|
|
الردة في العمل الوطني الفلسطيني (1940-1945): دراسة في آليات الانكفاء والتشظي السياسي والاجتماعي
وجدي حسن جميل
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 15:57
المحور:
القضية الفلسطينية
مقدمة: السياق التاريخي وجدلية التحول تُمثل الفترة الممتدة بين عامي 1940 و1945، وهي سنوات الحرب العالمية الثانية، واحدة من أكثر الحقب التاريخية حرجاً وغموضاً في مسار القضية الفلسطينية. فبينما كانت القوى العظمى تتصارع على جبهات أوروبا وشمال إفريقيا لترسيم حدود العالم الجديد، كانت الساحة الفلسطينية تعيش مخاضاً داخلياً عنيفاً، اتسم بالانتقال المفاجئ من ذروة الفعل الثوري المسلح إلى حالة من الركود المهادن، أو ما يُمكن وصفه تاريخياً بـ "الردة" في العمل الوطني. لِفهم هذه الردة، لا بد من العودة قصبةً إلى الوراء؛ فالثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) كانت قد استنزفت المجتمع الفلسطيني اقتصادياً وبشرياً وعسكرياً. وحين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في بداياتها، وجد المجتمع الفلسطيني نفسه بلا قيادة تاريخية، وبلا غطاء إقليمي متماسك، وفي مواجهة سلطة انتداب بريطانية شرسة وحركة صهيونية منظمة تنظيماً شبه دولي. في هذا المناخ، تشابكت العوامل الداخلية والخارجية لتخلق واقعاً جديداً تراجعت فيه لغة الرفض والمقاومة، وصعدت بدلاً منها نُخب مهادنة، وظهرت أنماط سلوكية وتنازلات سياسية واجتماعية شكلت بمجموعها مساراً تراجعياً مهد الطريق، مع عوامل أخرى، لنكبة عام 1948 الكبرى. تبحث هذه الدراسة الموسعة في الأبعاد العميقة لهذه الردة، مفككة أسبابها السياسية والدولية، وراصدةً تجلياتها ومظاهرها على الأرض الفلسطينية من خلال التفاصيل الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية التي طبعت تلك السنوات الخمس الحرجة. أولاً: الجذور والأسباب السياسية والتنظيمية للانكفاء الوطني لم تكن الردة الوطنية حدثاً فجائياً برز مع إعلان الحرب العالمية الثانية، بل كانت نتاجاً لتراكمات بنيوية واختراقات سياسية بدأت ملامحها تتشكل منذ أواخر الثلاثينيات. 1. الاحتقان الداخلي وممارسات القيادة: أثر التصفيات وعنف الثورة ضد المعارضين في المراحل المتقدمة من الثورة الفلسطينية الكبرى، وتحديداً بين عامي 1938 و1939، عانت الثورة من معضلة "التآكل الداخلي". فقد تداخل العمل الفدائي الوطني مع تصفية الحسابات العائلية والحزبية. وتحت وطأة الملاحقة البريطانية، مارست بعض فصائل الثورة وبعض المقربين من القيادة التقليدية (الممثلة بالمجلسيين أو مؤيدي المفتي) سياسة عنيفة وقاسية ضد المعارضين السياسيين، ولا سيما أعضاء "حزب الدفاع الوطني" الذي أسسته عائلة النشاشيبي، والوجهاء المحليين الذين اتُهموا بالمهادنة أو عدم دعم الثورة بالمال. هذه الممارسات، التي شملت الاغتيالات السياسية وفرض الإتاوات القسرية على التجار والفلاحين، تركت جرحاً غائراً في النسيج الاجتماعي الفلسطيني. وبدلاً من أن تكون الثورة حاضنة جامعة، شعرت شرائح اجتماعية وازنة —من وجهاء مدن وفلاحين في القرى— بأنها مستهدفة من "أبناء جلدتها". هذا الاحتقان الداخلي ولد حالة من النفور والإنهاك، وجعل قطاعات غير قليلة من المجتمع تبحث عن "الأمن والاستقرار" بأي ثمن، حتى لو كان ذلك تحت مظلة الانتداب البريطاني والصهيوني، مما خلق بيئة خصبة للتراجع والردة السياسية لاحقاً. 2. الاختراق التخريبي: شبكات العمالة وأدوار القوى الإقليمية والصهيونية استغلت سلطات الانتداب البريطاني هذا الشرخ الداخلي بذكاء بريطاني معهود. فقامت بتأسيس وتمويل ما عُرف بـ "فصائل السلام" (Peace Bands) بالتعاون مع عائلات وشخصيات معارضة للمفتي أمين الحسيني. كانت هذه الفصائل مسلحة من قبل الإنجليز وتعمل كقوة مضادة للثوار في القرى.، وكثيرا منها بالتنسيق مع الصهيونيين. إلى جانب البريطانيين، كان للأمير عبد الله الأول، أمير شرق الأردن، تطلعات سياسية واضحة لضم فلسطين أو أجزاء منها إلى عرشه (مشروع سوريا الكبرى). ووجد الأمير في الوجهاء الفلسطينيين المعارضين للمفتي حلفاء طبيعيين. تغلغلت شبكات التخريب والعمالة من خلال المال السياسي والوعود بالملكية والأمن، وتكامل هذا الدور مع اختراقات "الوكالة اليهودية" التي نشطت عبر قسمها العربي في نسج علاقات مع كثير من المخاتير والوجهاء المحليين لشراء الأراضي من جهة، وضمان تحييد القرى العربية خلال سنوات الحرب من جهة أخرى. هذا التضافر بين المحتل، والطموح الإقليمي، والمشروع الصهيوني، أدى إلى تفكيك أية محاولة لإعادة بناء الخلايا المسلحة الوطنية. 3. الفراغ القيادي: نفي القيادة التاريخية ومأزق العمل من الخارج منذ 1937 منذ أكتوبر 1937، عقب اغتيال الحاكم البريطاني للواء الجليل "لويس أندروز" على يد جماعات القسام وحظر اللجان القومية واللجنة العربية العليا، غادرت القيادة الفلسطينية السياسية البلاد. نجح المفتي الحاج أمين الحسيني في الفرار إلى لبنان، ومن ثم انتقل إلى العراق، تلاه نفي وإبعاد أقطاب سياسيين آخرين إلى جزر سيشيل أو دول أخرى. هذا الغياب الفيزيائي للقيادة منذ عام 1937 ترك فراغاً تنظيمياً وسياسياً هائلاً داخل فلسطين طوال فترة الحرب العالمية الثانية. فالعمل الوطني أدارته عقول مشتتة في المنافي، تفتقر إلى التواصل اليومي والمباشر مع القواعد الشعبية في المدن والقرى. وبغياب المرجعية الوطنية الموحدة داخل البلاد، تُرك المجتمع الفلسطيني نهباً للاجتهادات الفردية والمصالح العائلية الضيقة، وصار من السهل على القيادات المحلية من الصف الثاني والثالث توجيه الدفة نحو مسارات المهادنة مع الانتداب والوكالة الصهيونية. 4. الرهانات الدولية الخاسرة: فشل ثورة الكيلاني وتداعيات التحالف مع المحور ارتبطت السياسة الخارجية للقيادة الفلسطينية في المنفى برهانات دولية راديكالية. في عام 1941، انخرط المفتي أمين الحسيني بشكل وثيق في دعم ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد النفوذ البريطاني. كان الفشل السريع والمدوي لهذه الثورة بمثابة هزة عنيفة للمطامح الفلسطينية، واضطر المفتي للهروب مجدداً عبر تركيا وصولاً إلى روما وبرلين. في برلين، اتخذ المفتي موقفه الأكثر إثارة للجدل بتأييده العلني لألمانيا النازية ودول المحور، مراهناً على أن انتصار هتلر سيؤدي إلى الخلاص من الاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني. كانت نتائج هذا الرهان كارثية على العمل الوطني الفلسطيني: • تصلب الموقف البريطاني: وجدت بريطانيا في مواقف المفتي ذريعة ذهبية لشيطنة الحركة الوطنية الفلسطينية بأكملها -وشيطنة المفتي بشكل خاص- واعتبارها حركة "فاشية وطابوراً خامساً"، مما برر لها اتخاذ إجراءات قمعية مشددة واستباقية ضد أي تحرك عربي في فلسطين. • الاستغلال الصهيوني: استغلت الحركة الصهيونية صور المفتي مع هتلر في ماكينتها الإعلامية العالمية بكفاءة عالية، لربط النضال الفلسطيني بالنازية والعداء للسامية، مما أكسب المشروع الصهيوني تعاطفاً دولياً غير مسبوق، ولا سيما في الولايات المتحدة وبريطانيا. • الموقف السوفياتي: أدى تحالف المفتي مع النازية إلى اتخاذ الاتحاد السوفياتي (الذي كان يخوض حرباً وجودية ضد ألمانيا) موقفاً عدائياً صارماً من القيادة الفلسطينية التقليدية، وهو ما انعكس لاحقاً على الموقف السوفياتي المؤيد لقرار التقسيم في عام 1947. • المواقف العربية: أدى هذا الاصطفاف إلى "إحراج" الأنظمة العربية الحليفة لبريطانيا (مثل مصر والعراق وشرق الأردن)، مما دفعها لتهميش المفتي والحد من نفوذه السياسي، وتفضيل التعامل مع نخب فلسطينية أكثر مرونة ومهادنة. ثانياً: مظاهر الردة وتجلياتها على الأرض الفلسطينية (1940-1945) لم تكن الردة مجرد قرارات سياسية فوقية، بل تغلغلت في تفاصيل الحياة اليومية، السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني خلال سنوات الحرب، واتخذت مظاهر علنية مدهشة مقارنة بزمن الثورة الصارم. 1. صعود قيادات الصف الثاني والتيارات الموالية للأمير عبد الله والإنجليز مع غياب المفتي ورموز اللجنة العربية العليا، تصدرت المشهد القيادي في فلسطين شخصيات من "الصف الثاني". كانت هذه القيادات تتشكل في معظمها من الأعيان، وكبار الملاك، والوجهاء الذين تضررت مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية إبان الثورة الكبرى. تميزت هذه النخب الجديدة-القديمة بخصيصتين أساسيتين: • العداء الفكري والسياسي للمفتي: رأت هذه النخب أن سياسات المفتي الراديكالية جلبت الكوارث للبلاد، وأن الصدام المسلح مع بريطانيا انتحار سياسي. • الولاء المزدوج للانتداب والهاشميين: انحازت هذه القيادات إلى القبول بالانتداب البريطاني كأمر واقع، ودعمت سرا وعلناً مشروع الأمير عبد الله لدمج فلسطين بالشرق الأردن، معتبرة أن هذا الحل هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ومواجهة الخطر الصهيوني المتنامي. 2. الانخراط في جيش الانتداب: معضلة التجنيد ودور النخب الدينية والسياسية الصاعدة من أبرز مظاهر الردة السلوكية والسياسية كان الانخراط الواسع للشباب العربي الفلسطيني في صفوف الجيش البريطاني والقوات الحليفة لها خلال الحرب العالمية الثانية. فبينما كان الثوار قبل عامين فقط يطلقون الرصاص على الجنود البريطانيين، أصبح آلاف الشباب الفلسطينيين يرتدون البزة العسكرية البريطانية ويقسمون ولاء الطاعة لتاج بريطانيا. قفزت أعداد المجندين العرب في القوات البريطانية (مثل الفيلق الفلسطيني - Palestine Regiment) إلى عدة آلاف. ولم يكن الدافع اقتصادياً فحسب (بسبب الرواتب والامتيازات)، بل رافقه غطاء سياسي وأيديولوجي صاخب من بعض النخب. وهنا تبرز مفارقة تاريخية؛ إذ كان من أشد الداعين والمحفزين لتجنيد الشباب العربي في الجيش البريطاني شخصيات صعدت في سياق التيارات الإسلامية والوطنية المحافظة، وعلى رأسها شكري قطينة (الذي أصبح لاحقاً أحد الرموز المؤسسين لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين). سُوِّق التجنيد في البروباغندا المحلية على أنه دفاع عن "الديمقراطية والحرية" في وجه الطغيان الفاشي والنازي، وأنه وسيلة لاكتساب الخبرة العسكرية والتدريب على السلاح الحديث لخدمة مستقبل فلسطين. إلا أن النتيجة الفعلية كانت تفريغ الطاقات الشابة من محتواها الكفاحي المستقل ووضعها تحت إمرة وتوجيه الاستعمار البريطاني. 3. دعم المجهود الحربي: تحول الاقتصاد الفلسطيني إلى عمق استراتيجي لبريطانيا تحولت فلسطين خلال سنوات الحرب إلى قاعدة عسكرية واقتصادية كبرى لجيوش الحلفاء في الشرق الأوسط. وشهدت البلاد طفرة اقتصادية مصطنعة نتيجة لتدفق الأموال البريطانية لدعم المجهود الحربي. سارعت قطاعات واسعة من المجتمع العربي الفلسطيني للاستفادة من هذه الطفرة وتوطيد أركان الدعم اللوجستي للمستعمر: • المعسكرات والمشاريع الإنشائية: أقيمت عشرات المعسكرات والمطارات العسكرية والمستودعات البريطانية في طول البلاد وعرضها. وتدفق آلاف العمال العرب (الفلاحون الذين هجروا أراضيهم بسبب جفاف الدعم أو رغبة في الأجر السريع) للعمل في بناء هذه المنشآت وصيانتها. • المصانع والورش والزراعة: انتعشت الورش الصناعية والمصانع الغذائية العربية لتموين الجيوش البريطانية. ووُجهت المحاصيل الزراعية في السهول الفلسطينية لخدمة مجهود الحرب، مما ربط مصالح البرجوازية المدنية وكبار الملاك الزراعيين العرب ببقاء واستقرار سلطة الانتداب البريطاني طوال فترة الحرب. 4. التطبيع الاجتماعي والثقافي: حفلات الترفيه لجنود المحتل شهدت المدن الفلسطينية الكبرى (مثل القدس، حيفا، يافا) تحولاً لافتاً في نمط الحياة الاجتماعية والترفيهية خلال الحرب. فبعد سنوات الإضراب الطويل (1936) والتقشف والتزام البيوت هرباً من حظر التجوال والاشتباكات، انفتحت المدن على موجة عارمة من الأنشطة الترفيهية الموجهة أساساً لجنود الحلفاء والبريطانيين المخيمين في البلاد. أقيمت الحفلات الموسيقية والراقصة والأمسيات الترفيهية في الفنادق والنوادي والمقاهي الكبرى والمعسكرات - "هناك في مكان ما"-، وبمشاركة وحضور نخب اجتماعية فلسطينية. لم يعد الجندي البريطاني في المخيال الجمعي المدني ذلك "المحتل الشرس" الذي يداهم البيوت ويعدم الثوار، بل غدا زبوناً مرحباً به ومحركاً لعجلة الاقتصاد والترفيه. هذا التطبيع الاجتماعي ساهم في تخدير الوعي الجمعي وميع حالة العداء التاريخي والمبدئي للمستعمر. 5. لجان وحفلات الصلح: التهدئة الداخلية والصلح مع المستوطنات الصهيونية في إطار سياسة التهدئة الشاملة (Pax Britannica) التي فرضتها ظروف الحرب، نشطت حركة واسعة لعقد "حفلات الصلح العشائري والريفي" في فلسطين بإشراف ورعاية فاعلة ومباشرة من الحكام العسكريين والمدنيين البريطانيين. كانت هذه الحفلات تهدف إلى إنهاء الثارات الأهلية والصراعات بين القرى العربية التي اندلعت خلال سنوات الثورة الكبرى نتيجة للاقتتال الداخلي والتصفيات. لكن المظهر الأكثر غرابة وخطورة في سياق الردة كان امتداد هذه اللقاءات لتشمل عقد "اتفاقيات وحفلات صلح" بين قرى عربية ومستوطنات صهيونية مجاورة. رتبت هذه اللقاءات برعاية مشتركة من ضباط الانتداب وقسم الشؤون العربية في الوكالة اليهودية. وتحت شعارات "الجوار الحسن" و"المصالح الاقتصادية المشتركة" وتأمين الحصاد، التقى وجهاء ومخاتير عرب مع قادة مستوطنات صهيونية في ولائم وحفلات علنية، وتبادلوا خطابات المودة والصلح، مما عنى عملياً اعترافاً محلياً بوجود هذه المستوطنات وتحييداً تاماً لعامل الصراع مع المشروع الصهيوني في ذروة تمدده البنيوي. 6. الحملة لخلع "الحطة والعقال" والعودة للطربوش: صراع الرموز البصرية إبان الثورة الفلسطينية الكبرى أصدرت قيادة الثورة أمراً عسكرياً صارماً يلزم جميع سكان المدن الفلسطينية (الذين كانوا يرتدون الطربوش التركي كرمز للأفندية والنخبة) بخلع الطربوش وارتداء "الحطة والعقال" (الكوفية بديل اللباس القروي). كان الهدف من ذلك الإجراء حماية الثوار الفلاحين الذين يتسللون إلى المدن من الاعتقال البريطاني عبر دمجهم بصرياً مع أهل المدن، وتحويل الكوفية إلى رمز للوحدة الوطنية والنضال. مع تراجع الثورة وحلول عام 1940، انطلقت حملة مضادة شرسة ومتدرجة لخلع الحطة والعقال والعودة إلى ارتداء الطربوش. قادت هذه الحملة الثقافية والاجتماعية صحيفة "فلسطين" اليافية، التي كانت تعبر عن مصالح النخب المدنية والمعارضة الموالية للإنجليز. سُوِّقت العودة للطربوش في مقالات الصحيفة على أنها عودة إلى "المدنية، والتحضر، والنظام" وتخلص من إرث "الفوضى والاضطراب" الذي ارتبط في ذهن النخبة بسنوات الثورة الأخيرة. صراع الرموز البصرية هذا لم يكن هامشياً، بل كان تعبيراً جلياً عن رغبة النخب المدنية التقليدية في الانقلاب على الإرث البصري والسياسي للثورة الكبرى وإعادة الاعتبار لزمن المهادنة والأفندية. 7. "حرث البلاد": الزيارات المكثفة للأمير عبد الله لحشد التأييد استغل الأمير عبد الله الأول ظروف الحرب وشلل القيادة الفلسطينية ليعزز حضوره السياسي والميداني داخل فلسطين بشكل غير مسبوق. فبين عامي 1941 و1945، قام الأمير بزيارات مكثفة ومتتالية شملت معظم المدن والبلدات والقرى الفلسطينية الكبرى، في حركة يمكن وصفها بـ "حرث البلاد" طولاً وعرضاً. كانت هذه الزيارات تحظى بتسهيل وحماية كاملة من سلطات الانتداب البريطاني. وحظي الأمير باستقبالات حافلة ومهرجانات خطابية نظمها الوجهاء والمخاتير والقيادات المحلية الموالية له وللإنجليز. هدفت هذه اللقاءات المكثفة إلى: • بناء قاعدة شعبية وسياسية صلبة تؤيد مشاريعه الوحدوية تحت العرش الهاشمي. • إقناع الوجهاء بأن الخلاص من الانتداب ومواجهة الهجرة الصهيونية لا يمر عبر السلاح والصدام، بل عبر الانضواء تحت لواء دولة قوية ومستقرة (شرق الأردن) حليفة لبريطانيا. • عزل تيار المفتي بالكامل وإظهاره بمظهر التيار الغائب الذي عفا عليه الزمن.
• رابعاً: البنية الاجتماعية والاقتصادية للردة وطبقات المستفيدين لا يمكن فهم الردة بمعزل عن المصالح الطبقية والتحولات الاقتصادية التي طرأت على المجتمع الفلسطيني أثناء الحرب. فقد أنتج الاقتصاد الحربي البريطاني شبكة مصالح معقدة ضمت أطرافاً متعددة: 1. كبار الملاك العقاريين والزراعيين: هؤلاء وجدوا في حاجة الجيش البريطاني للغذاء فرصة لتحقيق أرباح طائلة، فصارت مصلحتهم المباشرة تقتضي بقاء الهدوء والأمن في الأرياف ووقف أي نشاط فدائي قد يعطل دورة الإنتاج والتصدير. 2. البرجوازية التجارية المدنية: استفاد التجار والمقاولون العرب من عقود التوريد والإنشاءات لمعسكرات الجيش البريطاني. تضخمت ثروات هذه الطبقة، وغدت ترى في الخطاب الوطني الراديكالي تهديداً لثرواتها ونفوذها الصاعد. 3. العمال والفلاحون المفقرون: نتيجة للدمار الاقتصادي الذي خلفته سنوات الثورة، اضطر آلاف الفلاحين والعمال للبحث عن لقمة العيش داخل المعسكرات البريطانية. هذا الاندماج العمالي القسري أوجد حالة من التبعية المعيشية للمحتل، وجعل قطاعاً واسعاً من الطبقات الشعبية ينكفئ على همومه المعيشية اليومية على حساب الانشغال بالقضايا السياسية الكبرى. هذه البنية الاقتصادية المشوهة خلقت ما يُمكن تسميته بـ "السلم الاجتماعي المؤقت" المبني على عوائد الحرب، وهو سلم هش تهاوى سريعاً بمجرد انتهاء الحرب وتوقف التدفقات المالية البريطانية، تاركاً المجتمع الفلسطيني في حالة عراء اقتصادي وسياسي تام. خامساً: من الردة إلى الكارثة (ارتباط المسار بنكبة 1948) إن هذه الردة السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشتها فلسطين بين عامي 1940 و1945 لم تكن مجرد كبوة عابرة أو استراحة محارب فرضتها ظروف الحرب العالمية الثانية؛ بل كانت، في حقيقتها، مساراً تفكيكياً مدمراً أجهز على ما تبقى من عناصر القوة الذاتية والمناعة الوطنية للمجتمع الفلسطيني. حين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945، وانقشع غبار المعارك الدولية، استفاقت الحركة الصهيونية وهي في أوج قوتها وتنظيمها وتسليحها وخبرتها العسكرية (التي اكتسبها شبابها من خلال التجنيد الاحترافي في اللواء اليهودي داخل الجيش البريطاني)، مستندة إلى تعاطف دولي هائل ووحدة قيادية وسياسية فولاذية تمثلت في دافيد بن غوريون والوكالة اليهودية. في المقابل، استفاقت فلسطين العربية وهي تعيش أسوأ مراحل تشرذمها وإنهاكها: • كان مجتمعها قد جُرِّد من سلاحه تماماً بفعل القمع البريطاني الصارم إبان الثورة، وبفعل حالة الاسترخاء والمهادنة طوال سنوات الحرب. • كانت نخبها السياسية منقسمة انقساماً عمودياً حاداً بين مجلسيين ومعارضين، تتبادل الاتهامات والضغائن وتفتقر إلى أي رؤية استراتيجية موحدة. • كانت مؤسساتها الوطنية واللجان الشعبية قد تكلست وتلاشت لصالح صعود الوجاهات التقليدية والزعامات العائلية المحلية. خلاصة استشرافية وتاريخية: إن حالة التخدير السياسي، والمهادنة الواسعة مع الانتداب، والانخراط في المجهود الحربي للاستعمار، والرهانات الدولية الخاسرة على المحور، والقبول بالتطبيع المحلي مع المستوطنات الصهيونية تحت مسمى لجان الصلح، بالإضافة إلى تفكك النسيج القيادي والمجتمعي، هي الأسباب العميقة والجوهرية التي شكلت بمجموعها تضافراً كارثياً مع عوامل أخرى (كالتواطؤ الدولي، والضعف والتبعية للأنظمة العربية الناشئة، والتفوق العسكري والتنظيمي الصهيوني). هذا التضافر التاريخي قاد المجتمع الفلسطيني، وهو أعزل، مشتت القيادة، ومنهك القوى، مباشرة وبشكل حتمي نحو الانكسار الأكبر والفاجعة التاريخية المتمثلة في نكبة عام 1948 وتشريد الشعب الفلسطيني من أرضه. فالنكبة لم تكن وليدة صدفة عسكرية في نيسان أو أيار 1948، بل كانت المحصلة البائسة لسنوات من الردة والتآكل البنيوي والسياسي التي سبقتها.
#وجدي_حسن_جميل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سقوط حيفا: عندما طلب المفاوضون العرب -الرحيل- من حيفا خلال ا
...
-
حتمية النكبة المتوقعة! قراءة في المسببات الذاتية والانهيار ا
...
-
موقعة اجنادين العظيمة وتحديد موقعها: الرملة -بيت جبرين ام ال
...
-
البحث عن الاثار العربية والاسلامية في قرية اللجون المهجرة
-
سامي طه النقابي الفلسطيني الاول (1911-1947) - هل قُتل مظلوما
...
-
قراءة في كتاب -صديقة العرب- المسز نيوتن- خمسون عاما في فلسطي
...
-
مرور 100 عام على افتتاح الجامعة العبرية بالقدس بمشاركة بلفور
...
المزيد.....
-
-زي عسكري وبيعة لداعش-.. المغرب يعلن إحباط مخطط إرهابي -بالغ
...
-
تشمل شراء طائرات وإنشاء مصانع.. خطة إسرائيلية لتعزيز قدرات ا
...
-
بنعبد الله يترأس لقاءً جماهيرياً حاشداً بسيدي امحمد اومرزوق
...
-
برلين ـ تحذير ات من فوز -ذراع بوتين البرلمانية بألمانيا-
-
حركة -أنصار الله- تهدد بإغلاق باب المندب
-
هجوم مسلح يستهدف ناقلة قبالة سواحل اليمن
-
الكرملين: ترامب منفتح على الاستماع إلى بوتين في أزمة أوكراني
...
-
الجيش الإسرائيلي يعلن تصفية 5 مسلحين شمال غزة
-
قصر باكنغهام يسحب دعوة إقامة الأمير هاري بعد قبولها في اللحظ
...
-
أسراب من المسيرات تخترق إسرائيل عبر الحدود المصرية.. ومطالبا
...
المزيد.....
-
خطة ترامب: بين النص والتطبيق
/ معتصم حمادة
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
/ غازي الصوراني
-
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
/ محمود الصباغ
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
-
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي
...
/ غازي الصوراني
-
بصدد دولة إسرائيل الكبرى
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل
/ سعيد مضيه
المزيد.....
|