وجدي حسن جميل
الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 15:09
المحور:
القضية الفلسطينية
المقدمة: السقوط قبل الارتطام
لا يمكن قراءة تاريخ النكبات الكبرى في حياة الشعوب كحدثٍ منبتّ الصلة عما قبله، أو كخديعةٍ لم يكن بالإمكان التنبؤ بها. وفي السياق الفلسطيني، لم يكن عام 1948 إلا الانفجار المدوي لفتيلٍ بدأ يشتعل منذ منتصف الثلاثينيات. فبينما كانت الحركة الصهيونية تشيّد دولتها داخل الدولة، وتنسج تحالفاتها الدولية ببراعة المؤسسة، كان المجتمع السياسي الفلسطيني يغرق في أتون صراعات داخلية واجتهادات قيادية افتقرت إلى الرؤية الاستراتيجية. إن هذا البحث لا يهدف إلى إعفاء المستعمر أو الحركة الصهيونية من مسؤوليتهم التاريخية، بقدر ما يسعى إلى تسليط الضوء على "المقدمات الذاتية" التي جعلت من الكارثة نتيجة حتمية لمسارٍ طغت فيه الخصومة الداخلية على الوعي بالخطر الوجودي، وضاع فيه القرار الوطني المستقل في دهاليز المحاور الإقليمية.
لم تكن نكبة عام 1948 مجرد حادثة عسكرية مباغتة أو نتيجة لعدم تكافؤ القوى الميدانية فحسب، بل كانت تتويجاً لمسار طويل من التآكل الداخلي والتمزق البنيوي في النسيج الفلسطيني السياسي والاجتماعي. لقد تركت ثورة (1936-1939)، رغم بطولتها، جرحاً غائراً في الجسد الفلسطيني؛ إذ تحولت في مراحلها المتأخرة من ثورة ضد المستعمر إلى صراع داخلي دامي، اتسم بالاغتيالات السياسية وتصفية الحسابات الثأرية. هذا الشرخ العمودي لم يضعف الجبهة الداخلية فقط، بل قدم لقمة سائغة للمخابرات البريطانية والصهيونية التي أجادت اللعب على أوتار الخصومة، واستقطبت طبقات واسعة من الأعيان والمعارضين للقيادة التقليدية، مما خلق تياراً يعمل بوعي أو بدون وعي ضد المصالح الوطنية العليا، نكاية في القيادة السياسية آنذاك.
وفي ظل هذا الانقسام، تراجع القرار الفلسطيني المستقل أمام صراع المحاور العربية التي بدأت تنظر إلى فلسطين كساحة لتوسيع النفوذ الإقليمي. فقد أدى التغلغل البريطاني والأردني في صفوف المعارضين إلى تعميق الهوة بين المكونات الفلسطينية، في وقت كان فيه المجتمع يعتاد على فكرة "النزوح المؤقت" هرباً من البطش البريطاني في القرى والمدن، معتقدين أن العودة ستكون قريبة، دون إدراك أن هذا السلوك سيتحول لاحقاً إلى عقيدة هروب جماعي سيسهل مهمة التطهير العرقي الصهيوني.
أما على مستوى القيادة، فقد كان غياب "المفتي" الحاج أمين الحسيني وابتعاده عن المشهد الداخلي، واقحام نفسه في صراعات المحاور العربية —كما حدث في ثورة رشيد عالي الكيلاني بالعراق— نقطة تحول سلبية بامتياز. هذا الانخراط في الشؤون العربية أدى لبناء عداوات مجانية مع أنظمة عربية نافذة، وزاد من عزلة القضية دولياً، خاصة بعد الرهان الخاسر على ألمانيا النازية، مما منح الصهيونية فرصة ذهبية لتقديم نفسها كحليف وحيد للديمقراطيات الغربية. وبدلاً من بناء مجتمع تعددي محصن، مارست القيادة نوعاً من التفرد والتسلط السياسي الذي وصل حد "الإرهاب" ضد المخالفين، مما دفع ببعض القوى المحلية للارتماء في أحضان الإنجليز أو البحث عن قيادات بديلة "معتدلة" مثل موسى العلمي، مما شتت الجهود الوطنية وأضعف المناعة الشعبية.
بالمقابل، كانت الحركة الصهيونية تسير وفق خطط علمية ومنهجية؛ فقد استغلت سنوات الحرب العالمية الثانية لبناء قوة عسكرية ضاربة واختراق المجتمع الفلسطيني استخباراتياً بشكل مذهل، في حين كانت الجبهة الفلسطينية تعاني من "ردة" في العمل الوطني وغياب التنسيق العسكري. ومع وصول الأمور إلى قرار التقسيم، كان "العنوان مكتوباً على الحائط" بوضوح؛ قيادات عربية غير فلسطينية مفروضة من الخارج (مثل القاوقجي) تفتقر للصلة الحقيقية بالأرض، وقادة حاميات عسكرية في المدن الكبرى مثل حيفا ويافا وصفد انسحبوا عند أول مواجهة حقيقية، تاركين الشعب لمصيره المحتوم.
إن فشل القيادة في خلق تحالفات دولية، وإضاعة الدعم العسكري والمالي في صراعات جانبية، مع غياب الاستعداد والتدريب، جعل من النكبة نتيجة حتمية لمقدمات خاطئة. لقد كانت النكبة هي الثمن الباهظ لسلسلة من الإخفاقات في قراءة الواقع الدولي، وسوء إدارة الصراع الداخلي، والارتهان لمحاور عربية كانت تنسج مع "كلايتون" والإنجليز خريطة نفوذ جديدة لا مكان فيها لدولة فلسطينية مستقلة. إن مراجعة هذه المؤشرات ليست من باب جلد الذات، بل هي ضرورة لفهم كيف يضيع الحق عندما تغيب المؤسسة، ويتفرد بالقرار الفرد، ويصبح الثأر الداخلي أهم من مواجهة الخطر الوجودي.
كانت الطريق نحو النكبة الحتمية تتراى امام القيادات وصانعي القرار من الأصدقاء ومن الأعداء الذين كانوا يراقبون ويعملون ويخططون. كانت أسباب اربع (ويزيد) تفعل فعلها بالشعب الفلسطيني نحو النكبة:
تآكل الجبهة الداخلية وسياسة التصفيات:
لم تكن ثورة 1936 مجرد هبة مسلحة، بل كانت اختباراً لبنية المجتمع الفلسطيني. يرى المؤرخ رشيد الخالدي في كتابه "حكاية شعب" أن الانقسام بين المعسكرين "المجلسي" (نسبة للمجلس الإسلامي الأعلى بقيادة المفتي) و"المعارض" (بقيادة آل النشاشيبي) لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى "حرب أهلية مصغرة" داخل الثورة. هذه الاغتيالات التي طالت وجهاء القرى والمثقفين بدعوى "الخيانة" أو "التعاون"، أدت إلى فقدان الثقة بين الفلاحين والقيادة الحضرية. هذا التمزق هو ما سمح لبريطانيا والصهيونية بتشكيل ما عرف بـ "فصائل السلام"، وهي مجموعات مسلحة من المعارضين الفلسطينيين الذين حاربوا الثوار بدعم إنجليزي-صهيوني، مما جعل المجتمع الفلسطيني يدخل حرب 1948 وهو منهك عسكرياً ومعنوياً، ومقسم ولائياً، وينخر بجسده كم هائل من المتعاونين الناقمين والانتهازيين
فخ الرهانات الدولية وسوء تقدير الموازين:
بينما كانت الحركة الصهيونية، بقيادة ديفيد بن غوريون، تتبع استراتيجية "الارتباط بالقوة العظمى الصاعدة" (الولايات المتحدة) مع الحفاظ على تحالفها مع بريطانيا، سقطت القيادة الفلسطينية في فخ المراهنات الخاسرة. إن لجوء المفتي إلى ألمانيا النازية لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل كان كارثة استراتيجية؛ حيث استغلت الصهيونية هذا التقارب لتصوير النضال الفلسطيني كجزء من "المحور الفاشي" في الوجدان الغربي. هذا التوجه عزل القضية الفلسطينية عن أي تعاطف دولي ممكن بعد الحرب العالمية الثانية، وترك الساحة للرواية الصهيونية التي ربطت بين "الهولوكوست" وحق اليهود في إقامة دولة، في حين كان القرار الفلسطيني مغيباً أو مشتتاً في عواصم عربية لا تملك من أمرها شيئاً.
جيش الإنقاذ واختطاف القرار الوطني:
في كتابه "النكبة"، يشير المؤرخ عارف العارف إلى أن التدخل العربي الرسمي كان "سيفاً ذو حدين". فبدلاً من تسليح الفلسطينيين وتنظيم قواهم المحلية (مثل "الجهاد المقدس")، فضلت الجامعة العربية إرسال "جيش الإنقاذ" بقيادة فوزي القاوقجي. كان هذا الجيش يعكس صراع المحاور (الهاشمي ضد المصري والسعودي)، ولم يكن يملك خطة عسكرية موحدة. الانهيارات الدراماتيكية في مدن مثل حيفا ويافا لم تكن بسبب شجاعة الأفراد، بل بسبب انسحاب القادة العرب المعينين من الخارج عند أول احتكاك، مما خلق حالة من "اليتم القيادي" لدى السكان المحليين، الذين وجدوا أنفسهم يواجهون عصابات "الهاغانا" المنظمة عسكرياً والمحمية بقرار دولي.
البنية الاجتماعية والنزوح كفعل اعتيادي:
أدت سنوات القمع البريطاني العنيف (1936-1939)، والتي تضمنت هدم البيوت والعقوبات الجماعية، إلى خلق نمط سلوكي لدى الفلاح الفلسطيني يعتمد على النزوح المؤقت للقرى المجاورة ريثما تهدأ العاصفة. هذا "الاعتياد" على ترك المكان، مع غياب توجيه قيادي صارم يمنع الهجرة، استغلته الصهيونية عبر ما عرف بـ "الحرب النفسية" وإذاعات الرعب. وكما يذكر المؤرخ إيلان بابيه في "التطهير العرقي لفلسطين"، فإن الصهيونية كانت تملك "خطة دالت" الجاهزة للتنفيذ، بينما كان الفلسطينيون يعيشون على أمل "الفزعة" العربية والعودة الوشيكة، دون إدراك أن موازين القوى الدولية قد حسمت الأمر لصالح الاقتلاع لا العودة.
دروس من التاريخ:
إن "حتمية النكبة" تكمن في أن الجانب الفلسطيني دخل الصراع الوجودي عام 1948 وهو يفتقر لثلاثة عناصر أساسية:
1. الوحدة الوطنية (التي دمرها الثأر الداخلي).
2. المؤسسة العسكرية المحترفة (التي استبدلت بمتطوعين وقادة غرباء).
3. الرؤية السياسية الواقعية (التي غرقت في صراعات المحاور).
لقد كان "العنوان على الحائط" منذ عام 1939، لكن غياب النقد الذاتي والتمسك بالزعامة الفردية (ناهيك عن حجم المؤامرة الكبير والتخاذل والتواطؤ الانظماتي العربي) أغشى الأبصار عن رؤية الكارثة القادمة، لتتحول المؤشرات إلى واقع مرير ما زلنا نعيش تداعياته حتى اليوم.
الخاتمة: دروس الانهيار واستعادة الوعي
في الختام، يتضح أن نكبة عام 1948 لم تكن هزيمة عسكرية (مخطط لها بكل عناية وترتيب بما في ذلك المجازر والتهجير) فحسب، بل كانت انهياراً لمنظومة سياسية واجتماعية لم تحسن تحصين نفسها من الداخل. إن "العنوان الذي كان مكتوباً على الحائط" منذ فشل ثورة 1936 وتعمق الشروخ العائلية والحزبية، كان يصرخ بضرورة التغيير، لكن صدى الصراعات الشخصية كان أعلى من صوت الإنذار. إن الدروس المستقاة من تلك المرحلة تؤكد أن غياب التعددية السياسية، والتفرد بالقرار، والارتهان للأجندات الخارجية، هي الوصفة المثالية لضياع الحقوق مهما كانت عادلة. إن استعادة التاريخ بنظرة نقدية شجاعة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وطنية؛ لضمان عدم تكرار المسارات التي أدت يوماً إلى ضياع الأرض، وللتأكيد على أن بناء المجتمع المتماسك والمحصن داخلياً هو خط الدفاع الأول والوحيد الذي لا يمكن اختراقه.
#وجدي_حسن_جميل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟