أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - وجدي حسن جميل - قراءة في اوراق -جيفري مورتون-- قائد شرطة جنين بالثورة الفلسطينية الكبرى: عندما اطاح الثائر يوسف الحمدان بالعنصري الحاقد -وينجت- من منطقة جنين1939/1938















المزيد.....


قراءة في اوراق -جيفري مورتون-- قائد شرطة جنين بالثورة الفلسطينية الكبرى: عندما اطاح الثائر يوسف الحمدان بالعنصري الحاقد -وينجت- من منطقة جنين1939/1938


وجدي حسن جميل

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 14:43
المحور: القضية الفلسطينية
    


إضافة الى كتاب مذكراته الذي صدر في العام 1957 والذي حمل عنوان "العمل المطلوب تماماً" أو "المهمة على أكمل وجه". “Just The Job” -ترك "جيفري مورتون" (الفلاحون الفلسطينيون اسموه "مارتين") قائد شرطة جنين التي اطلق عليها لقب رأس "مثلث الإرهاب" الممتد من نابلس وطولكرم وجنين خلال الفترة بين أيار/مايو 1938لغاية 1940 – ترك مجموعة كبيرة من الأوراق الخاصة محفوظة في Imperial War Museums (IWM) (متاحف الحرب الإمبراطورية في لندن) -تُنشر هنا لأول مرة- وتضيف الكثير من المعلومات غير تلك التي وردت بكتاب مذكراته.
كانت قضية اعتقاله -بالصدفة- للقائد الفلسطيني الثائر الفحماوي يوسف الحمدان (نائب يوسف أبو درة في منطقة جنين وام الفحم) وأثر ذلك في استبعاد الإنكليزي -الصهيوني- الحاقد على العرب الفلسطينيين – "أورد وينجت"، من العمل بمنطقة جنين- كانت احدى اهم القضايا التي سجلها بأوراقه الخاصة ومذكراته.
****
بعد مدة قصيرة من اغتيال "و. س. موفات (Moffat) مساعد الحاكم العسكري لمنطقة جنين صباح يوم 23/8/1938 نجحت "القوات الإنجليزية" في اعتقال يوسف الحمدان: "اذكى قائد في الثورة الفلسطينية" كما وصفه موفات بنفسه، قرب منطقة "عيون الذر" بالمنسي بالقرب من قرية اللجون الفحماوية.
تزخر أوراق مورتون – وكتاب مذكراته- بمعلومات عن قصة الاعتقال العجيبة التي جاءت بمحض الصدفة البحتة. وننقل هنا النص الكامل الذي ورد بأوراقه الخاصة وتنشر هنا لأول مرة. يقول مورتون:
"في 10 أغسطس 1938، أقام فوج الحدود كميناً ليلياً على طريق فرعي قبالة طريق العفولة — وهو طريق يُعرف بكثرة استخدام العصابات العربية له. وبضربة حظ، مرت مجموعة من ثلاثة عرب — اثنان منهم على متن خيول وواحد يسير على قدميه. وعندما هددتهم القوة، استدار الخيالان وفرّا في الظلام، بينما سقط الرجل الذي كان يسير على قدميه إلى الأرض. أطلق الجنود النار باتجاههم، لكنهما تمكنا من الهرب.
ولدهشتهم، وجد أعضاء الدورية أن أسيرهم كانت يداه مربوطتين خلف ظهره وحبل ملفوف حول عنقه، وكان طرفه الآخر بالتأكيد بيد أحد الخيالين. أحضروه إلى جنين وسلّموه لي. وبعد حديث طويل معه، أخذت منه إفادة — وهي إفادة مكونة من عشر صفحات.
كان اسمه سعيد الزريقي؛ وكان —في السابق— قيادياً فرعياً في تنظيم (يوسف) أبو درة، لكنه اختلف مع قائده حول مسائل السياسة و(أساليب) العمل — وبشكل خاص، كما قال، اختلفا على سياسة إطلاق النار على أي عربي لا يعجبهم شكله حسب رأيه، ونتيجة لذلك حكمت عليه (الثورة) بالقتل والإعدام. وبالتالي فإن كمين فوج الحدود (الإنجليزي) قد أنقذ حياته بالفعل، إذ كان في طريقه إلى مكان إعدامه.
أخبرني أن الرجل المسؤول عن مجموعة الإعدام هذه كان يوسف حمدان، الرجل الثاني في قيادة أبو درة، والذي سمعت عنه الكثير.... خلال حديثنا، زودني سعيد بكم هائل من المعلومات حول التنظيم، والعادات، والأنشطة، وشخصيات العصابات المحلية، بما في ذلك أسماء مالكي البنادق وتفاصيل أسلحتهم.
قررت إبقاءه تحت الحفظ في مركز الشرطة — وهو ترتيب كان سعيداً جداً بالموافقة عليه.
في يوم الأحد 14 أغسطس، وقع اشتباك مع عصابة مسلحة مكونة من 12 شخصاً، ونتيجة لذلك قُتل سبعة وأُسر أربعة، اثنان منهم مصابان. كما ألقيت القبض بالقرب من المكان على شخص سوري تبين لاحقاً أنه المسلح الذي ذهب مع يوسف حمدان للتخلص من سعيد الزريقي. وجهت إليه رسمياً تهمة حيازة أسلحة نارية بشكل غير قانوني، وهي تهمة عقوبتها الإعدام في تلك الأيام، وتختص بها المحكمة العسكرية، وأرسلته إلى سجن عكا بانتظار المحاكمة. وعلى أي حال، فإن كونه سورياً يعني تلقائياً أنه عضو في عصابة مسلحة، إذ لم يكن هناك سبب آخر لوجوده في تلك المنطقة.
ناقشت معلومات سعيد باستفاضة مع "موفات" – مساعد حاكم جنين العسكري- واسترعى انتباهي أنه يعرف الكثير عن يوسف حمدان. ربما أكثر من اللازم...بعد أسبوعين اغتيل موفات بينما كان يجلس في مكتبه فوق مركز الشرطة.
في 1 سبتمبر، بدأت المحاكمة ضد الرجل السوري في المحكمة العسكرية في حيفا وأُجلت، بعد سماع جزء منها، إلى اليوم التالي. في ذلك اليوم، 2 سبتمبر، غادرت جنين مبكراً مع مرافقي العربي والسيرجنت البريطاني جون بولمان، الذي كان أيضاً شاهداً رئيسياً ضد المتهم. ورغبة مني في مناقشة عدة أمور مع بولمان، جلست في المقعد الخلفي معه وتركت مرافقي يقود السيارة.
وعندما مررنا بمجدو، وتلك التلة التاريخية القديمة على يسارنا ومرج ابن عامر يمتد على يميننا، لاحظت اثنين من الخيالة العرب الذين يظهر أنهم عبروا الطريق أمامنا للتو وكانوا يسيرون باتجاه العفولة. انتابني الفضول لمعرفة هويتهما، فأوقفت السيارة وناديت عليهما ليعودا. بدا أنهما لم يسمعاني، وواصلا طريقهما دون عجلة. أخذت البندقية التي أحملها عادة في السيارة في مثل هذه المناسبات، وأطلقت رصاصة أمام طريقهم. هذا "نبههم" إلى وجودنا، واستجابوا لتوجيهاتي بالعودة إلى الطريق. كان أحدهما يرتدي ملابس عربية من أجود أنواع الأقمشة، والآخر كان خادمه بوضوح. أخبرني أنه من غزة، وكان يزور أقارب له في المنطقة. كان الوقت يداهمنا، ولأتمكن من استجوابه بشكل أكبر، أجلسته في المقعد الأمامي بجانب السائق، وتركت الخادم ليعتني بالخيول.
تعطلت رحلتنا مرة أخرى عندما صدم سائقي، في حالة من التوتر والارتباك لم تكن من عادته، حماراً ركض عبر الطريق وقتله. وعندما وبخته لعدم توخيه الحذر، تدخل "ضيفي" بمنتهى الأدب ورجاني ألا أقسو عليه.
خلال بقية الرحلة تحدثنا معًا بإسهاب، لكنني لم أنجح في زعزعة قصته ولو قليلاً، بل وجدته رجلاً مثقفًا ومرافقًا مقبولًا للغاية. كنت مقتنعًا أن رفيقي كان شخصًا مهمًا – شخصًا، في الواقع، كان يجب أن أعرفه – وكنت مصممًا على اكتشاف هويته الحقيقية في أقرب وقت ممكن.
عند الوصول إلى حيفا، دعوته إلى الاستراحة قليلاً في السجن المركزي في مركز الشرطة (بحيفا) حتى تنتهي قضيتي، ثم كنت سأكون سعيداً بأخذه معي بالعودة إلى جنين، مؤكداً له في نفس الوقت أنني سأستفيد طوال اليوم من متعة صحبته لتخفيف رتابة رحلة العودة. أعطاني نظرة حزينة، لكنه تقبل قرار "حبسه" برضا، وسارعت إلى المحكمة العسكرية لتقديم شهادتي.
أودعت الغريب اللبق في نوبة حراسة حيفا وسارعت إلى المحكمة العسكرية. وفي منتصف تقديم شهادتي، سُلّمت مذكرة عاجلة من "بن شو"، الضابط المسؤول عن قسم مدينة حيفا. كانت المذكرة تقول (بشكل قاطع ومباشر): "ما الذي تفعله بحق السماء! كيف تضع يوسف حمدان في نوبة الحراسة الخاصة بي دون إخباري أو إخبار أي شخص آخر؟". اعتقدتُ حينها أن هذا هو سبب توتر سائقي، لا بد وأن السائق قد تعرّف عليه!
عندما انتهت القضية — وصدر الحكم على المتهم بالإعدام — سارعت بالعودة إلى مركز الشرطة المركزي، حيث توجد نوبة الحراسة، لأجد أن جميع أنواع الاستعدادات العاجلة قد اتُخذت تحسباً لمحاولة إنقاذ محتملة. قال بن شو إن المدينة كانت تغلي. كانت كل حيفا في حالة من الإثارة بشأن اعتقاله. تقارير من مصادر عدة أفادت بأن خططاً كانت تُعد بالفعل للهجوم على مركز الشرطة المركزي في محاولة لإنقاذه.
أعدت يوسف الحمدان إلى جنين بالطريقة ذاتها التي أحضرته بها إلى حيفا — بسيارتي الخاصة، مقوداً بسرعة، ودون حراسة إضافية.
كانت لدي بالفعل جميع الأدلة التي أحتاجها لضمان إدانته بجريمة عقوبتها الإعدام، لذا وجهت إليه التهمة رسمياً ونقلته إلى سجن عكا بانتظار المحاكمة.
يتابع مورتون بأوراقه الخاصة:
في الساعة 6 صباحاً يوم 9 سبتمبر، غادرت إلى رمانة للتعامل مع حادثة مقتل مختار تلك القرية على يد (أبو درة)، لكني عدت لتناول الغداء في وقت مبكر (بالنسبة لي) في الساعة 1 ظهراً لأن الجيش أخبرني أن كابتن يُدعى "وينجيت" (Orde Wingate) يريد رؤيتي. بدا لي هذا غريباً، لأنه لم يكن — حسب علمي — ضابطاً في فوج الحدود، وبحلول ذلك الوقت كنت معتاداً على التعامل مع عقداء ورقباء بدلاً من مجرد نقباء.
ومع ذلك، أُدخلتُ لمقابلته حسب الأصول في مكتب بمخيم الجيش، ووجدته رجلاً منحني الكتفين، وجهه شاحب يشبه الجثة، يرتدي سترة سفاري رثة، وأحذية صحراوية رثة بنفس القدر (معروفة بين القوات باسم "متسللي البغاء")، وأقذر خوذة استوائية مشوهة رأيتها في حياتي تُرتدى بالفعل. لو تجرأ أحد رجال الشرطة التابعين لي بالظهور بخوذته بتلك الحالة، لكان قد أُحيل فوراً للمحاكمة بتهمة الإضرار العمد بالممتلكات الحكومية وأُجبر على دفع ضعف تكلفة استبدالها.
طُلب مني الإجابة على أسئلة الكابتن وينجيت بحرية، وهذا ما فعلته. إلا أنه تولد لدي انطباع بأنه أُمر بالمجيء لرؤيتي، ولكن كان الأمر بالنسبة له بمثابة ملل مطلق وهدر كامل لوقته الثمين، فمن الواضح أنه شعر بأنه ليس لديه ما يتعلمه مني. طرح عليّ بضعة أسئلة عابرة وغير منظمة عن أبو درة وأنشطة العصابة بشكل عام، لكنه تجاهل جميع المعلومات التي قدمتها واعتبرها غير ذات اهتمام بالنسبة له.
عندما رويت لقائد فوج الحدود، تفاصيل المقابلة لاحقاً، كان مندهشاً مثلي تماماً حول السبب الذي جعلنا نحظى بشرف حضور هذا "الرجل"، الذي على الأقل من خلال مظهره، لم يعكس سوى القدر القليل من الشرف على الفوج الذي يزعم ارتداء زيه. لكن كانت لدي أمور أخرى أكثر إلحاحاً لأهتم بها، وسرعان ما استبعدت الكابتن أورد وينجيت، من المدفعية الملكية، من تفكيري.
بعد بضعة أيام — في 15 سبتمبر — تلقيت إشارة صدمتني. أفادت بأن يوسف حمدان، الذي كنت أعتقد مخلصاً أنه محتجز بأمان بسجن عكا، قد فر من حراسة عسكرية! حراسة عسكرية؟ ما علاقة الجيش به على أي حال؟ ها هو رجل — شخصية مهمة جداً في الهيكل القيادي للثورة العربية — ينتظر المحاكمة بتهمة عقوبتها الإعدام، والجيش الذي لم يكن ينبغي أن يقترب منه، يأخذه ويسمح له بالفرار! كان الأمر لا يصدق، ولم أصدقه.
هرعت إلى حيفا للمطالبة بمقابلة قائد اللواء، العميد جاك إيفيتس، لمعرفة ما الذي يحدث بحق السماء. كان "غير متاح" — فبعد كل شيء، كنت مجرد ضابط برتبة ملازم (ملازم بنجمتين) — لكن ضابط أركان اللواء بُلّغ بوضوح بانتظاري وأُمر بتهدئتي قدر الإمكان. أعرب عن تعاطفه الكبير وتفهمه لمشاعري الغاضبة، واعترف بأنها مبررة تماماً، لكنه أبدى أسفه لأنه تقرر عدم أعطائي أي معلومات حول ظروف الهروب. وكان عليّ أن أقنع بذلك. وهو ما لم أقتنع به بالطبع.
ثم قُيل لي إنه ينبغي عليّ الذهاب لرؤية السيد سبيني. (رودون سبيني، الحاصل على وسام الإمبراطورية البريطانية، كان المزود العام لفلسطين، وكان معروفاً لدى كافة الرتب، في ملف شرطة فلسطين باسم: "أبو شتبوك"، وكان أيضاً يمتلك ويدير متاجر متعددة الأقسام الصغيرة في حيفا والقدس ويافا، حيث يبيع البضائع البريطانية من أعلى درجات الجودة. لقد كان صديقاً جيداً لي، وبطرق عديدة كان بمثابة الأب لي.
وكما قُيل لي، ذهبت لرؤيته؛ وهو أيضاً لم يستطع أو لم يرد إعطائي أي تفسير، بل اكتفى بالتصرف كمطفئ للغضب ومخفف للتوتر، مؤكداً لي أنه من مصلحة جميع الأطراف المعنية عدم الضغط في هذا الموضوع أكثر من ذلك.
الحقيقة كانت — كما علمت لاحقاً، ولاحقاً جداً — أنه ربما بمبادرة من العميد إيفيتس وبتواطؤ من كبار الضباط في الشرطة والإدارة — والسيد سبيني (لماذا السيد سبيني، أتساءل؟ هل كانت فكرته في الأصل؟) — تم أخذ يوسف حمدان من سجن عكا وتسليمه إلى الكابتن أورد وينجيت بناءً على الاعتقاد الساذج بأن يوسف حمدان سيسمح لنفسه بأن يُستخدم كدليل لـ "فصائل الليل الخاصة" اليهودية التي كان يُسمح لوينجيت بتنظيمها آنذاك، لعمل كمين والقبض على أبو درة.
وهذا بالطبع ما وافق عليه (يوسف الحمدان) بسهولة، مع علمه بالمصير الذي كان ينتظره فيما لو رفض التعاون. لكني علمت لاحقاً أنه في المناسبة الوحيدة التي كانت فيها مجموعة من (الثوار) العرب على وشك الوقوع في الفخ، صرخ عليهم وحذرهم فتمكنوا من الهرب بنجاح. وفي النهاية — وبشكل لا مفر منه — فرّ هو أيضا بالفعل من تلك الدورية، وأخبرني العقيد في فوج "أرجيل وساذرلاند هايلاندرز" (الذين جاءوا ليحلوا محل فوج الحدود في جنين) بعد عدة أشهر والعديد من العمليات، أن يوسف حمدان قُتل على يد قوات أرجيل في معركة طاحنة مع عصابته في أم الفحم. (في 17/12/1939)
لقد استأت دائماً من حقيقة أنه لم يتم إبلاغي حتى، ناهيك عن استشارتي، بشأن الاستخدام الذي كان يُقترح إجراؤه لأسيري، ولكن لا شك أن السلطات شعرت أنني كنت سأعارض ذلك. وكانوا على حق. كنت سأعارض بكل القوة التي أملكها.
يستمر مورتون برواية قصة هروب الحمدان:
"كنت أعرف ما يكفي عن يوسف حمدان من محادثاتي معه (التي قمت بفحصها بدقة لمثل هذا الاحتمال) لأكون متأكداً من أنه سيفضل الموت على أن يخون رفاقه. عبّرت عن هذا الرأي للسلطات في حيفا بقوة كما استطعت، ولكن دون جدوى".
ويؤكد مورتون على صدق نضال يوسف الحمدان فيكتب:
"في الواقع، اكتشفت لاحقاً أن "الهروب" تم تنظيمه من قبل قائد اللواء في حيفا، العميد جاك إيفيتس؛ كانت خطة ممتازة من نواحٍ عديدة، وفشلت فقط بسبب النزاهة الرفيعة لشخصية يوسف حمدان نفسه".
نجح يوسف الحمدان بالإفلات من القوات الإنجليزية وعاد للثورة- وفقا لمورتون "بهيبة متزايدة ورؤية جيدة في الأساليب التشغيلية العسكرية، عاد إلى أماكنه القديمة على حدود جنين/حيفا، وازداد نشاط التمرد في المنطقة بشكل فوري. تم في النهاية عرض مكافأة قدرها 500 جنيه إسترليني مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه حياً أو ميتاً؛ وبعد أن ذهبت في إجازة في صيف عام 1939، قُتل في اشتباك مع الشرطة وقوات من جنين، وتم دفع المكافأة للشخص الذي قدم معلومات عن وجوده في العصابة. لقد قبضت عليه مجاناً!"- اقوال مورتون.
سقط يوسف الحمدان شهيدا وبعض رفاقه في آخر معارك ثورة 1936-1939 بكل فلسطين، في معركة ام الفحم (عين جرار /طفوف أبو عويمر) في 17/12/1939 ونشر مكتب الاخبار الحكومي الانكليزي عن المعركة بلاغا جاء فيه:
"اشتبك الجند اليوم بمساعدة الطائرات مع عصابة مسلحة مؤلفة من 15مسلحا وذلك بجوار قرية ام الفحم في قضاء جنين وقد قتل ستة اشخاص من افراد العصابة بينهم رئيسها يوسف حمدان وقبض على سبعة اشخاص آخرين خمسة منهم مصابين بجراح. وقد استولي على الأسلحة التالية: 13 بندقية و3 مسدسات وقنبلة وكمية من الذخيرة".
وكتبت مجلة الفتح المصرية التي نقلت الخبر بعد أيام من المعركة فأنشأت تقول:
"علمت السلطة بأن عصابة مسلحة لجأت الى مكان قريب من (أم الفحم) في الجنوب من حيفا حيث توجد آجام كثيرة، فاتخذت التدابير لمقاومتها، وخفت الى جوار أم الفحم قوة مؤلفة من الجند والطائرات ورجال البوليس، وأحدقت برجال العصابة يوم أول أمس، فوقعت مصادمة بين الفريقين قتل فيها قائد العصابة الشهيد يوسف حمدان وهو من القواد المعروفين، وخمسة آخرون من رجاله ووقع سبعة في الأسر. واستولت القوة العسكرية على 13 بندقية وثلاثة مسدسات وقنبلة ومقدار من الأخيرة وكان عدد رجال العصابة 15 شخصا".
أستشهد البطل...هذا البطل الذي كتب عنه اكرم زعيتر قائلا انه: “المجاهد الشجاع يوسف الحمدان"، ومعه لفيف من اخوانه الابطال.
واكدت وثائق الاستخبارات اليهودية ان يوسف الحمدان ومعه 11 ثائرا استشهدوا في معركة مع القوات الانكليزية، وجاء في التقرير:
"أمس كان يوم الثأر الاكبر ويوم الحساب العسير الذي أنهي درب الالام وسفك الدماء، حيث تم القضاء على يوسف الحمدان ومعظم معاونيه...منذ فترة طويلة انتقل يوسف الحمدان من مكان الى اخر دون ان يجد الراحة لنفسه ولرجاله......جاء يوم السبت حاملا معه كل الخير اذ خرجت اعداد كبيرة من الجنود في سيارات عسكرية الى ام الفحم على رأسها جاسوس عربي، حيث حدث تبادل لإطلاق النار، قتل على أثره ستة من "رجال العصابات" على الفور، اما الستة الباقون فعلى ما يبدو جرحوا وأسرعوا لملاقاة اخوانهم في الجنة، وهرب اثنان".
وجاء في كتاب" العصابات العربية" لمؤلفه اليهودي عزرا دانين ان المدعو احمد ابو زيتون "من قادة الثوار لواء طولكرم" قرر ان يسلم نفسه للانتداب ويتعاون معهم، واختار التعامل مع اليهود في حيفا ووهب نفسه في محاولة تسليم القائد يوسف الحمدان للقوات الانجليزية، وقد كافأه الانجليز على ذلك بمبلغ من المال وان لم يكن كل قيمة المكافأة المعلنة 500 ج، لأنها توزعت على الكثير من المتعاونين الذين تطوعوا على اخبار الانجليز موقع وتحركات يوسف الحمدان.
نقل رفات الشهيد يوسف الحمدان الى قرية اللجون، فيما دفن رفيقه محمد اشتيوي في ام الفحم بجانب ضريح الثائر احمد الفارس تلبية لوصيته.
أدى هروب الحمدان وتغريره بالقائد المغرور "وينجت" (الذي خلدت إسرائيل ذكره بإطلاق اسمه على بعض شوارعها وإحدى مؤسساتها التعليمية) الى صرفه من العمل في منطقة جنين.
يقول مورتون بأوراقه الخاصة: "كان لدى شخص ما في القيادة العليا الفطنة ليقرر أن تبتعد مجموعة وينجت عن أراضي منطقة جنين. وفي هذه الحالة، ركز وينجت بشكل أساسي على دوريات خط أنابيب شركة النفط العراقية، الذي كان يمر عبر سهل العفولة إلى حيفا، والذي كان هدفاً سهلاً ومغرياً للعصابات العربية لثقبه وإشعال النار فيه".
"في عام 1959، نشرت دار "كولينز" سيرة ذاتية تقع في 575 صفحة للكاتب الشهير كريستوفر سايكس، بعنوان أورد وينجت (Orde Wingate) يضم الفهرس ما لا يقل عن ثلاثين إشارة إلى "سرّياته الليلية الخاصة" (Special Night Squads)، وبعض هذه الإشارات يمتد لصفحات عديدة، ومع ذلك لم يحظَ المسكين يوسف حمدان بإشارة واحدة! أمر غريب، وأتساءل عن السبب؛ لكنني أفترض أنها لم تكن من نوع الأحداث التي قد يرغب "وينجيت" بالتفاخر بها". اقوال مورتون.
اما عن مصير سعيد الزريقي، فقد كتب مورتون يقول:
"لقد كان الشاهد الرئيسي في القضية المرفوعة ضد يوسف حمدان، ولكن مع "تهريب" المتهم من التوقيف القانوني، أصبحت محاكمته أمام المحكمة العسكرية أمراً غير ممكن. ومع تراجع أهميته وقيمته بالنسبة لي، وازدياد خطورة يوسف حمدان وهو طليق من جديد، ازدادت إمكانية تعرض الزريقي للاغتيال. لذلك، وفي 8 أكتوبر (تشرين الأول)، وبموافقته وبالتنسيق مع نظيري في حيفا "بن شو (Ben Shaw) أرسلته إلى حيفا لنقله لاحقاً إلى سجن عكا حيث يمكن إبقاؤه آمناً في الوقت الحالي. وتم تسليمه بالفعل في مركز الشرطة المركزي، لكنه لم يكن قيد الاحتجاز، وأثناء انتظاره وسيلة النقل، أخذ على عاتقه أن يقوم بجولة قصيرة سريعة خارج مركز الشرطة "ليستنشق الهواء" (يشم الهوا)، كما يقول العرب. وفوراً، أُطلق عليه النار في صدره وأُصيب بجروح بالغة. ذهبت على الفور إلى مستشفى حيفا لرؤيته، حيث كان تحت حراسة مشددة. كان واضحاً أنه على وشك الموت، وعاتبني لأنني لم أسمح له بالاحتفاظ بالمسدس الذي كان قد "تحصل عليه" في جنين. وكان الوقت قد فات لأوضح له أن امتلاك سلاح في جيبك لا يفعل شيئاً لحمايتك من قاتل مصمم على قتلك. عاتبت نفسي لأنني لم آخذه بنفسي طوال الطريق إلى عكا. لقد كان يمتلك نفس الثقة التي يمتلكها العديد من مخبري الشرطة بشأن حصانتهم وعدم إمكانية المساس بهم. وتوفي في اليوم نفسه".
مصادر:
وجدي حسن جميل، ام الفحم وقراها، رحلة عبر الزمن، كل شيء ناشرون، حيفا، 2025.
جيفري مورتون، مذكرات (بالإنجليزية) “Just The Job”
أوراق مورتون الخاصة في
Imperial War Museums (IWM), Documents.7961, G. J. Morton, CPM, BEM, KPM, 24/10/1, "Jenin (1)."



#وجدي_حسن_جميل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الردة في العمل الوطني الفلسطيني (1940-1945): دراسة في آليات ...
- سقوط حيفا: عندما طلب المفاوضون العرب -الرحيل- من حيفا خلال ا ...
- حتمية النكبة المتوقعة! قراءة في المسببات الذاتية والانهيار ا ...
- موقعة اجنادين العظيمة وتحديد موقعها: الرملة -بيت جبرين ام ال ...
- البحث عن الاثار العربية والاسلامية في قرية اللجون المهجرة
- سامي طه النقابي الفلسطيني الاول (1911-1947) - هل قُتل مظلوما ...
- قراءة في كتاب -صديقة العرب- المسز نيوتن- خمسون عاما في فلسطي ...
- مرور 100 عام على افتتاح الجامعة العبرية بالقدس بمشاركة بلفور ...


المزيد.....




- في نيوزيلندا.. قرار إضافة الإنجليزية كلغة رسمية يُقابَل بالس ...
- فقمة مشاكسة تُحدث فوضى في شوارع بلدة أسترالية والسلطات تبحث ...
- مصر: -القاضي المزيف- في قبضة الأمن.. واعترافات تكشف تفاصيل ن ...
- السودان.. قوات الدعم السريع تتوعد بإرسال خمسة ألوية إلى مدين ...
- الجيش الروسي يتقدم في خاركوف شرق أوكرانيا
- دليل البراءة محبوس في الدرج.. قراءة في حكم حبس طبيبة بتهمة ن ...
- ماذا نعرف عن زلزال 1992 في مصر ولماذا تأثرت به البلاد بقوة؟ ...
- مصادر: أمريكا استخدمت كل صواريخها بعيدة المدى تقريباً
- جريمة مروعة.. رجل يقتل زوجته بطريقة مستوحاة من مسلسل شهير عل ...
- الحوثيون يعلنون عن إصابة -هدف حساس- في مطار نجران بالسعودية ...


المزيد.....

- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - وجدي حسن جميل - قراءة في اوراق -جيفري مورتون-- قائد شرطة جنين بالثورة الفلسطينية الكبرى: عندما اطاح الثائر يوسف الحمدان بالعنصري الحاقد -وينجت- من منطقة جنين1939/1938