أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - وجدي حسن جميل - سقوط حيفا: عندما طلب المفاوضون العرب -الرحيل- من حيفا خلال المفاوضات على الهدنة 22/4/1948؟!















المزيد.....



سقوط حيفا: عندما طلب المفاوضون العرب -الرحيل- من حيفا خلال المفاوضات على الهدنة 22/4/1948؟!


وجدي حسن جميل

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 14:01
المحور: القضية الفلسطينية
    


في تقرير موسع اعده "قسم الاستخبارات للجيش الإسرائيلي" في 30/6/1948 في خضم الحرب، بعنوان "حركة هجرة عرب فلسطين، من الفترة 1/12/1947- 1/6/1948"، يخلص فيه الى 11 سببا "لرحيل العرب" حتى هذه الفترة.
"فيما يلي تفصيل للاسباب لحركة الهجرة، مرتبة حسب أهميتها- وفق التقرير:
1- الأعمال العدائية اليهودية المباشرة ضد العرب.
2- تأثير "أعمالنا العدائية" التي كانت في جوار مساكن المهجرين بشكل رئيسي – (سقوط المراكز المجاورة الكبير).
3- نتائج عمليات المنشقين (المقصود عصابات الليحي والايتسل- الكاتب)
4- أوامر ومراسيم المؤسسات و"العصابات" العربية.
5- عمليات "الهمس السرية اليهودية" لتشجيع هروب السكان العرب.
6- أوامر (العصابات الصهيونية- الكاتب) وإنذارات نهائية بالإخلاء.
7- الخوف من رد فعل يهودي قوي في حال شُن هجوم عربي كبير على اليهود.
8- ظهور العصابات والمقاتلين الأجانب (قوات جيش الإنقاذ والمتطوعين -الكاتب) حول القرى.
9- الخوف من هجوم الجيوش العربية وعواقبها (خاصة بالمناطق قرب الحدود).
10- قرى عربية معزولة في مناطق يهودية خالصة.
11- عوامل محلية مختلفة وخوف عام من قادم الايام.
ويضيف التقرير: "لا شك أن الأعمال العدائية كانت السبب الرئيسي لموجة الهجرة التي اجتاحت كل مقاطعة بكثافة وتوسع متزايدين....تجدر الإشارة إلى أن قوة الهجوم لم تكن دائماً محددة بعوامل أخرى - نفسية في المقام الأول. وقد أثبت عامل الانفجارات الصاخبة ومكبرات الصوت في اللغة العربية فعاليته في بعض الأحيان عندما تم استخدامها بشكل مناسب. (حيفا - على وجه الخصوص!)".
ويخلُص التقرير الى أن 70 % من الفلسطينيين "هربوا" نتيجة الاعمال العدائية، و5% بسبب تأثير اوامر القيادات العربية، و 2% بسبب "الهمس اليهودي" لاصدقائهم العرب بالمغادرة والهروب، فيما شكل عامل الخوف وعدم الثقة بالجيوش العربية 16%. وما تبقى لاسباب أخرى"....ثم يفصل التقرير (15 صفحة) سبب "رحيل" كل قرية وقرية وكل مدينة وأخرى...(أرشيف الكاتب)
بغياب توجيه صارم وقيادة قوية موحدة (على الرغم من وجود بيانات وتوجيهات عربية وخاصة من الهيئة العربية العليا بعدم المغادرة، تطورت لاحقا الى محاولات منع المغادرة الا بتصريح) بدأت قلة من الفلسطينيين -وخاصة الميسورين منهم- بمغادرة فلسطين بعد قرار التقسيم، ثم تعاظمت عملية النزوح والجلاء مع تصاعد العمليات والمذابح الصهيونية، وبدأ النزوح يأخذ منحى تصاعدي وخاصة خلال شهر نيسان بعد الخسائر المخزية لجيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي وبالذات في معركة "مشمار هعيمق" وتهجير قرى مرج اللجون/بني عامر ، وكذلك خسائر فوج العرب الدرزي "بمعارك" ضواحي حيفا، وخسائر المتطوعين المصريين -الاخوان المسلمين- والقوات العربية في القدس وجنوب فلسطين بعد معركة "كفار داروم"، وسقوط الاحياء العربية في القدس الغربية، ومن ثم تعاظم اللجوء والنزوح والتهجير خلال شهر أيار – ودخول الجيوش العربية.
كان سقوط/احتلال حيفا المدوي أحد اقسى حوادث شهر نيسان (وقبلها بأيام قليلة احتلال طبريا وبعدها احتلال يافا بأيام قليلة) وجاء "جلاء"/"رحيل"/ "نزوح"- أهلها عنها بعد معركة دامت 18 -22 ساعة وبعد مفاوضات بين القيادة العربية والقيادة الصهيونية "بوساطة" إنكليزية، أسفرت عن رفض العرب توقيع معاهد "هدنة" او "الاستسلام"، ولكن بطلب من الوفد المفاوض: "أن امنحونا الأمان والحماية لنغادر/ لنرحل؟!!!" كيف جرى ذلك ولماذا طلب الوفد العربي هذا الطلب؟!
كتب الزعيم الحيفاوي رشيد الحاج إبراهيم في كتاب مذكراته أنه ظهر على مسرح السياسة اليهودية بحيفا اسم المحامي الدكتور يعقوب سولومون، وهو محام يهودي معظم زبائنه وعملائه في المحاكم كانوا من العرب. شغل منصب ضابط ارتباط لدى الوكالة اليهودية والهاغانا وقد ظهر أنه من كبار ضباطها. "اراد سولومون وشبطاي ليفي (رئيس بلدية حيفا اليهودي) أن يستخدما نفوذهما لدى معارفهما من العرب لوقف الاعتداءات وإعلان حيفا مدينة مفتوحة".
"وبالرغم من خسائرنا في الأرواح والأملاك وبالرغم من موقعنا الاستراتيجي الذي لا نحسد عليه والمعلوم لدى الجميع ورغم ضعف وسائل دفاعنا وقلة تسليحنا وعدم تدريب شبابنا وعدم تنظيمهم فقد كانت معنوياتنا أقوى بكثير من معنويات اليهود...ولما طلب اليهود وقف الاعتداءات واعتبار حيفا مدينة مفتوحة كانوا يرغبون في سلام يؤمن سير الحياة الطبيعية إلى أن تنجلي فعلاً نتائج الثورة العامة على قرار التقسيم. وقد رأت اللجنة(القومية بحيفا- الكاتب) أن هذا الأمر ليس من اختصاصها البت فيه لأنها لم تكن هي التي أعلنت حالة الحرب في المدينة ولأنها تعتبر نفسها لجنة خاضعة وتابعة للهيئة العربية العليا.(المتواجدة قيادتها بذلك الوقت في القاهرة -الكاتب) لم يكن من رأيي شخصياً استجابة رغبة اليهود إذا كانت الهيئة العليا واللجنة العسكرية ستهيئان لنا سبيل الوصول إلى السلاح والعتاد بأي وجه من الوجوه. وكذلك لم يكن من رأيي أن أنفرد أو تنفرد اللجنة القومية برأي يتوقف عليه مصير هذه المدينة التي تعتبر أعظم ميناء عربي على شاطئ البحر المتوسط". (رشيد الحاج إبراهيم، مذكرات، ص68-69)
في كتابه "صفحات عن حيفا، ومعركتها الأخيرة" نقل الشيخ عبد الرحمن مراد- رئيس شعبة الاخوان المسلمين بحيفا هذه الاحداث فكتب يقول:
"رأت اللجنة القومية أن ترسل بعثة إلى سماحة رئيس الهيئة العربية العليا الحاج محمد أمين الحسيني وكان مقيماً في ذلك الوقت في حلمية الزيتون في القاهرة لتحصل على موافقة على سياسة اللجنة في تهدئة الوضع حتى تبلغ القوة الكافية للردع ورد العدوان. والطلب إلى اتباعه في معاونة اللجنة القومية في اتباع ذلك الطريق والمنهج، وكانت البعثة مؤلفة من سيادة المطران جارجيوس حكيم مطران طائفة الروم الكاثوليك والسيد يوسف صهيون من كبار محامي المدينة ومني. وكان سفرنا إلى القاهرة بتاريخ 21/1/1948 وقد قابلنا سماحته وسلمناه الرسالة التي كنا نحملها والموجهة إليه من اللجنة القومية في حيفا وقد وجدنا منه تفهماً للموقف في حيفا وتأييداً لموقف اللجنة وتأكيداً على وحدة الصف العربي في المدينة وعاد الوفد من لدن سماحته وهو راض". (مراد، صفحات، م. س. ص 55-56.)
عاد الوفد بعد أن أدى رسالته -وفقا للحاج إبراهيم "واستمعنا إلى حديثهم في جلسة سرية دعى إليها الحاج ابراهيم في بيت المطران بالحي الغربي."وخلاصة الحديث رفض أي فكرة لوقف إطلاق النار ، والصمود في وجه الأعداء بسلاح الإيمان حتى النصر المحتوم". (الحاج إبراهيم، مذكرات، م. س. ص 70.)
وفي مؤتمر صحفي عقده الشيخ عبد الرحمن مراد بعد عودته من مصر قال ردا على "تخرصات" وجهت اليهم حول مفاوضتهم واتصالهم مع ممثلي الهاجانا، قال أن اللجان القومية هي لجان فرعية للهيئة العليا تستمد سياستها منها ومن مطالب الشعب وحاجاته واماله والامه وقد اخذت على نفسها مسؤوليات جسيمة في هذه الأوقات الحرجة التي يمر بها الكيان العربي في هذه الديار وهي على اتصال وثيق بالهيئة العليا، تتعاون معها تعاونا تاما لخير البلاد الا ان بعض الأمور الهامة لا يجدي فيها غير الاتصال الشخصي والاجتماعات الخاصة، ولذلك رأت اللجنة القومية في حيفا بالاجماع ان ترسل وفدا من أعضائها وسيادة المطران حكيم إلى القاهرة للاتصال بالهيئة العليا والتشاور معها في امور هامة واخذ رايها الصريح الواضح عن مطالب أخرى لتقوية النضال العربي وبنائه على قواعد ثابته. وقد تم هذا الاتصال ولقي الوفد من لدن الهيئة العليا كل عطف ورعاية ولقيت سياسة اللجنة القومية هذا الثقة والتاييد، وتتعاون جميع قوى المدينة والقضاء في ظل اللجنة القومية الدفاع عن هذه المدينة الهامة وصد كل محاولة الاعتداء وستؤمن اعتدتها وحاجياتها ومؤنها حتى ياذن الله بالنصر وتزول هذه القمة ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
"ولقد كان للتموين نصيب كبير من البحث والعناية وتشرف سيادة المطران حكيم مقابلة جلالة ألملك فاروق مقابلة طويلة لمس فيها عطف الفاروق وحدبه على القضية العربية كما جرت مقابلة الامين العام للجامعة العربية وقد فهم من ان كميات كبيرة من الارز والذرة وغيرها تستطيع مصر ان تقدمها الى فلسطين إذا جد توفرت الدونات الاستيراد وان مصر حكومة وشعبا تعتبر قضية فلسطين قضيتها الخاصة وستكون في مقدمة العاملين.
"ولمست في صدد ما أعدته الحكومة المصرية والشعب المصري من وسائل لنصرة فلسطين الا اننا بعد ان سمعنا من المسؤولين ما سمعنا وشاهدنا من احوال مصر ما شاهدنا موقنون ان مساعدة مصر لنا ستكون مساعدة فعالة قيمة لها أثرها الكبير في النصر النهائي.
"واحب ان اذكر مرة أخرى إلى انه لم يجر اي بحث ولن يجري بخصوص جعل حيفا مدينة مفتوحة واذا ذلك من تخرصات المتخرصين وليس بيننا وبين الخصوم اي اتصال أو مفاوضة وقد رفضنا ذلك في السلم فكيف نرضاه ونحن في اتون المعركة". في كتابه الذي صدر في العام 1991 اعترف مراد انهم بحثوا مع المفتي موضوع "حيفا – مدينة مفتوحة". راجع سابقا ما قاله بالمؤتمر الصحفي!.
رفض المفتي طلب الوفد وقف اطلاق النار –هدنة- في حيفا، رغم أن اللجنة العسكرية بدمشق كانت قد وافقت للحاج إبراهيم على ذلك خلال زيارته لها أوائل كانون ثاني 1948.
في كتابه "ولادة مشكلة اللاجئين" نقل موريس عن تقارير لمخبرين عرب زودوا جهاز المخابرات الصهيوني –شاي- بالمعلومات حول هذا الوفد فكتب يقول:
"توجه حكيم بصحبة كل من الشيخ عبد الرحمن مراد زعيم الإخوان المسلمين في حيفا ويوسف صهيون أحد مناصري الحسيني إلى القاهرة في العشرين من يناير؛ وطبقا لجهاز استخبارات الهاغانا، طلب رشيد الحاج إبراهيم أن يشرح الوفد للمفتي حقيقة أن العديد من قادة المدينة يرغبون في الرحيل إن لم تصدر أوامر صريحة بوقف أعمال العنف في المدينة، وأنه في حال عدم قبول الأسباب والحجج التي يقدمونها فإنهم سيغادرون البلاد، وهذا ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تفريغ حيفا العربية من سكانها.
"اتسم رد فعل الحسيني على تلك المناشدة بعدم الوضوح، وعلى الأرجح كان هذا الغموض متعمدا ووفقا لأحد مخبري الهاغانا(لقبه: هنجيد/المحافظ) أوضح المفتي أن المشكلة كانت وطنية عامة وليست محلية، وأنهى الاجتماع في أنه يعارض وقف إطلاق النار، وأنه كان مشبعا بمشاعر «تنم على تأييده المطلق للحرب ضد اليهود إلى نهايتها القصوى مهما كانت مريرة أو مهلكة، وقد تركز تفكيره بشكل كامل على كيفية استثمار الشعوب العربية للوصول إلى هذه النتيجة.... فبالنسبة إليه ليس هناك مكان للمفاوضات. وقد تمثلت نصيحته العملية الوحيدة للوفد في إبعاد النساء والأطفال عن مناطق الخطر للتقليل من عدد الضحايا.
"عقب عودة الوفد إلى حيفا في السادس والعشرين من يناير، تجنب حكيم الاتصال مع اليهود أياما، كما أن اللجنة القومية لم تتمكن من الاتفاق على خط واضح، سواء كان مؤيدا أو معارضا للهدنة، الأمر الذي عكس من الناحية العملية التضارب الذي تضمنه موقف الحسيني. ومن جانبه، أخبر مراد صحافيين أن الوفد قد سافر فقط لطلب عتاد ورجال؛ وأنه لم تكن هناك مفاوضات، ولن تكون هناك مفاوضات، تسعى إلى تحويل حيفا إلى مدينة مفتوحة، وأن «اللجنة القومية لحيفا ليست سوى فرع للجنة العربية العليا»، وهو ما عنى بشكل ضمني أن المفتي سيهيمن على قرار اللجنة، وأنه يريد للعنف أن يستمر .
"وقد استخلص كل من سولومون وليفشيتز، اللذين اجتمعا بعدها مع أعيان المدينة العرب، أن الهدنة الواقعية لن تستمر طويلا، وأن معنويات العرب قد ارتفعت في أعقاب دخول وحدات من جيش التحرير العربي (الانقاذ) إلى فلسطين". (موريس، بيني، ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ج 1 ص 156-159.)
لم تمر سوى عدة أيام (على العملية الإرهابية ضد عمال مصانع التكرير بحيفا- 28/12/1947) والانتقام العربي عليها، حتى قامت العصابات بعمليات قتل أخرى في ربوع فلسطين كان ابرزها مذبحة قرية الخصاص بمنطقة الحولة ومذبحة بلد الشيخ وحواسا الفوقا بضواحي حيفا، وتفجير السرايا القديمة بيافا العربية، والقاء قنابل عند باب العامود بالقدس وأصابة الشيخ محمد نمر الخطيب برصاص الإرهاب اثناء عودته من لبنان قرب مستوطنة كريات موتسكين ضواحي حيفا، إضافة الى العشرات من القتلى والجرحى في هذه الاعتداءات والبراميل المفخخة وغيرها...
أعضاء اللجنة القومية في حيفا يرفضون شروط الاستسلام:
كانت بداية النهاية في معركة حيفا، باستشهاد قائد حاميتها "محمد حمد الحنيطي"(المجاهد الأردني)، وكبير مجاهدي حيفا "سرور برهم" ابو محمود في 17/3/1948، قرب كريات موتسكين. وكان للهزيمة المدوية لقوات فوزي القاوقجي في معركة مشمار هعيمق في أواسط نيسان 1948 وفشل قوات "فوج العرب" الدرزي بقيادة شكيب وهاب بمعاركه على مشارف حيفا بنفس الفترة، مؤشرات لقرب سقوط حيفا.
مع استمرار المعارك بحيفا، قررت القيادة العسكرية الإنكليزية اخلاء غالبية قواتها من نقاط الفصل بين المتحاربين داخل مدينة حيفا وإعادة التموضع في مناطق اقرب الى طرق مواصلاتها، فقام (يوم 21/4/1948) قائد حيفا العسكري "ستوكويل" باستدعاء وفد عربي برئاسة قائد الحامية العربية "امين عز الدين" ونائبه "امين النبهاني" ويونس نفاع، وجورج معمر. وقادة الهاجانا اليهود واعلمهم قراره هذا. فشعر قائد الحامية العربي امين عز الدين بخطورة الموقف، فغادر حيفا بقارب الى عكا ومنها الى دمشق "لطلب النجدة" -وفقا لمراد، ولم يعد اليها. (يقول عاد اليها لاحقا- بعد ان سقطت ولم يستطع دخولها) -وغادر الكثير من قادة اللجنة القومية وعلى رأسهم رشيد الحاج إبراهيم). وتوكل أمر الدفاع عن المدينة: المدني المناضل يونس نفاع..كان اليهود على علم بهذه الترتيبات فاستعدوا لها جيدا. ويتضح من وثيقة بالارشيف الصهيوني المركزي ان ستوكويل اخبر ممثل الوكالة اليهودية بحيفا-هاري بيلين- باجتماعه معه بيوم 15/3/1948 بقراره الانسحاب وإعادة التموضع الى مناطق تأمين خروج قواته من حيفا: الميناء، سكة الحديد، مصانع تكرير النفط وتأمين طرق الوصول اليها جميعا..... تسارعت الاحداث وسقطت حيفا خلال 18 -22 ساعة بعد معارك شديدة ببعض المواقع وخاصة معارك وجه لوجه في "بيت النجادة" والحليصة و"بيت الخوري". وكان أهلها قبل ذلك وخلال ذلك يسارعون "للجلاء" – بلسان الشيخ عبد الرحمن مراد- عن حيفا. (مراد، صفحات، م. س. ص 38-90.) ...ولم تُجْد مناشدته الحامية العربية للتدخل وإنقاذ الوضع. يقول الشيخ مراد:
"اتصلت هاتفياً بقيادة الحامية العربية وطلبت منها النجدة العاجلة، ولكن القيادة كانت تظن أن هذا النداء المستعجل إنما هو بقصد الحصول على عدد كبير من المناضلين وعدد أكثر من الأسلحة ولم تكن تقدر أهمية المعركة التي يخوضها الحي المذكور (الحليصة/بيت النجادة -المؤلف) ومن فيه من مقاتلين. وقد نزلت إلى الشوارع أدعو كل من لديه سلاح أن يبادر إلى نجدة اخوانه".....
يتابع الشيخ عبد الرحمن مراد، رئيس شُعبة الاخوان بحيفا عن الساعات الأخيرة قبل مغادرتها:
"في الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة الخميس 22 / نيسان / 1948 م استيقظت على أصوات مدافع قوية غير مألوفة سابقاً، فوقفت على شرفة منزلي حيث أقيم في شارع ستانتون على حدود البلدة القديمة وقريباً من مقر قيادة الحامية العربية..وقفت أرقب الموقف فإذا بأحد أفراد حرسنا الوطني الذي كان يتولى الحراسة على الخط الفاصل بيننا وبين التجمع اليهودي أراه مقبلاً يحمل سلاحه فسألته عن جلية الأمر. فأخبرني أنه اضطر لترك مكانه نظراً للهجوم اليهودي القوي، وبعد مدة من الزمن رأيت حارساً آخر منسحباً أيضاً من المعركة وسألته أيضاً فأجابني بنفس الجواب وكان ذلك يعني أن العدو أصبح على مسافة قريبة من المكان الذي أقيم فيه كما أنه اقترب من مقر قيادة الحامية العربية في المدينة اقتراباً كبيراً. فغادرت منزلي وتوجهت إلى مقر قيادة الحامية لمعرفة حقيقة الأمر ولكني لم أتوصل إلى معرفة شيء حاسم..فعدت إلى انتظار ما سيجري على الساحة القتالية، وبعد فترة من الزمن سمعت صوت مناد يقول: إن اليهود قد وصلوا إلى ساحة الخمرة (ساحة الحناطير) وهي ساحة رئيسية تربط بين أجزاء المدينة ويستطيع من يسيطر عليها أن يدخل إلى السوق العربية القريبة "سوق الأبيض" ويتوغل في البلدة القديمة نفسها، فذهبت مرة أخرى إلى مقر القيادة العربية أستوضح حقيقة الأمر وإذا بالاضطراب باد على الوجوه، وقد أصيبت القيادة نفسها ببعض القذائف...وقد وجدت..قسماً من أفراد الحرس الوطني ملقين أسلحتين منسحبين من المعركة فحاولت أن أبث فيهم روح الحماس والحمية وطلبت منهم الأخذ بأسباب الدفاع من وضع أكياس الرمل وغير ذلك من وسائل الدفاع، ولكني لم ألق أذنا صاغية ولم أجد مجيباً".....
يتابع: "لقد رأيت من واجبي، أن أقوم بكل ما أستطيع لدرء الخطر وحماية الأهالي وأرواحهم وكان الهاتف لا يزال يعمل ولم يكن مركزه الرئيسي قد احتل من قبل العدو اليهودي بعد، فقمت باتصالات هاتفية بحاكم اللواء البريطاني المستر "لو" وبمدير البوليس البريطاني المستر "شو" وبمساعده "ماكجيل" الذي كان يعرف العربية معرفة جيدة وخبيراً بالشؤون العربية وكان ذلك من أجل التدخل لحفظ الأرواح واستتباب الأمن ما دام أن الانتداب البريطاني على فلسطين لم ينته بعد. ولكني لم أجد أذنا صاغية وأما مساعد مدير البوليس فكان متغيباً، ولعله تغيب عن قصد، اتصلت بأهالي قرية الطيرة المجاورة طالباً النجدة العاجلة كما أرسلت إلى قائد الكتيبة العربية التابعة للجيش الأردني والتي كانت معسكرة بجوار حيفا بطلب النجدة السريعة....كما اتصلت بقنصل سورية في حيفا السيد ثابت العريس الذي كان متجاوباً معنا ومشاركا لنا في عواطفنا وشعورنا ولكنه عاجز عن تقديم أي مساعدة كما اتصلنا بقنصل مصر في المدينة، أما قنصل لبنان فكان غائباً منذ فترة من الزمن. كما قمت بالاتصال بكل من أعرف أن له صلة أو معرفة بالقيادة البريطانية لطلب مساعدتها لوقف القتال وحفظ الأرواح. وقد وافقت هذه القيادة على إرسال سيارات كبيرة لنقل النساء والأطفال من الأماكن المهددة إلى خارج المدينة، وحددت الساعة العاشرة صباحاً لوصول السيارات والقيام بالنقل على أن يكون الاجتماع بجوار مركز بوليس المدينة، وقد تجمهر النساء والأطفال وانتظروا عبثاً، فلم تحضر سيارات ولم يعتذر أحد. ونظراً إلى أني لم أكن أعرف قائد منطقة الشمال البريطاني الميجر جنرال "ستوكول" فقد اتصلت بالسيد فريد السعد أحد أعضاء اللجنة القومية في حيفا ومدير البنك العربي فيها وضابط الارتباط بين اللجنة القومية وبين القيادة البريطانية، مبيناً له خطورة الوضع طالباً سرعة السعي لوقف الهجوم اليهودي على المدينة وأن تقوم القوات البريطانية بواجبها في حفظ الأمن......أما اتصالنا بدمشق اللجنة العسكرية فكان متواصلاً عن طريق اللاسلكي وكذلك تم الاتصال بها عن طريق قنصل سوريا السيد ثابت العريس ولكن لم يصلنا أي رسالة أو أي توجيه لا من الهيئة العربية العليا ولا من اللجنة العسكرية وإنما تركنا لمواجهة الموقف بأنفسنا بدون أي توجيه أو اتصال بنا من أحد"..... (مراد، صفحات، م. س. ص85-87.)
اثناء وليمة غذاء "مضطربة" في بيت رفيق بيضون (قائمقام المدينة) علم فريد السعد من مساعد حاكم لواء حيفا المستر "فيتز باتريك" ان الإنكليز سيخلون مواقعهم "والأفضل أن تتصلوا مع اليهود". فاتصل السعد وطلب لقاء عاجل مع ستوكويل. لتبدأ مفاوضات الهدنة بلسان العرب والاستسلام بلسان اليهود.
عن هذه المفاوضات كتب بيني موريس في كتابه "ولادة مشكلة اللاجئين" تفاصيل كثيرة، وتكاد تتطابق روايته (باغلب تفاصيلها) مع رواية عارف العارف ومع رواية رشيد الحاج إبراهيم ومع التقرير الذي قدمته "لجنة الطوارئ العربية" بحيفا للقيادة بدمشق يوم 30/4/1948. ومع رواية الشيخ عبد الرحمن مراد رئيس شُعبة الاخوان بحيفا.
وقد وصف يعقوب سولومون –رجل الهاجانا، صديق غالبية القيادة العربية بحيفا (بحينه) والذي قاد المفاوضات معهم للتسليم، وصف الأجواء بالمفاوضات بالقول:
"كان جو مفاوضات الهدنة التي جرت في قاعة المدينة ليلة 22 أبريل 1948 مؤثراً ومثيراً للإعجاب. احتشد الآلاف في الخارج. ولدى رؤية ممثلي الجالية اليهودية، والجنرال ستوكويل ومرافقيه، وممثلي الجالية العربية الذين وصلوا في سيارة مصفحة، هتف الحشد. وانطلق الكثيرون في الرقص. كان النظام مثالياً.
"جلسنا في قاعة مجلس المدينة على طاولات مُرتبة على شكل حدوة حصان. كان الجنرال ومرافقوه في المنتصف، والوفد اليهودي على يمين الضابط البريطاني، والوفد العربي على يساره. يصعب وصف المشاعر من حولنا. حاولنا إخفاء فرحتنا حتى لا يرى العرب أننا سعداء. كان العرب في حالة من الكآبة، ولكن بما أننا نعرف بعضنا من الحياة اليومية، وفي ضوء كلمات رئيس البلدية وكلماتي المُهدئة، أصبح الجو أكثر راحة". (سولومون، على طريقتي، م. س. ص 132.)
عن سير المفاوضات كتب موريس يقول:
"في وقت مبكر من صباح يوم الثاني والعشرين من أبريل، وعلى خلفية انهيار المليشيات (العربية-المؤلف) والنزوح الجماعي، طلب أعضاء في اللجنة القومية مقابلة ستوكويل (الحاكم العسكري البريطاني بحيفا) بهدف التوصل إلى هدنة مع اليهود. استفسر الأخير من ضابط اتصال الهاغانا، المحامي يعقوب سولومون عن شروط اليهود للموافقة على استسلام العرب. من جانبه، كان کارميل (القائد الصهيوني) في غاية الدهشة. حيث إن العرب لم يكونوا على شفا الإنهيار، كما أنه لم يكن هناك ما يبرر الاستسلام، وفقا له فإن فكرة "استيلائنا الكامل على حيفا كانت لا تزال تبدو خيالية ولا يمكن فهمها". وعلى الرغم من ذلك، قام كارميل بكتابة شروط وأرسلها إلى ستوكويل الذي قال إنه وجدها عادلة...والعرب سيقبلون بها....
"جاءت مناشدة العرب لستوكويل بعد اجتماع للأعيان ليلة 22/21 أبريل في منزل عضو اللجنة القومية ورجل المال فريد سعد، وقام المجتمعون الذين أسسوا من أنفسهم لجنة الطوارئ للعرب حيفا بصياغة وثيقة ذهبت إلى تحميل ستوكويل المسؤولية عما حدث، وناشدوا القائد العسكري البريطاني التدخل لـ "إيقاف مذبحة العرب" أو أن يسمح بدخول التعزيزات العربية إلى المدينة.
"هناك روايتان حول ما دار في الاجتماع التالي مع ستوكويل في العاشرة من صباح الثاني والعشرين من أبريل. حضر الاجتماع كل من سيرل ماريوت القنصل العام البريطاني المُعّين في حيفا، وفيكتور خياط رجل أعمال والقنصل الفخري الإسباني في المدينة)، وإلياس كوسا (المحامي)، وأنيس نصر (قاضي منطقة حيفا)، وجورج معمر (عضو اللجنة القومية). وتمثلت الرواية العربية في أن الوفد طلب بشكل مباشر من ستوكويل إيقاف الهاغانا والسماح بدخول التعزيزات العربية. ورفض ستوكويل قائلا إنه يلزم على العرب قبول مبدأ الهدنة- المقصود أن يستسلموا. وقد طالب العرب المسؤول البريطاني بأن يضع ذلك في وثيقة مكتوبة، الأمر الذي أعقبه توقيع كل من ستوكويل ولجنة الطوارئ على وثيقة تنص على أنه (ستوكويل) وردا على مطالبة العرب له بالتدخل بقوله: إنه غير مستعد للتصادم مع أي من الطرفين المتنازعين، وأنه لن يسمح للقوات المسلحة العربية بدخول المدينة....وأنه مستعد فقط للعمل كوسيط سلام إذا ما قبِل العرب من حيث المبدأ شروط الهدنة. وأعقب ذلك طلب العرب معرفة شروط الهاغانا للهدنة.
"وجاء بالرواية البريطانية المعاصرة وصف مخالف بعض الشيء لمحضر الجلسة، ولم يركز على المطالبات التي تم توجيهها إلى ستوكويل للتدخل أو السماح بدخول التعزيزات، لكن على مدى استعداد العرب لقبول هدنة تقوم على الاعتراف بأنه تم بالفعل خسارة المعركة. وفي تقاريرهما لم يذكر أي من ستوكويل أو ماريوت أن الأول قام بالتوقيع على وثيقة. كذلك فإنه طبقا للتقارير البريطانية، سعى العرب فقط إلى الحصول على مساعدة ستوكويل للتوصل إلى هدنة، غير أن الوفد خشي أن يرى البعض هذا التوجه على أنه استسلام، ومن ثم فإنهم رغبوا في أن تقع المسؤولية على الجانب البريطاني، الأمر الذي كان يعني أنه يلزم المناورة مع ستوكويل ليقوم بالإعلان أن العرب كانوا "مُجبرين على الاستسلام"، بحيث يقوم العرب بالطلب من البريطانيين: إما محاربة الهاغانا أو السماح بدخول التعزيزات، فيرفض ستوكويل، وبناء عليه تُذعن اللجنة لشروط الهدنة في ظل الظروف القهرية. يقول ستوكويل: "لقد شعروا بأنهم لم يتم تفويضهم بأي شكل من الأشكال في طلب هدنة لكن إذا ما قمت انا بتغطيتهم فإنه يمكنهم القبول بها". وقد سجل الجنرال أن العرب أرادوا منه أن يقول إنه لن يتدخل ضد الهاغانا ولن يسمح بدخول التعزيزات.
"ومن تقارير ستوكويل وماريوت يظهر أن مصالح وآراء البريطانيين والعرب التقت ذلك الصباح، فكلا الطرفين كان يخشى، بل ويعارض، تجدد عمليات القتال الواسعة وكلاهما فهم أن العرب قد خسروا بالفعل؛ كما خشي الطرفان وقوع مزيد من نزيف الدماء وكلا الطرفين كان يريد الهدنة، وكان على ستوكويل أن يجاري ذلك.
"طلب العرب الاطلاع على شروط الهاغانا فقدمها ستوكويل لهم، ثم غادروا لمناقشتها في منزل خياط، على أن يلتقوا بممثلين بريطانيين ويهود في مبنى البلدية في الساعة الرابعة مساء. (فلسطين- 23/4/1948.) ويبدو أنهم شعروا أن القبول الفوري سيعرضهم للاتهام بالخيانة، ومن ثم حاولوا من خلال القنصل السوري ثابت العريس، الذي كان لدية جهاز إرسال راديو الاتصال باللجنة العسكرية للجامعة العربية في دمشق للحصول علي تعليماتها، غير أن دمشق لم ترد. وعوضا عن ذلك قامت دمشق بدفع الحكومة اللبنانية للتحرك، فقامت هذه باستدعاء الوزير البريطاني في بيروت -"هوستون بوسوول"- للاحتجاج على إحجام بلاده عن التصرف إزاء العدوان اليهودي بحيفا. وفي ذات الوقت قابل الرئيس السوري شكري القوتلي بصحبة كبار وزرائه الوزير البريطاني "فیلیب برودميد" وقرأ له رسالتين واردتين من ثابت العريس تضمنتا وصفا للهجوم اليهودي وحذرتا من مذبحة للأبرياء. واتهم الرئيس السوري البريطانيين بعدم القيام بأي شيء، مهددا بشكل ضمني بالتدخل السوري. وقد حذره برودميد من الإقدام على مثل هذه الأفعال الغبية".
"لم يكد برودميد يغادر حتى تم استدعاؤه مجددا على الفور، حيث أخبره القوتلي أنه في حالة من الحيرة، وليطلعه على برقية جديدة من العريس متضمنة رفض ستوكويل مناشدة الأعيان له التدخل أو السماح بدخول التعزيزات، وأنهم ينتظرون تعليمات تمهيدا للاجتماع المرتقب في مبنى بلدية المدينة. ذكر الرئيس القوتلي أنه قلق جداء بشأن الرأي العام السوري طالبا من برودميد إبداء رأيه حول مضمون التعليمات التي يمكنه أن يرسلها، وما الذي يقترحه برودميد في هذا الصدد. أوضح برودميد أنه لا يعرف الوقائع وحث على التريث، وفي أعقاب ذلك أرسل إلى لندن طالبا القيام بعمل شيء يمكن أن يهدئ من روع القوتلي. ولم يكن القوتلي يدري ما الذي يمكنه أن يقدمه كتعليمات لعرب حيفا الباقين: الاستسلام؟ ام رفض شروط الهاغانا؟ ام البقاء والقبول بالسيادة اليهودية؟ او إجلاء المدينة؟ كل الخيارات كانت مثيرة للجدل. فامتنع القوتلي ببساطة عن الرد.
"في تلك الأثناء، وخلال مراجعته لشروط الهاغانا، لم يشعر ستوكويل بالرضاء التام مما دفعه إلى استدعاء الممثلين اليهود. وحضر بناء على ذلك كل من بيلن وسولومون، وموردخاي مكليف قائد عمليات لواء كارملي الذين قبلوا بعد المناقشة التعديلات التي أدخلها ستوكويل. نصت النسخة النهائية على المطالبة بنزع سلاح المجتمع العربي مع تسليمها إلى السلطات البريطانية التي ستقوم بدورها بتسليمها إلى الهاغانا فقط في الخامس عشر من شهر أيار/مايو. ترحيل العرب الغرباء من الذكور في سن القتال (الحاميات العربية/العراقية – الكاتب). إزالة كل الحواجز التي أقامها العرب على الطرق. القبض على النازيين الأوروبيين الموجودين في أوساط العرب (المقاتلون الالمان واليوغسلاف -الكاتب). فرض حظر التجوال لمدة أربع وعشرين ساعة في الأحياء العربية لتأمين عملية نزع السلاح التامة. فضلا عن: إعطاء كل فرد في حيفا...الحرية في مباشرة عمله وطريقة حياته، وسيقوم العرب بممارسة أعمالهم باعتبارهم مواطنين متساوين وأحرارا في حيفا كما أنهم سيتمتعون بكل الخدمات شأنهم في ذلك شأن الأفراد الآخرين في البلاد.
"نقلت السيارات المصفحة البريطانية القادة العرب إلى قاعة المدينة في حين وصل اليهود بطرقهم الخاصة. وقد مثل البريطانيون كل من ستوكويل، وماريوت، وعدد ضئيل من كبار الموظفين؛ ومن الطرف اليهودي كان حاضرا كل من رئيس البلدية شبتاي ليفي، وسولومون، ومكليف، وعدد من الموظفين؛ ومثّل العرب (فيكتور)خياط، (فريد) سعد، (الياس) كوسا، أنيس نصر، احمد أبو زيد (رجل أعمال)، (جورج) معمر، الشيخ عبد الرحمن مراد (رئيس جماعة الإخوان المسلمين في حيفا). وفي الخارج كانت الهاغانا تدفع بوحداتها إلى أحياء وسط المدينة مبقية على إطلاق نار متقطع، وإن كان كثيفا لقذائف الهاون بغية الاستمرار في الضغط على عناصر المليشيا (العربية) المتبقية من جانب، وعلى الأعيان المجتمعين في مبنى البلدية من جانب آخر.
طبقا لرواية كل من ستوكويل وماريوت، وافق الوفدان بالإجماع على وقف إطلاق النار، الأمر الذي كان يعادل استسلاما عربيا. استهل رئيس البلدية ليفي الحديث بإعلان أن مكونات المجتمعين في حيفا يجب أن تعيش في سلام وصداقة معا. وعقب ذلك قام ستوكويل بقراءة شروط الهاغانا، وهو ما تلاه مناقشات حيث رغب العرب في الاحتفاظ بالأسلحة المرخصة، كما طالبوا بأن تتولى القوات البريطانية عوضا عن الهاغانا الإشراف على حظر التجوال والتفتيش من منزل إلى آخر؛ كما أنهم عارضوا بقوة أن تنص الوثائق على تسليم الأسلحة العربية إلى الهاغانا. وقد علق ستوكويل على ذلك الموقف بأنه كان على الأرجح لحماية أنفسهم من استياء السلطات العربية العليا أي اللجنة العربية العليا. ومن جانبهم، أصر اليهود على الاحتفاظ بالنص كما تمت صياغته من دون تغيير، لكنهم وافقوا على التوصل إلى حلول وسط في أغلب القضايا الأخرى، وطبقا لما أورده بيلن، كان العرب يساومون على كل كلمة.
"كان ممثلو اليهود تصالحيين -وفقا لستوكويل. وقد كان ماريوت الذي تحول بعد ذلك ليصبح معاديا شرسا للإسرائيليين، أكثر تأكيدا على هذه الصفة حيث كتب: ترك أعضاء الوفد الإسرائيلي انطباعا جيدا بشهامتهم في النصر، واعتدال شروطهم للهدنة، واستعدادهم للموافقة على التعديلات التي طلب الجنرال ستوكويل إدخالها. كما وصف ماريوت -ليفي، بأنه رجل شجاع له شخصيته... کریم وودود وأن انشغاله الرئيسي كان بالسلام والرفاهية في حيفا. أما فيما يتعلق بسولومون فقد رأى أنه لا يفتقر إلى التميز وروح الدعابة -على الأقل عندما يكون في الجانب المنتصر. ووصف ماريوت ضابط اتصالات الهاغانا (بي ولف ريبك) بأنه يتحدث بلهجة أكسفورد ولكنه لم يكن مجردا من الذكاء. وعلى الجانب الآخر ترك الوفد العربي انطباعا مؤسفا.
"فيما يتصل بوجهة نظر ماريوت الذي جاء إلى الشرق الأوسط حديثا، في "الانسان العربي" فقد وصفه بأنه: شخصية رومانتيكية تعيش في الهواء الطلق وتقضي معظم حياتها على ظهر الجِمال أو في قيادة الخيول الأصيلة. لكنهم في مبنى بلدية المدينة لم يرتقوا إلى مستوى توقعاته بشكل عام، باستثناء مراد، الذي وصفه ماريوت بأنه رجل بسيط..."أنا متأكد من أنه بعيدا عن الجهاد يرغب في السلام. أما خياط فكان بشكل واضح (حتى لا نقول لافتا للنظر) ثريا ويُقال إنه لا يزال يمتلك متجرا في الشارع الخامس في نيويورك حيث يتم بيع المقتنيات الفنية الثمينة. وفيما يتصل بسعد فإنه رجل أعمال صعب المراس يكن كراهية واضحة للبريطانيين". وكتب القنصل البريطاني: "أن الكلمة الوحيدة التي يمكن أن تصف السيد إلياس كوسا هي أنه ثائر. إنه يعاني من عين صناعية مركبة بشكل سيئ تبرز في لحظات الإثارة إلى الخارج وتظهر حافة الحدقة بنية اللون. وعلى الرغم من أنه محام فإنني لا أرغب لا في توكيله ولا في رؤيته يمثل الطرف الآخر في خصومة. لم يتقبل ماريوت إعلان كوسا أنه رغم أن العرب قد خسروا جولة فسيكون هناك جولات أخرى".
"توقف الاجتماع في الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر، حيث طلب العرب مهلة أربع وعشرين ساعة لدراسة الشروط، وهو ما اعترض عليه اليهود. وبناء على إلحاح البريطانيين، تم الاتفاق على إعطاء العرب مهلة ساعة".
يقول الشيخ مراد: "كان رأيي الذي أعلنته لزملائي ألا نوقع على الاتفاقية وأن نكسب الوقت ونطلب التأجيل. وكنت أنتظر نتيجة استنجادنا بقوة الجيش العربي الأردني المعسكر بجوار حيفا ووصول نجدة من القرى العربية المحيطة بحيفا وخاصة من قرية الطيرة المجاورة. كما كنا ننتظر رد الفعل العربي على سقوط المدينة وما أحدثه هذا السقوط في العالم العربي من سخط ونقمة وألم. كما كنت أرى أن التوقيع على أول اتفاق مع اليهود سابقة خطيرة يجب أن لا نُقْدم عليها دون ترو وتريث".
عادت الوفود بعد الاجتماع في (منزل فيكتور خياط) الى مبنى البلدية: "حيث أعلنوا -لم يعد وفدهم يضم سوى الأعيان المسيحيين، نتيجة لبقاء المسلمين، أبو زيد ومراد بعيدا- أنهم ليسوا في موقع يخولهم توقيع هدنة، حيث إنهم ليست لهم أي سيطرة على العناصر العربية المسلحة في المدينة، كما أنهم....لا يمكنهم تنفيذ شروط الهدنة حتى لو قاموا بتوقيعها. وكبديل لذلك عبروا عن رغبة السكان العرب في الجلاء عن حيفا...رجال ونساء وأطفال "بحماية إنكليزية وبوسائل نقل تقلهم الى الأماكن التي يقصدونها".
"أصيب اليهود والمسؤولون البريطانيون بالدهشة، بل وبالصدمة. ناشد ليفي -بطريقة عاطفية مؤثرة- ...العرب إعادة النظر في الموقف. وذكر أنه يجب عليهم عدم مغادرة المدينة التي عاشوا فيها لمئات السنين، وحيث دفن أجدادهم، وحيث عاشوا لزمن طويل في سلام وأخوة مع اليهود. غير أن العرب أفادوا بأنه ليس أمامهم خيار آخر. ووفقا لكارميل الذي أفاده مكليف عن فحوى الاجتماع، فقد شحب وجه ستوكويل عند سماعه قرار العرب، وقام بدوره بمناشدتهم إعادة النظر فيه، وألا يرتكبوا مثل هذا الخطأ الخطير. كما ناشدهم قبول الشروط قائلا: لا تدمروا حياتكم من دون مبرر. وعقب ذلك توجه بالسؤال إلى مكليف: ماذا لديكم لتقولوه؟ فرد الأخير: "إن القرار يرجع لهم (المقصود العرب). عند تذكره لهذه الأحداث كتب سولومون أنه كذلك ناشد العرب إعادة النظر في القرار ولكن من دون جدوى". رئيس شُعبة الاخوان بحيفا الشيخ مراد أكد بدوره هذه الاقوال. (مراد، صفحات، م. س. ص 96. و فلسطين- 23/4/1948.)
..."لم يصل العرب إلى اتفاق مع اعدائهم الذين واصلوا هجومهم كما واصل المناضلون ورجال الحامية دفاعهم حتى نفد عتادهم وقل سلاحهم. أُعطيت الأوامر من الحامية بالانسحاب في الساعة التاسعة من صباح يوم 23 نيسان أبريل 1948 وهكذا انتهت المقاومة العربية في مدينة حيفا. كان عدد رجال الحامية - بقيادة يونس نفاع الذي توى القيادة بعد مغادرة آمر الحامية امين عز الدين ومعاونه امين النبهاني الى دمشق- لا يزيد عن 580 شاباً استشهد منهم في المعركة حوالي الـ 60 وعشرة من رجال الإسعاف، ومن المدنيين أكثر من مئة شهيد وزاد عدد الجرحى عن المئات". (مراد، صفحات، م. س. ص 96-97. الحاج إبراهيم، مذكرات، م. س. ص 102، 109.)
نزح/جلى الشيخ عبد الرحمن مراد - مع منْ غادر من اهل حيفا الى اللجوء والشتات: "قبل اجتماع دار البلدية، كان الجلاء العفوي عن المدينة قد بدأ من الأهالي بعد أن قُتل منهم من قتل وجرح من جرح نتيجة القصف اليهودي الذي لم ينقطع بالمدفعية والمورتر والمدافع والبنادق الرشاشة. وقد استمر الجلاء عدة أيام ولم يبق من سكان المدينة والذي كان يتجاوز عددهم السبعين ألفاً من السكان العرب غير ثلاثة آلاف فقط أقاموا في حي وادي الصليب للمسلمين وحي وادي النسناس للمسيحيين". (مراد، صفحات، م. س. ص 96-97.)



#وجدي_حسن_جميل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حتمية النكبة المتوقعة! قراءة في المسببات الذاتية والانهيار ا ...
- موقعة اجنادين العظيمة وتحديد موقعها: الرملة -بيت جبرين ام ال ...
- البحث عن الاثار العربية والاسلامية في قرية اللجون المهجرة
- سامي طه النقابي الفلسطيني الاول (1911-1947) - هل قُتل مظلوما ...
- قراءة في كتاب -صديقة العرب- المسز نيوتن- خمسون عاما في فلسطي ...
- مرور 100 عام على افتتاح الجامعة العبرية بالقدس بمشاركة بلفور ...


المزيد.....




- بعد 19 عامًا.. القصة الحقيقية وراء صورة كيت موس الشهيرة على ...
- سلطنة عُمان توجه تحذيرا بشأن الملاحة في مضيق هرمز وتكشف السب ...
- روسيا تستدعي سفيرها في أرمينيا بسبب تقاربها مع الاتحاد الأور ...
- مصر تقود تحركات مكثفة لإحياء مفاوضات غزة وتحذر إسرائيل من فر ...
- “نرتكب كل الأخطاء الممكنة”.. مسؤول أكاديمي إسرائيلي بارز يوج ...
- ليفربول يقيل مدربه سلوت من أجل -التغيير ومواصلة مسيرته ?نحو ...
- أهم من دروس الجبر.. -سؤال واحد- يحول اتصال الأجداد إلى موعد ...
- استنفار وتعليق رحلات.. مسيّرة تشل حركة الملاحة في مطار ميونخ ...
- تطبيقات -في بي إن-.. من يحمي خصوصيتك ومن يراقبك فعلا؟
- آثار جنوب لبنان في خطر.. غارات الاحتلال تهدد إرثا حضاريا بار ...


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - وجدي حسن جميل - سقوط حيفا: عندما طلب المفاوضون العرب -الرحيل- من حيفا خلال المفاوضات على الهدنة 22/4/1948؟!