أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إيرينى سمير حكيم - حماية إنسانية الأطفال في عصر الذكاء الاصطناعي















المزيد.....

حماية إنسانية الأطفال في عصر الذكاء الاصطناعي


إيرينى سمير حكيم
كاتبة وفنانة ومخرجة

(Ereiny Samir Hakim)


الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 00:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم يكن من السهل يومًا على البشرية أن تعتاد القفزات التكنولوجية والتحولات التقنية الكبرى، أو النظر لها على أنَّها تغيرات آمنة وفي مصلحة الإنسان، فلطالما طفا الخوف والقلق على سطح المشهد الجمعي مع كل قوة تكنولوجية جديدة تظهر في التاريخ، حيث كان يتساءل الإنسان عمَّا إذا كانت ستضيف إلى إنسانيته أم ستنتزع منها شيئًا!

وقد رافقت هذه المخاوف ظهور الكتابة والطباعة والآلة والثورة الصناعية ووسائل الاتصال الحديثة، لأن كل تحول كبير كان يعيد تشكيل جانب من علاقة الإنسان بالعالم من حوله. لكن ما يزيد عصر الذكاء الاصطناعي توترًا هو أنَّ السؤال لم يعد يقتصر على تأثير التقنية في البيئة المحيطة بالإنسان، بل امتد ليشمل تأثيرها في الإنسان نفسه، في تكوينه النفسي، وتقديره لقدراته، وفي الطريقة التي يفكر بها ويتعلم ويتفاعل ويُكوِّن وعيه بذاته وبالآخرين!

وبما إنَّ الأطفال من بين جميع الفئات التي تعيش هذه التحولات ذات التحديات الجادة، يقفون في أولى صفوف هذه المواجهة مع طوفان التسارع التقني المسيطر للذكاء الاصطناعي في حياة البشر، فإنَّ حماية إنسانيتهم هو حماية الامتداد الآمن لإنسانيتنا جميعًا!

فالطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية تسبق الرشد، بل هي المرحلة التي تتشكل فيها البنية الأولية للإنسان، وفيها تنمو اللغة، وتتكون المشاعر الأساسية، وتتبلور صورة الفرد عن نفسه وعن الآخرين، وتتأسس قدرته على الحب والتعاطف والانتماء والثقة. ولهذا فإنَّ أي تغير عميق في البيئة التي ينشأ فيها الطفل لا ينعكس على سلوكه الظاهر فقط، بل يمتد إلى الكيفية التي تتشكل بها إنسانيته ذاتها!

من هنا يتضح سؤال أرى أنَّه يعدّ من أهم الأسئلة التي تفرضها علينا هذه المرحلة الراهنة، وهو "كيف نحمي إنسانية الأطفال في زمن تتسع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي على الحضور والتأثير داخل تفاصيل الحياة اليومية؟" وسؤال آخر يليه مباشرةً في الأهمية، وهو "كيف نحافظ على التوازن بين الاستفادة من الإمكانيات الهائلة التي توفرها هذه التقنيات، وبين حماية المساحات الإنسانية التي لا غنى عنها في تكوين الطفل؟"

إنَّ هذا السؤال لا ينطلق من موقف معادٍ للذكاء الاصطناعي بالطبع، ولا من رغبة في مقاومة التطور التقني أو العودة إلى الوراء على الإطلاق، فالذكاء الاصطناعي يقدم بالفعل إمكانيات واسعة في التعليم والتدريب والدعم المعرفي وتطوير المهارات وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة. كما يمكن أن يساهم في تحسين جودة الحياة وتسهيل كثير من المهام التي كانت تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين. لكن الاعتراف بهذه الإيجابيات لا يلغي إدراك المخاطر والانتباه للسلبيات، ولا يطغى على ضرورة النظر إلى الجانب الآخر من الصورة، وهو الجانب المتعلق بالإنسان نفسه.
فالقضية في جوهرها ليست قضية تقنية بحتة، وإنما قضية أنثروبولوجية أيضًا!

أي أنَّها تتعلق بالإنسان باعتباره كائن يتشكل داخل بيئة ثقافية واجتماعية ونفسية معينة، فالإنسان لا يولد مكتمل الإنسانية، بل يكتسبها تدريجيًا من خلال علاقاته وخبراته وتفاعلاته مع الآخرين. كما أنَّه يتعلم التعاطف من خلال المواقف الإنسانية الحقيقية، ويكتسب الثقة عبر العلاقات المباشرة، ويطور قدرته على التعبير من خلال الحوار والتجربة والاحتكاك بالحياة الواقعية.

وبالتالي فإنَّ الخطر يكمن في تقليص حضور الخبرات الإنسانية الأساسية في حياة الطفل، أو اختزال احتياجاته النفسية والاجتماعية في بدائل تقنية، واستبدال الحضور الإنساني والعاطفي ببدائل روبوتية تتخذ من الإنسانية هيئةً لها، فتتفاعل وتتعاطف مع البشر بذكاءٍ مصطنعٍ، ليصل درجة تشبهها بنا إلى قدرة على المحاكاة لا نستطيع أن نجزم كيف يمكن لتطورها أن يصل في أقصى حدٍّ له! بل والأدهى أنَّ من وصل إلى أعلى درجات العلم والتخصصية فينا، لا يعرف كيف يوقفه!

ومن هنا تصبح حماية "إنسانية الأطفال" قضية تتعلق بمستقبل الإنسان نفسه، لأن الطفل الذي ينمو اليوم في ظلّ هذه البيئة الجديدة سيكون هو الراشد الذي يشكل مجتمع الغد، ويحدد شكل العلاقة المستقبلية بين الإنسان والتكنولوجيا الذكية. وإذا كانت الطفولة هي المرحلة التي تُزرع فيها بذور الإنسانية، فإنَّ نوعية هذه البذور مما لا شك فيه ستنعكس لاحقًا على شكل العالم الذي سيبنيه هؤلاء الأطفال عندما يكبرون.

ولهذا لا ينبغي أن ينحصر النقاش في عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشات أو في نوعية التطبيقات التي يستخدمها، على أهمية هذه القضايا، فالمسألة أعمق من ذلك بكثير، لإنَّها تتعلق بالسؤال عن نوع الإنسان الذي نريد المساهمة في تكوينه!
هل نريد إنسانًا يمتلك المعرفة فقط، أم إنسانًا يمتلك أيضًا القدرة على الفهم والتعاطف والتفكير النقدي والإبداع؟

هل نريد طفلًا يجيد استخدام الأدوات الذكية فحسب، أم طفلًا يحتفظ كذلك بقدرته على بناء العلاقات الإنسانية الحقيقية والتفاعل مع العالم باعتباره إنسانًا كامل الخبرة والوجدان؟

هل نعدّ للمستقبل إنسانًا تتحكم فيه التكنولوجيا الذكية، ويكون فريسة سهلة الانقياد للروبوتات بشرية الهيئة، أم إنسانًا هو من يقود الذكاء الاصطناعي بإراداته وبسيطرة ذكاءه الإنساني الأخلاقي هو عليه؟!

وبالتالي، فإنَّ الإجابة على هذه الأسئلة لا تتطلب رفض الذكاء الاصطناعي، بل تتطلب إدارة حضوره بوعي ومسؤولية، فالتقنية لا تحمل قيمة أخلاقية في ذاتها، وإنما تكتسب معناها من الطريقة التي يستخدمها بها الإنسان. وبالتالي يمكن للأداة نفسها أن تكون مصدرًا للنمو أو سببًا في الإضعاف، وذلك تبعًا للسياق الذي توضع فيه والغاية التي تُستخدم من أجلها.

ومن هنا، لا يبدو التحدي الحقيقي في أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً، بل أن يبقى الإنسان قادرًا على صون عمقه الإنساني وسط هذا الامتداد التقني المتسارع، وأن يظلّ مدركًا لقيمة إنسانيته التي تفوق كل الإغراءات التقنية، وكل فرصة مصطنعة الذكاء تقزم ذكاءه الإنساني وتسلبه تفرده بلا وعي.

لأجل ذلك، يصبح على كبيرٍ واعٍ، وفي موضع مسؤولية وعي، أيًا كان نمط هذه المسؤولية، تربيةً أو تعليمًا أو حتى مسؤولية إنسانية عامة، من منطلق مسؤولية النضج تجاه النشأ، أن يدرك أنَّ حماية "إنسانية الأطفال" هي نقطة الانطلاق الأكثر حساسية في إعادة تشكيل التوازن بين الإنسان والتقنيات الذكية في كل صورها. وأنَّ هذا الوعي في حد ذاته، ونقله للأجيال القادمة ولا سيَّما الأطفال، هي مسؤولية جميعية وليست فردية، مسؤولية البشر تجاه استمرار الإنسانية.



#إيرينى_سمير_حكيم (هاشتاغ)       Ereiny_Samir_Hakim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن..نذكر كوميتاس: حارس الهُويَّ ...
- -كوميتاس- حارس الهُويَّة والسفير الموسيقيّ للثقافة الأرمنية
- المُشاركة في آلام المسيح
- مَن هو -نونيز- ولماذا أُحِب -نونيز-؟
- كَشف العُنف الرمزي للختان على الجسد الأنثوي في كتاب -أقنعة ا ...
- في كتاب *أقنعة الختان المختلفة* تجد ما لا تعرفه عن *الختان*
- يا رايح -ترشيش- مشوارك على مفيش!
- تحت الطوفان
- المجد للقائم من بين الأموات
- مريمات القلب
- المسيح بين عرفات والصباح الجزء الثاني
- بين الغروب والليل .. شمس
- المسيح بين عرفات والصباح!
- توما أغسطينوس دوستويفسكي .. امنعوا الشك
- هزالة المراحل الانتقالية!
- سيركية الساحات الثقافية ومَسرحتها
- الثبات الانفعاليّ للإيمان
- محطات الموت وميكانيزمات النجاة
- الحجارة وأولاد إبراهيم
- لا تتركوا الحياة لقَتَلة الحياة


المزيد.....




- مسؤول إيراني كبير لـCNN: لا مانع للحوار مع واشنطن لكن سلوكها ...
- واشنطن تطرح مشروع قرار أمام الوكالة الذرية لمطالبة إيران بتق ...
- خلاف فرنسي ألماني يُنهي أحد أضخم مشاريع الدفاع في أوروبا
- مبتورو الأطراف في غزة.. معاناة لا تنتهي وآمال معلقة بالمعابر ...
- هل تعيد الصين ترتيب أوراق المنطقة في كوريا الشمالية؟
- ما سر المنشأة الإيرانية التي ضربتها إسرائيل في أول هجوم بعد ...
- مسؤول إيراني: ترمب ساعد إسرائيل في هجومها الأخير على طهران
- هرولة الأنظمة العربية الرجعية نحو “الشرق الأوسط الجديد”
- إدغار مورين: الموسوعي في غير عصر الموسوعات
- حديث عن -مقامرة سياسية-.. هل خاطر نتنياهو بعلاقته مع ترامب؟ ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إيرينى سمير حكيم - حماية إنسانية الأطفال في عصر الذكاء الاصطناعي