أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - عن الزلزال… سألوني!














المزيد.....

عن الزلزال… سألوني!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 11:41
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    




بحكم دراستي للهندسة المعمارية، أعرفُ كيف تتوزعُ الأحمال على الخرسانة المسلحة، وكيف تنتقل الأوزانُ من السقف إلى الكمرات، ثم إلى الأعمدة، ومن ثمّ إلى الأرض. وأعرف يقينًا أن ذراعين من لحم ودم لن تحملا سقفًا إذا انهار. ومع هذا ظللتُ عامين كاملين أنام وأنا أشيّد لطفلي كهفًا من جسدي وذراعي، لكي أحميه من الزلازل وتوابعها.
كان ذلك في خريف ١٩٩٢، حين اهتزت مصرُ بذلك الزلزال الأشهر، الذي حصد مئات الأرواح، وأصاب الآلاف، وشرّد عشراتِ الآلاف. كنتُ أتهيأ للأمومة في شهري الأخير من الحمل بابني الأول “مازن”. كنتُ وزوجي قد أعددنا غرفتَه، لوّنا جدرانها، ورتّبنا سريرَه وألعابه، وحتى مكتب مذاكرته. ووضعنا فوق سريره جهاز لاسلكي لأسمع بكاءه ليلا من غرفتي، فأهرع إليه. لكن الغرفة بقيت فارغة أعوامًا، لأنني لم أجرؤ على تركه ينام بعيدًا عني. بعد الزلزال، ظلَّ الناسُ لشهور يروون قصص الذين ظلّوا تحت الأنقاض أيامًا. وعن "أكثم"، الشابّ الذي علِق تحت الأرض مع أسرته، وكيف رآهم يموتون أمام عينيه واحدًا في إثر واحد؛ بسبب العطش ونقص الأكسجين. وظلت نشرات الأخبار وخبراءُ الزلازل يرددون كلمة: “التوابع”. وكانت الكلمة وحدها كافية لإيقاظ الرعب في القلوب، كلما انطفأ. بعد شهر، حملتُ مولودي بين ذراعي، وفهمت لأول مرة في حياتي معنى خوف أم على وليدها. شيءٌ لا تستوعبه مجلداتُ العالم، وتضيقُ به لغاتُ الأرض؛ لكي يُروَى. هذا الكائنُ الصغير بين يدي، أدفعُ عمري كلَّه نظيرَ ألا يتألم، ولو بخدش طفيف. بدت لي الدنيا أصغرَ من أن تحتمل رقّةَ هذا الكائن، وأوسعَ من أن أستطيع حمايته في جميع أرجائها.
لهذا، كلما سمعتُ كلمة "زلزال"، لا أتذكّر مقياس ريختر، ولا طبقات الأرض المنزلقة، ولا الخرائط التي ترسم خطوط الصدوع، وتحركات الصفائح. فقط أتذكّر ذراعيْ أمٍّ صغيرة، كانتا لمولودها عمودًا وكمرة. كان زوجي، أستاذ العمارة بهندسة عين شمس، يضحك من تصرّفي الطفولي، وكأنه حزينٌ على طالبةٍ علّمها لسنواتٍ أصولَ الهندسة الإنشائية، فنسيتْ ما تعلمتْه وجعلتْ من ذراعها النحيل سقفًا! وكنت أعرفُ حجمَ العبث في تصرفي، لكن المعرفة شيء، والأمومة شيء آخر. الأم خُلقت لكي تتلقى الضربة الأولى قبل أطفالها. بكل براءة الأمومة وعِنادها النبيل، قرّرتُ أن السقفَ إذا انهار، فعليه أن يسقط على ذراعي أولًا، لا على طفلي. على الأقل يكون جسدي أولَ ما يمسُّ وجهَ طفلي، وليس الطوب والخرسانة والحديد. وظل "مازن" ينام في حضني سنواتٍ. ولم يدخل غرفته إلا مع شقيقه الأصغر "عمر"، بعدما كبرا وصارا يركضان ويلعبان. أو بعدما غادر رعبُ الزلزال قلبَ أمومتي.
ومنذ أيام، عاد الزلزالُ بكامل ثقله. ولم يكن "مازن" بطلَ الحكاية هذه المرة. فقد صار شابًا يعيش مع زوجته الجميلة “فاطمة الزهراء”. كان "عمر" هو بطلَ أمومتي هذه المرة. الثالثة فجرًا. كنت أجلس في غرفة مكتبي، أعملُ على مجموعتي القصصية الجديدة: "مريم عنقود العنب"، حين شعرتُ بالمكتب يهتز، والكتب تتساقط من رفوف المكتبة فوق رأسي. هرعتُ إلى غرفة "عمر" وكان في عمق نومه، أيقظته بلهفة، وجررته إلى الشارع وأنا أصنع من يدي مظلةً فوق رأسه، بنفس عبثية الأم التي كنتُها قبل ثلاثين عامًا، مع طفلي الأول.
الأرضُ تتغير، وخرائطُ الزلازل تتبدّل، وأجهزة الإنذار تتطور، لكن قلبَ الأم يظل عصيًّا على التغير. يظل الكائنَ الأوحد الذي لا يعترف بقوانين الفيزياء، ولا مراكز الثقل، ولا نظريات العمارة، ومواد البناء، ونقاط الخضوع. قلبُ الأم، إذا ما تعلّق الأمر بأطفالها، يظن أنه أصلب من الإسمنت، وأقوى من الأعمدة، وأوسع من السماء.
الشاهدُ أن الأمَّ التي صنعت من ذراعيها سقفًا لطفلها، لم تكن تحميه من الزلزال، بل كانت تحمي فكرتها النبيلة عن الأمومة. لهذا، حين قرأتُ عن الأم التي توقّف قلبُها خوفًا على أطفالها وقت الزلزال، لم أندهش. تمزّق قلبي حزنًا عليها، لأنني أدركُ جيدًّا حجم الرعب الذي ضربها، حين داهمها وجهُ عجزها عن حماية رؤوس أطفالها من انهيارات الأسقف.
مقامُ الشعر:
لابد أن يدركَ الأطفالُ / أن الهواءَ الذي يملأ البالونات / مخصومٌ من رِئات ِ الأمهات.
مقامُ السؤال:
إذا كانت الأرض ترتجف من حين إلى آخر، فما الذي يجعل قلب الأم ثابتًا أمام الكوارث؟ وإذا كان لكل بناءٍ أعمدةٌ تحملُه، فما العمودُ الذي يحمل قلبَ الأم كلما اهتزَّ العالم؟ وأيُّهما أشدُّ صلابةً في مواجهة الزلازل: الخرسانة، أم قلبُ أمٍّ يصنع من جدرانه شرنقةً تخبئ فيها أطفالها؟


***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما
- انتصرت مصرُ… وغادرتْ
- لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها
- شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج
- مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة
- 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع
- الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء
- الاختلافُ… وفنُّ بناء الجسور (3)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (2)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (1)
- في مقام : -علي الحجار-
- ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!
- علمانيون… حين تموتُ الثقافةُ كمدًا!
- الأضحى… أكبرُ من الخوف
- قشور … سيدة البحار


المزيد.....




- ما الذي ينبغي أن تكون عليه الجامعة الإسلامية؟
- الإعلامي باسم يوسف يعلق بطريقة ساخرة على حفل عمرو دياب الأخي ...
- موضة -التكفير- لدى التيارات الدينية في إسرائيل
- تصعيد واسع في الضفة: إصابات في طوباس وهجمات للمستوطنين تطال ...
- تدهور الوضع الأمني والاقتصادي بالضفة الغربية يدفع المسيحيين ...
- نزيف الهجرة يهدد الوجود المسيحي في الضفة الغربية: تحذيرات من ...
- بدون انقطاع.. تردد قناة طيور الجنة 2026 الجديد على نايل سات ...
- أغاني البيبي المفضلة.. تردد قناة طيور الجنة 2026 Toyor Al-Ja ...
- بدون انقطاع.. تردد قناة طيور الجنة 2026 الجديد على نايل سات ...
- بدون انقطاع.. تردد قناة طيور الجنة 2026 الجديد على نايل سات ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - عن الزلزال… سألوني!