- لا تتجاوز 15 دقيقة.. أفلام مصرية قصيرة بحكايات لا تُنسى
- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إيرينى سمير حكيم - ماذا أضافت -بينا باوش- لمسرح الرقص الحديث؟