أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إيرينى سمير حكيم - في ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن..نذكر كوميتاس: حارس الهُويَّة والسفير الموسيقيّ للثقافة الأرمنية















المزيد.....

في ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن..نذكر كوميتاس: حارس الهُويَّة والسفير الموسيقيّ للثقافة الأرمنية


إيرينى سمير حكيم
كاتبة وفنانة ومخرجة

(Ereiny Samir Hakim)


الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 20:52
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في كل ذكرى للإبادة الجماعية للأرمن، يظلّ اسمه حاضرًا بوصفه علامة إنسانية فارقة في سردية الألم والنجاة، وأحد أهم أبطالها غير مسفوكي الدم، بل ممن سفكوا وجدانهم في سبيل الوطن والإبداع والعطاء الفنيّ، هو:

"كوميتاس فاردابيت" "Komitas Vardapet"

ذاك اللحن الأرمنيّ النابض بحُب الموسيقى والإخلاص للوطن، ذو الشخصية الفريدة في عالم الإبداع الموسيقي والتجديد، وحافظ التراث الثقافي الأرمني، الذي أوجد له مكانًا بين تجاعيد التاريخ، فترسَّخ هذا التراث، المُحمَّل بمثابرة الإنسانية المُجرَّحة، وأثمر حضورًا وزهوًا في عالم الإبداع والصمود.

لقد تجاوز أثر هذا المبدع حدود الجغرافيا، وتشعب بين ألوان الثقافة الموسيقية، حاملًا بصمة إبداعه ممتزجة ببصمة الموسيقى الأرمنية، وامتد إلهامه إلى الوجدان الموسيقي العالمي، حيث التقت في أعماله البساطة الشعبية بالعمق الروحي، وتجاورت فيها الأصالة مع التجديد، في معادلة فنية نادرة، جعلت منه أحد أبرز الأصوات التي حملت همّ الإنسان معاناته عبر الموسيقى المُعبِّرة المُغيِّرة.

وفي عالمٍ تعصف به التحوّلات، ظلّ إرثه شاهدًا على قدرة الفن على البقاء، وعلى أنَّ الموسيقى ليست مجرد ألحان، بل هوية تُصان، وذاكرة تُستعاد، وروحٌ تقاوم الفناء.

"كوميتاس" هو شخصية بارزة في الموسيقى الأرمنية، حيث يجسد التوازن بين التقاليد القديمة والحداثة الفنية. سَلَكَ طريقه في الحياة ككاهن مسيحي ملتزم، يستخدم الموسيقى للتعبير عن روح الشعب الأرمني، مؤكدًا على دور الثقافة في تعزيز الهوية الوطنية خلال أوقات الضيق والاضطهاد.

وقد جسَّد "كوميتاس" هذا البُعد عمليًا، إذ جمع آلاف الأغاني الشعبية الأرمنية تُقدَّر بنحو 4000 أغنية، وأعاد تدوينها وصياغتها لحمايتها من الضياع. ولم يكتفِ بالحفاظ عليها داخل حدودها المحلية، بل حملها إلى أوروبا عبر حفلات موسيقية لاقت صدى واسعًا، مُعرِّفًا العالم بالروح الموسيقية الأرمنية. وبمزيج من الإبداع والالتزام الوطني والجرأة الفنية، أصبح سفيرًا للثقافة الأرمنية، ولا يزال إرثه حيًا حتى اليوم يُلهم الأجيال الجديدة.

وُلد "كوميتاس" في 26 سبتمبر 1869م حاملًا اسمه الأصلي "سوغومون سوغومونيان"، في بلدة "كوتاهيا"، التي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية العثمانية. كانت "كوتاهيا" معروفة بتقاليدها الحرفية، خاصةً في صناعة السيراميك، وكان والديه، "تاكوهي" و "كيفورك"، جزءًا من هذه البيئة الحرفية، لكنهما أظهرا أيضًا موهبة موسيقية، ولكن موهبة "كوميتاس" الفطرية قد امتزجت بالألم منذ مهده، حيث فقد والدته عندما كان رضيعًا، وتوفيَّ والده عندما كان عمره 11 عامًا، مما تركه يتيمًا في سن مبكرة.

على الرغم من هذه البداية الآليمة، أظهر "كوميتاس" موهبة غنائية ملحوظة وهو طفل، وفي عام 1881م تم إرساله إلى مدرسة "جيفورجيان" اللاهوتية في "إتشميادزين"، وهي المدينة المقدسة للأرمن، حيث بدأ في تعلم اللغة الأرمنية وتلقى تعليمًا دينيًا. في تلك الفترة، كان "كوميتاس" لا يعرف اللغة الأرمنية بشكل جيد، إذ كانت لغته الأولى هي التركية. ورغم ذلك، تعلّم اللغة الأرمنية بسرعة وأصبح قائدًا لجوقة الكاتدرائية هناك. أصبح كاهنًا أعزب، وأُطلق عليه اسم "كوميتاس" تيمناً بالشاعر والكاهن الأرمني من القرن السابع.

أثناء دراسته في "إتشميادزين"، انجذب "كوميتاس" بشدة إلى الموسيقى الشعبية الأرمنية التي تعكس روح الشعب الأرمني وثقافته، فبدأ بجمع الأغاني الشعبية من الفلاحين الذين عاشوا في القرى الأرمنية، وكرَّسَ حياته لاحقًا لحفظ هذه الأغاني وتوثيقها، وفي عام 1895م نشر أول مجموعة من الأغاني الشعبية الأرمنية، لكن هذه الجهود لم تُقابَل بالترحيب الكامل من قِبَل بعض رجال الكنيسة الذين انتقدوا اهتمامه بالأغاني الشعبية، خاصةً تلك التي تتناول مواضيع مثل الحب والعلاقات العاطفية.

وتابع "كوميتاس" تعليمه في "تبليسي" على يد الملحن "مكار أكمليان"، الذي كان له تأثير كبير على تشكيل رؤيته الموسيقية. ثم حصل على فرصة استثنائية للسفر إلى "ألمانيا" لمواصلة تعليمه الموسيقيّ بفضل دعم مالي من "الكاثوليكوس" الأرمني "مكار الأول".

في "برلين"، درس في جامعة "فريدريش فيلهلم" وحصل على تدريب متخصص في الموسيقى الأوروبية تحت إشراف الموسيقيّ البارز "ريتشارد شميدت"، وبينما كان يتعمق في دراسة الموسيقى الأوروبية، إلا أنَّه حافظ على التزامه بجمع ودراسة الموسيقى الشعبية الأرمنية.
عند عودته إلى "إتشميادزين" في عام 1899م، حاول كوميتاس إدخال تغييرات على النظام التعليمي في المدرسة اللاهوتية، خاصة فيما يتعلق بالتعليم الموسيقي، لكن جهوده واجهت مقاومة من رجال الدين الأرمن المحافظين!

على الرغم من هذه العقبات، استمر "كوميتاس" في جمع الأغاني الشعبية من القرى الأرمنية، وزار العديد من المناطق الأرمنية لجمع الموسيقى والتعرف على التقاليد الموسيقية المحلية. كتب مقالات موسيقية عديدة وألقى محاضرات حول الموسيقى الأرمنية في أوروبا، مُسلطًا الضوء على ثراء هذا التراث.

من الجوانب البارزة في عمل "كوميتاس"، جهوده في إنشاء فرق موسيقية وجوقات، مثل جوقة "غوسان" في القسطنطينية، والتي أدت مؤلفاته وساعدت في نشر الموسيقى الأرمنية للعالم. قدمت الجوقة عروضًا في إسطنبول وأوروبا، كما قام بجولات موسيقية ناجحة في "فرنسا"، "سويسرا"، و"إيطاليا". وفي باريس عام 1906م لاقت حفلاته إشادة كبيرة، حيث اعتبرت نجاحًا هائلًا في تقديم الموسيقى الأرمنية للجمهور الأوروبي، مما عزز سمعته الدولية ورسَّخ حضوره العالمي. ذلك بالإضافة إلى إصداره لمجموعة "هاي كنار" (القيثارة الأرمنية) في عام 1907م، والتي تضمنت ترميمًا لأغاني الحب والأغاني الريفية الأرمنية.

كذلك خاض جولات موسيقية في المجتمعات الأرمنية في آسيا الصغرى، تميزت بإعادة التواصل بين الأرمن المتفرقين في الشتات مع جذورهم الثقافية، حيث كانت الموسيقى وسيلة قوية للتواصل وإحياء التراث في قلوبهم.

وبهذا كان لـ"كوميتاس" دور كبير في ربط الشتات الأرمني بثقافتهم، حيث أسهمت جولاته الموسيقية في إعادة الاتصال بين الأجيال الأرمنية التي نشأت بعيدًا عن وطنها وتراثها، حيث كان يسعى لإظهار الكنوز الموسيقية المخفية للأرمن، ليس فقط لشعبه بل للعالم كله. فقد كانت جولات هذه الجوقات بمثابة روابط ثقافية مهمة للجيل الجديد من الأرمن الذين كانوا بعيدين عن وطنهم، مما ساعد في إحياء الهُويَّة الثقافية الأرمنية.

كما كان لـ"كوميتاس" تأثيرٌ كبيرٌ في الحفاظ على نقاء الموسيقى الأرمنية من التأثيرات الأجنبية، فعلى مدار حياته، قام بجمع وترتيب ونشر ما يقرب من 4000 أغنية شعبية أرمنية، وشكَّلَ جوقات في كل مجتمع أرمني زاره. كما عمل على تنقية الموسيقى الكنسية الأرمنية من التأثيرات غير المحلية، وقد كانت جهوده جزءًا من عملية إحياء الهُويَّة الوطنية الأرمنية خلال فترة الاضطرابات الكبرى التي سبقت وأعقبت الإبادة الجماعية الأرمنية.

وبفضل جهوده، أصبح "كوميتاس" شخصية بارزة في الأوساط الموسيقية والثقافية في أوروبا وأماكن متفرقة حول العالم، وتمتع بتقدير كبير. ولكن بالرغم من الإشادة الكبيرة بعمله في الخارج، واجه "كوميتاس" مقاومة داخل بلده، فعندما اقترح إنشاء معهد موسيقي في "أرمينيا"، قد تم رفض الاقتراح بسبب نقص الدعم المالي والتوجه المحافظ لبعض رجال الدين في "إتشميادزين"، ولكنه مع ذلك استمر في نشر الموسيقى الأرمنية من خلال الجولات والحفلات، وقام بزيارات للجاليات الأرمنية حول العالم، بما في ذلك تنظيم جوقات للجاليات الأرمنية في مصر عام 1911م.

ومن بين أبرز الأعمال الموسيقية المرتبطة باسم "كوميتاس" مقطوعات مثل Krunk" (The Crane)" و Antuni" (The Homeless)" و(You Are a Plane Tree) "Chinar es" و Garun a" (It is Spring)"، وهي في أصلها أغانٍ شعبية تراثية متجذِّرة في الوجدان الأرمني، انطلقت من فضاء الغناء الشفوي الذي حَمَل عبر القرون مشاعر الحزن والحنين والاغتراب، وخصوصًا في ما يُعرف بأغاني الترحال، التي شكلت "كرنك" نموذجًا بارزًا لها بما تحمله من دلالات الاغتراب والشوق إلى الوطن.

في هذا السياق، أعاد "كوميتاس" معالجتها موسيقيًا وتنسيقها للأداء الجماعي، محافظًا على نقائها اللحنيّ وعمقها التعبيري، ومضفيًا عليها بناءً هارمونيًا أكثر اتساقًا واتساعًا في الرؤية، حيث امتزجت البنية الشعبية الحرة بوعي موسيقي مدروس يكشف عن الاضطراب الداخلي والتجربة الوجدانية الكامنة في هذه الألحان.

وهكذا اكتسبت بعض هذه الأعمال، وعلى رأسها "Krunk"، حضورًا خاصًا ومؤثرًا باعتبارها صياغة فنية مكثفة للتجربة الإنسانية في الترحال، إذ يتجسَّد طائر "الكركي" فيها بوصفه رمزًا للغربة والحنين ورسولًا بين المنافي والوطن، بما يمنحها بعدًا دلاليًا عميقًا يجعلها أقرب إلى التعبير التأليفي في روحها رغم جذورها الشعبية. مُجسِّدًا فيها تدرج الإنفعال الموسيقيّ في توزيعها النغميّ، تصاعُد مشاعر نفس، مُشبَّعة بالاشتياق والأحزان وقوة البَوح.

وإلى جانب هذا المشروع التوثيقيّ الجليل لإنقاذ الذاكرة الموسيقية الشعبية، وإعادة صياغتها في قالب مكتوب يتيح لها البقاء والاستمرار عبر الأجيال، مع الحفاظ على طابعها الروحي والإنساني العميق، يتجلَّى في نتاجه حضور أعمال ذات طابع ديني وتربوي وصوتي قصير، تعكس حسّه الروحي ودقته في البناء اللحنيّ.

أما عن حياته الاجتماعية والفنية فقد شهدت معنطفًا حادًا، إذ تعرض لصدمة كبيرة عام 1915م، خلال الإبادة الجماعية للأرمن، ففي 24 أبريل من ذلك العام، اعتُقل "كوميتاس" مع أكثر من 200 من المثقفين والقادة الأرمن في القسطنطينية كجزء من الحملة العثمانية للقضاء على الأرمن.

وخلال فترة اعتقاله ونفيه، شهد "كوميتاس" الفظائع التي ارتُكِبَت بحق الأرمن، وأثرَّت هذه التجربة المأساوية بشكل عميق على صحته النفسية، إذ عانى بسببها من "اضطراب ما بعد الصدمة" طويل الأمد.

بعد تدخلات من شخصيات سياسية ودبلوماسية، أُطلق سراح "كوميتاس"، لكن صحته النفسية كانت قد تدهورت بشكل كبير. فقد أُصيب بانهيار عصبي كامل نتيجة ما شهده من فظائع.

وعقب عودته إلى القسطنطينية، استولت السلطات العثمانية على ممتلكاته وأوراقه، بما في ذلك أكثر من 1000 أغنية شعبية أرمنية ومواد بحثية موسيقية قيمة، مما زاد من تفاقم حالته النفسية.

تركت تجربة "كوميتاس" خلال الإبادة الجماعية تأثيرًا عميقًا على نفسيته، حيث تم نقله إلى مستشفى للأمراض النفسية بعد انهياره العصبي، كما أدى فقدان أرشيفه الموسيقي نتيجة الفوضى والنهب إلى زيادة محنته، وجعل من المستحيل عليه استئناف نشاطه الموسيقي الذي أحبه بشدة.

وفي عام 1935م، بعد أن أمضى 19 عامًا في مصحات للأمراض النفسية، توفي "كوميتاس". ومع ذلك، يشير العديد من الباحثين إلى أنَّه لم يكن يعاني أبدًا من مرض نفسي أو عقلي غير قابل للشفاء، إنما أصيب بخيبة أمل من "الإنسانية"، وفضَّلَ عدم التواصل او التحدث!

ولكن بالرغم من الحدود النفسية السقيمة التي أجبرته عليها إنسانيته المعذبة، فإنَّ الميراث الذي تركه، قد تجاوز مجرد الحفاظ على الموسيقى الأرمنية، حيث تمكن من إعادة تعريف الهُويَّة الثقافية للأرمن من خلال الموسيقى، ووضع الأسس التي قامت عليها الموسيقى الأرمنية الحديثة، كما أدَّت جهوده المثابرة إلى تأسيس المدرسة الوطنية الصوتية والآلاتية الأرمنية، التي أصبحت فيما بعد أحد أعمدة الهوية الموسيقية للأمة.

وقد أصبح "كوميتاس" عن استحقاق أليم، رمزًا لمعاناة الشعب الأرمني، حيث جسدت حياته التوترات والصراعات التي مر بها الأرمن في تلك الفترة، وكما تؤكد الطبيبة "ريتا كويومجيان" أستاذة الطب النفسي في جامعة "مونتريال"، أنَّ "الناجين من الإبادة الجماعية الأرمنية قد اعترفوا بمعاناة "كوميتاس" الطويلة كرمز لمعاناتهم الشخصية والجماعية، وصنفوه بين الشهداء الأرمن.

وقد انساب إبداع هذا الشهيد النفسيّ الأرمنيّ في أغانيه وألحانه، بتدفقٍ ما زال حاضرًا حتى اليوم في وجدان الشعب الأرمني، حيث تُغنَّى في المناسبات الوطنية، وفي ذكرى الإبادة الجماعية في 24 أبريل من كل عام، فالإرث الذي خلَّفه يُمثِّل وسيلة لتواصل الأرمن مع ماضيهم الثقافي وتاريخهم المُعقد، بل إنَّ أعماله تمتاز بأعلى التأثيرات الفنية الإنسانية التي تلامس وجدان أي مستمع في الأرض.

لقد كان "كوميتاس" شخصية مركزية في إحياء الثقافة الأرمنية، ليس فقط كموسيقيّ وعالم موسيقى، بل كرمز للأرمن في نضالهم من أجل البقاء والهُويَّة، فقد ترك إرثًا عظيمًا للأمة الأرمنية وكل البشرية، حيث ساهم في الحفاظ على آلاف الأغاني التقليدية التي كانت ستندثر لولا جهوده.

ومن خلال موسيقاه، استطاع تقديم صوت الشعب الأرمني إلى العالم، حتى في أحلك لحظات تاريخهم، ويُعدّ اليوم بطلاً ثقافيًا ورمزًا للشعب الأرمني، ليس فقط بسبب عمله في الموسيقى، بل لأنَّه كان جزءًا من نضالهم للبقاء والتعبير عن هوُيَّتهم المتحدية للطمس والمآسي.

وفي مساعيه لإحياء التراث الموسيقيّ، لم يقتصر دور "كوميتاس" على جمع الأغاني فقط، بل أعاد توزيعها وتكييفها لتكون ملائمة للعروض الحديثة، وكما ذكر "كاثوليكوس فازجين الأول"، فإنَّ "كوميتاس" كان للموسيقى الأرمنية بمثابة "ميسروب ماشتوتس"، الذي اكتشف الحروف الأرمنية وقدَّم اللغة الأرمنية إلى أمته والعالم، حيث قام "كوميتاس" بالكشف عن المصدر الأصلي للموسيقى الأرمنية وتنقيته، والكشف عنه، وتوزيع ضوء لشعبه والعالم.

وبينما كان حلم "كوميتاس" بإنشاء معهد موسيقي في "أرمينيا"، ليكون بمثابة مركز للحفاظ على الموسيقى الأرمنية قد توقف في حياته المهنية بسبب الرفض، إلا أنَّه نواة هذا الحلم تحققت لاحقًا في عام 1923م، أثناء فترة مرضه وإنعزاله عن العالم، حيث افتتح معهد "يريفان" الموسيقي كمؤسسة للتعليم الموسيقي العالي، وسُميّ لاحقًا باسمه تكريمًا لإسهاماته العميقة في حفظ التراث الموسيقي الأرمني وتأسيس وعيه الحديث .

لقد صمت "كوميتاس" لكن جاء حلمه وليده في الوقت المناسب ليتحدث بدلًا منه، فيعبِّر عنه ويَعبر به من ظلمات السكون إلى نبض التعبير والإبداع، حتى وإن كان ذهنيًا لم يدرك ذلك حينها، ومنعته عزلته النفسية من أن يشهده ويفرح به!

ومنذ تأسيس هذا المعهد، كان ثمره الإبداعي تحت اسم "كوميتاس" غزيرًا وذو قيمة عالية، فقد خرَّجَ العديد من الموسيقيين البارزين الذين ساروا على خطاه، مثل "أرنو باباجانيان" و"تيغران منصوريان"، مما أدى إلى انتشار الموسيقى الأرمنية عالميًا.

ولقد استمر إرث "كوميتاس" بعد وفاته، من خلال أعماله الموسيقية المدونة وتأثيره العميق في تطور الغناء الجماعي الأرمني، إذ أسهمت معالجته للأغاني الشعبية وتنسيقاته الصوتية، إلى جانب الجوقات التي أسسها ودرَّبها، في وضع الأسس الفنية التي انطلقت منها حركة الكورال الأرمني الحديث، وامتدت آثارها إلى أجيال من الموسيقيين الأرمن.

كما واصل تلاميذه ومحبوه نشر أعماله وإحياء رؤيته الفنية، ليغدو إرثه الوطني وصدقه التعبيري حاضرًا في الوجدان الموسيقيّ العالميّ، ممتدًا عبر الزمن بوصفه شهادة على روحٍ فنيةٍ مخلصة للأرض والإنسان، ودليلًا على وفاءٍ فنيٍّ وإنسانيٍّ استمر حضوره حتى بعد رحيله.

وأخيرًا، لم يكن "كوميتاس" ذا موهبةٍ أنانية أبدًا، ولا حتى رائجة التوظيف، إذ لم ينفرد بإنتاجه الإبداعي عن شعبه وبيئته وهويته، أو حتى استخدمها بروحٍ أرمنيةٍ مع تسخيرها لمجده الشخصيّ! بل كرَّس موهبته في خدمة أرمينيا ماديًا ووجدانيًا، وذاب في استثمارها لأجلها، عاملًا على جعلها امتدادًا حيًّا للذاكرة الموسيقية الجمعية.

لم يكن "كوميتاس" مؤثرًا موسيقيًا عاديًا، إذ لم يكن مجرد جامعٍ للتراث الموسيقيّ، ولا مؤلفًا تقليديًا بالمعنى الكلاسيكيّ، بل تجلَّى إبداعه في تحويل المادة الشعبية والكنسية إلى بناء موسيقيٍّ واعٍ، جَمَع فيه بين التوثيق والتشكيل الفنيّ في آنٍ واحد.

وفي ختام استعراض هذا الإرث "الكوميتاسيّ" الثمين، تتجلَّى هنا ملامح رؤية تتجاوز حدود الموسيقى إلى جوهر الإنسان ذاته! حيث يمتزج الحسّ الوطني العميق برهافة الشعور الإنساني، في تجربة فنية كوَّنت علاقةً حيَّةً تتجاوز التعبير الجمالي إلى بناء الذاكرة والكينونة معًا.



#إيرينى_سمير_حكيم (هاشتاغ)       Ereiny_Samir_Hakim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -كوميتاس- حارس الهُويَّة والسفير الموسيقيّ للثقافة الأرمنية
- المُشاركة في آلام المسيح
- مَن هو -نونيز- ولماذا أُحِب -نونيز-؟
- كَشف العُنف الرمزي للختان على الجسد الأنثوي في كتاب -أقنعة ا ...
- في كتاب *أقنعة الختان المختلفة* تجد ما لا تعرفه عن *الختان*
- يا رايح -ترشيش- مشوارك على مفيش!
- تحت الطوفان
- المجد للقائم من بين الأموات
- مريمات القلب
- المسيح بين عرفات والصباح الجزء الثاني
- بين الغروب والليل .. شمس
- المسيح بين عرفات والصباح!
- توما أغسطينوس دوستويفسكي .. امنعوا الشك
- هزالة المراحل الانتقالية!
- سيركية الساحات الثقافية ومَسرحتها
- الثبات الانفعاليّ للإيمان
- محطات الموت وميكانيزمات النجاة
- الحجارة وأولاد إبراهيم
- لا تتركوا الحياة لقَتَلة الحياة
- يا صخرة جثسيماني


المزيد.....




- المطران عطاالله حنا: سيبقى الصوت المسيحي في هذه الديار صوتًا ...
- حرس الثورة الاسلامية: اعتقال 155 جاسوساً بينهم 4 يتبعون للمو ...
- سلاح الطائفية: كيف يحاول الاحتلال تفكيك النسيج اللبناني لفرض ...
- صوت من الجنة: رحيل الشيخ ناجي القزاز.. قيثارة السماء
- جدل في مراكش عقب أداء سياح يهود صلوات تلمودية أمام أسوار الم ...
- إدانة عربية وإسلامية واسعة لانتهاكات الاحتلال في القدس وتوسع ...
- يهودي يُحتجز بسبب علمين على -كيباه- يرتديه.. والشرطة الإسرائ ...
- الإسلام الديمقراطي في تونس: قراءة في -المأزق الكافكوي- وصراع ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا آلية هامر إسرائيلية ع ...
- القدس.. إسرائيل توافق على إنشاء مدرسة يهودية متشددة في الشيخ ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إيرينى سمير حكيم - في ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن..نذكر كوميتاس: حارس الهُويَّة والسفير الموسيقيّ للثقافة الأرمنية