أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إيرينى سمير حكيم - هل آن الأوان لإنهاء اختيارية الثقافة النفسية؟














المزيد.....

هل آن الأوان لإنهاء اختيارية الثقافة النفسية؟


إيرينى سمير حكيم
كاتبة وفنانة ومخرجة

(Ereiny Samir Hakim)


الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 02:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم يعد ممكنًا النظر إلى ما يحدث حولنا باعتباره مجرد ظواهر متفرقة أو أحداث عابرة، فكثافة الحضور الاكتئابي بين الكبار، الشباب، المراهقين وحتى الأطفال لم تعد خفية، بل أصبحت ملموسة في تفاصيل الحياة اليومية، في تعابير نتاج معايير مشوَّشة لقيمة الحياة والإنسان، في إنعاكاسات لتيه داخلي وتضليل وعي خارجي، سببه الانسياق خلف غير مؤهَّلين للنصيحة وغير متخصصين للتنوير، منتشرين على منصات للتواصل الاجتماعي تهدف لجماهيرية الربح لا حقًا لنشر الوعي، بل أصبحت في جوهرها تهدم التواصل الاجتماعي! بالتوازي، يتزايد شيوع حوادث الانتحار مؤخرًا، وتتصاعد معدلات العنف بأشكاله المختلفة، من قتل إلى اعتداءات لفظية وجسدية، وكأنَّ هناك خللًا داخليًا يتسع دون أن نلتفت إليه بجدية كافية.

ورغم كل ذلك، لا تزال الثقافة النفسية تُعامَل كأنَّها اختيار شخصي، أو رفاهية يمكن تأجيلها! أو شأن خاص لا يستدعي التعميم. وهنا تكمن المفارقة، إذ نواجه نتائج الإهمال النفسي يوميًا، لكننا لا نتعامل مع أسبابه بنفس الحسم.

والحقيقة أنَّ معرفة النفس واحتياجاتها وأمراضها لم تعد ترفًا فكريًا، ولا تخصصًا مقتصرًا على العيادات أو الكتب الأكاديمية، ولا حتى احتياجًا فلسفيًا لنخبة من المهتمين. بل أصبحت ضرورة إنسانية بحتة. ضرورة لا تقل أهمية عن الشبع، ولا عن الصحة، ولا عن الستر!

فكما يحتاج الجسد إلى غذاء، تحتاج النفس إلى إشباع. وكما يحتاج الإنسان إلى ستر مادي يحميه من العري، تحتاج النفس إلى ستر من عُري ضعفها وهشاشتها. وكما نحرص على علاج الجسد إذا مرض، فإنَّ النفس أيضًا تحتاج إلى رعاية، وترميم، وفهم عميق لما يعتريها من صدمات وضغوط.

المشكلة هنا، ليست في غياب المعلومات، بل في غياب الاعتراف. في كون هذه المعرفة لا تزال تُترك للاجتهاد الفردي، أو للصدف، أو لمن "يضطر" إليها بعد أن تتفاقم أزماته. بينما الأصل أن تكون هذه المعرفة مُعمَّمة، ومُيسَّرة، ومُدمجة في الحياة اليومية، بطرق مباشرة وغير مباشرة.

أن يتعلم الطفل منذ صغره تسمية مشاعره، وأن يفهم المراهق ما يحدث داخله دون خوف أو خجل، وأن يمتلك الشاب أدوات للتعامل مع الضغط والفشل والخسارة، هذه كلها ليست رفاهية تربوية، بل وقاية إنسانية.

ولكي تتحول الثقافة النفسية من "اختيار" إلى "أساس"، لا يكفي الوعي النظري، بل نحتاج إلى إدماجها بشكل فعلي في بنية المجتمع. ويمكن أن يتم ذلك عبر إدخال مبادئ الصحة النفسية ضمن المناهج الدراسية كمهارات حياة حقيقية، وتوفير مختصين نفسيين في المدارس والجامعات بصورة فعَّالة، وتنظيم مساحات منتظمة للحديث عن الضغوط والتحديات في بيئات العمل. في المقابل، يمكن ترسيخها بطرق غير مباشرة من خلال خطاب إعلامي أكثر وعيًا يكسر وصمة الحديث عن النفس، مستندًا إلى مرجعية تخصصية جادة، وأعمال فنية تعكس الصراعات النفسية بعمق، وثقافة أسرية تسمح بالتعبير عن المشاعر دون خوف أو إنكار.

لأن ما نعتبره اليوم "وعيًا إضافيًا"، هو في الحقيقة خط الدفاع الأول ضد الانهيار. وهو فرصتنا في فهم ذواتنا وفهم الآخر، مما يُرسي أساسيات أمان المجتمع وسويته.

وبهذا فإنَّ الإصرار على بقاء الثقافة النفسية في خانة "الاختيار" لم يعد مجرد تقصير، بل أصبح خطرًا. لأنَّ ما لا نفهمه في داخلنا وفي الآخر، قد يخرج في صورة ألم، أو عنف تبادلي!



#إيرينى_سمير_حكيم (هاشتاغ)       Ereiny_Samir_Hakim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حماية إنسانية الأطفال في عصر الذكاء الاصطناعي
- في ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن..نذكر كوميتاس: حارس الهُويَّ ...
- -كوميتاس- حارس الهُويَّة والسفير الموسيقيّ للثقافة الأرمنية
- المُشاركة في آلام المسيح
- مَن هو -نونيز- ولماذا أُحِب -نونيز-؟
- كَشف العُنف الرمزي للختان على الجسد الأنثوي في كتاب -أقنعة ا ...
- في كتاب *أقنعة الختان المختلفة* تجد ما لا تعرفه عن *الختان*
- يا رايح -ترشيش- مشوارك على مفيش!
- تحت الطوفان
- المجد للقائم من بين الأموات
- مريمات القلب
- المسيح بين عرفات والصباح الجزء الثاني
- بين الغروب والليل .. شمس
- المسيح بين عرفات والصباح!
- توما أغسطينوس دوستويفسكي .. امنعوا الشك
- هزالة المراحل الانتقالية!
- سيركية الساحات الثقافية ومَسرحتها
- الثبات الانفعاليّ للإيمان
- محطات الموت وميكانيزمات النجاة
- الحجارة وأولاد إبراهيم


المزيد.....




- الملكة رانيا تحتفل بذكرى زواجها الـ 33 من العاهل الأردني
- -سنهاجمهم بقوة-.. ترامب يعلن عزمه توجيه ضربات جديدة إلى إيرا ...
- ترامب: سنضرب إيران بقوة شديدة اليوم
- سنتكوم: تعطيل ناقلة نفط حاولت كسر الحصار المفروض على إيران
- نشر صورة للدكتور حسام أبو صفية خلال محاكمته تظهر عليه آثار ا ...
- يتولى -منصباً حساساً-.. مقتل مسؤول عسكري روسي بارز في تفجير ...
- ترامب: الاتفاق مع إيران جاهز بالكامل وطهران تواصل المماطلة
- تعيين الفريق أول ألكسندر تشايكو قائدا للقوات الجوفضائية الرو ...
- القيادة المركزية الأمريكية تعلن تعطيل ناقلة نفط في خليج عُما ...
- وزير إسرائيلي يتهرب من الإجابة عن سؤال حول استسلام تل أبيب ل ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إيرينى سمير حكيم - هل آن الأوان لإنهاء اختيارية الثقافة النفسية؟