أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسن مدبولى - تركيا ومصر اقتصادان ونتائج متباينة !!















المزيد.....

تركيا ومصر اقتصادان ونتائج متباينة !!


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 20:36
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


كيف يمكن لدولة لا تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط أو الغاز أن تتحول إلى قوة صناعية يتخطى اقتصادها التريليون دولار، بينما تمتلك دولة أخرى قناة السويس، وحقول غاز، ونهر عذب، وبحيرات وسواحل ممتدة، وسوقًا يزيد على مائة مليون نسمة، وموقعًا يربط ثلاث قارات، ثم تجد نفسها بعد سنوات طويلة تبحث عن الدولار، وتبيع أصولها، وتعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض؟
هذا السؤال لا يتعلق بتركيا أو مصر وحدهما، بل بفكرة أعمق: هل تصنع الثروات نهضة الدول، أم تصنعها طريقة إدارة تلك الثروات؟
فخلال العقدين الماضيين واجه البلدان تحديات هائلة، لكن النتائج جاءت مختلفة إلى حد يصعب تجاهله.
فعندما تولى رجب طيب أردوغان الحكم عام 2003، كانت تركيا تخرج من واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية، تعاني تضخمًا مرتفعًا، وانكماشًا اقتصاديًا، ومديونية ثقيلة، وضعفًا في الثقة بالعملة والأسواق. ثم توالت عليها الأزمات؛ هجمات إرهابية، وتمرد مسلح، ومحاولة انقلاب عام 2016، وحروب على حدودها الجنوبية، وعقوبات وضغوط اقتصادية، وأخيرًا الزلزال المدمر الذي أودى بحياة عشرات الآلاف وخلف خسائر اقتصادية هائلة.
ورغم كل ذلك، لم يكن الرد الاقتصادي هناك هو بيع كافة ممتلكات الدولة، أو تسول الاقتراض الأجنبي ، وإنما التركيز على بناء قاعدة إنتاجية أوسع، وتشجيع الاستثمار الصناعي والزراعى ، وزيادة نسبة المكون المحلي، ودعم الصادرات، والاستثمار في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية،
واليوم على سبيل المثال تنتج تركيا الطائرات المسيّرة، والمقاتلات، والسفن، والغواصات، والمدرعات، والأقمار الصناعية، والسيارات، والأجهزة المنزلية، وأصبحت صادراتها السلعية تتجاوز 250 مليار دولار سنويًا، بينما يقترب حجم اقتصادها من 1.3 تريليون دولار، وتنتج (على سبيل المثال) نحو 1.5 مليون سيارة سنويًا، يذهب جزء كبير منها إلى الأسواق الأوروبية والعالمية، كما تستقطب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة كل عام رغم ما تواجهه من تحديات سياسية واقتصادية ومحاولات حصار من قوى متعددة كقبرص واليونان واسرائيل !؟ .
ولم ينعكس ذلك على المؤشرات الكلية فقط، بل على الحياة اليومية أيضًا. فبرغم موجات التضخم التي شهدتها تركيا خلال السنوات الأخيرة، فإن الاقتصاد ما زال قادرًا على توفير فرص عمل للمواطنين ، وجذب الاستثمارات الأجنبية ، والحفاظ على قاعدة صناعية وتصديرية تمنحه قدرة أكبر على امتصاص الصدمات العالمية والاقليمية. مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد أساسًا على التمويل والاقتراض الأجنبى،
قد نختلف مع سياسات أردوغان الخارجية في ملفات عديدة، من بينها غزة، وعلاقته بالغرب، واستمرار عضوية تركيا في حلف الناتو، وبعض مواقفه الإقليمية تحديدا تجاه ايران لكن تقييم السياسة الخارجية لا ينبغي أن يحجب تقييم السياسة الاقتصادية، لأن نجاح الدول لا يقاس فقط بمواقفها السياسية، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء اقتصاد منتج يوفر لمواطنيها فرص العمل والدخل والتقدم الصناعي.
في المقابل، تمتلك مصر مزايا يصعب أن تجتمع في دولة واحدة؛ قناة السويس، واحتياطيات من الغاز الطبيعي، وساحلين بحريين، وثروة سياحية وأثرية، وأراضي زراعية، ومياه مستقرة رغم سد النهضة، وموقعًا استراتيجيًا فريدًا، وسوقًا محلية ضخمة، وقوة عمل بشرية كبيرة تساهم فى توفير عملات اجنبية من عملها بالخارج،
لكن هل تحولت كل تلك المزايا إلى قاعدة إقتصادية إنتاجية تضاهي ما تمتلكه مصر من إمكانات !؟

الإجابة، في تقديري، هي لا.
فبعد أكثر من عشرة أعوام، ما زالت الوصفة الاقتصادية نفسها تتكرر تقريبًا مع كل أزمة: الاقتراض، وبيع أصول الدولة، وفرض ضرائب ورسوم جديدة، ورفع أسعار الطاقة والخدمات والسلع الرئيسية وغير الرئيسية، وتقليص الدعم، ثم تخفيض قيمة الجنيه بلا توقف أو قاعدة مالية ،
ورغم الجهود الكبيرة التي بُذلت في مشروعات البنية الأساسية والطرق والعاصمة الجديدة، وقناة السويس الجديدة والمونوريل والاتوبيس الترددى وغيرها ،فإن المؤشرات الإنتاجية لا تعكس تحولًا مماثلًا في هيكل الاقتصاد. فما زالت الصادرات السلعية المصرية تدور حول 40 مليار دولار سنويًا، أي أقل بنحو ست مرات من الصادرات التركية، كما لا تزال الصناعة المصرية تعتمد في قطاعات عديدة على مكونات مستوردة، ولم يتحقق بعد تحول واسع نحو صناعات عالية القيمة المضافة قادرة على المنافسة عالميًا.وهو مايعنى ان تلك المشروعات لم تكن ذات مردود يتناسب مع حجم الانفاق عليها، بل واحدث فجوة ضخمة تتضح عند مقارنة عدد من المؤشرات الاقتصادية الأساسية بين البلدين :

• الناتج المحلي الإجمالي

تركيا: نحو 1.3 تريليون دولار
مصر: نحو 400 مليار دولار

• الصادرات السلعية

تركيا: أكثر من 260 مليار دولار
مصر: نحو 40 مليار دولار

• إنتاج السيارات
( على سبيل المثال)

تركيا: نحو 1.4–1.5 مليون سيارة سنويًا
مصر: أقل من 100 ألف سيارة سنويًا

• الاستثمارات الأجنبية المباشرة

تركيا: 10–15 مليار دولار سنويًا
مصر: 6–10 مليارات دولار سنويًا (مع تذبذب ملحوظ)

• الدين الخارجي

تركيا: يتجاوز 500 مليار دولار، لكن معظمه على الشركات والقطاع الخاص ويستند إلى اقتصاد وصادرات أكبر.
مصر: نحو 160 مليار دولار، ويغلب عليه الدين الحكومي أو المضمون حكوميًا.

• متوسط دخل الفرد
تركيا: يزيد بنحو 4 مرات فى المتوسط على نظيره المصري.

ولا تتوقف الفروق عند هذه المؤشرات الكلية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي يلمسها المواطن.
ففي تركيا، ورغم التضخم المرتفع، ما زالت الأجور الحقيقية ومستويات الدخل أعلى بصورة واضحة، كما أن الاقتصاد يمتلك قدرة أكبر على تعويض ارتفاع الأسعار من خلال الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار والسياحة ،
أما في مصر، فقد تزامنت موجات التضخم مع انخفاضات متكررة في قيمة الجنيه، وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والغاز والمياه والمواصلات، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء ومعظم السلع والخدمات، بينما لم تنجح الدخول في مواكبة هذه الزيادات، فتراجعت القوة الشرائية لقطاع واسع من المواطنين، بالاضافة الى البطالة المتفشية بلا مواجهة ،
والفارق هنا لا يكمن في الأرقام وحدها، بل في الفلسفة الاقتصادية الحاكمة.
فالاقتصاد الذي يعتمد على الإنتاج والتصدير يجلب العملات الأجنبية من المصانع والأسواق الخارجية، ويخلق وظائف مستقرة، ويزيد دخول المواطنين، ويمنح الدولة قدرة أكبر على تمويل احتياجاتها.
أما الاقتصاد الذي يعتمد بصورة أساسية على الاقتراض، فإنه يجلب العملات الأجنبية من الديون، ويظل مطالبًا بسداد أصل الدين وفوائده، بما يفرض ضغوطًا متزايدة على الموازنة العامة وسعر الصرف.
ولهذا، عندما ترتفع أسعار الفائدة العالمية، أو تت؟ي؟راجع التدفقات الاستثمارية، أو تتعرض المنطقة لأزمات سياسية أو عسكرية، يكون الاقتصاد الإنتاجي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، لأنه يمتلك قاعدة صناعية وتصديرية تعوض جزءًا من الخسائر، بينما يصبح الاقتصاد المعتمد على التمويل الخارجي والقروض أكثر هشاشة أمام أي اضطراب ولو كان هامشيا ،
وقد يقول قائل إن تركيا نفسها شهدت انخفاضًا حادًا في قيمة الليرة وارتفاعًا كبيرًا في معدلات التضخم، وهذا صحيح.
لكن الأزمة هناك أصابت اقتصادًا يمتلك قاعدة صناعية واسعة، وصادرات تتجاوز ربع تريليون دولار، وشركات قادرة على المنافسة عالميًا. أما حين تضرب الأزمة اقتصادًا لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والتمويل الخارجي، فإن آثارها تصبح أشد قسوة، ويكون التعافي منها أكثر صعوبة.

ولا يعني ذلك أن التجربة التركية خالية من الأخطاء، ولا أن التجربة المصرية تخلو من الإنجازات. فلكل دولة ظروفها وتحدياتها، ولكل تجربة جوانب نجاح وإخفاق. لكن المقارنة هنا لا تدور حول الأشخاص أو المواقف السياسية، وإنما حول النتائج التي أفرزتها السياسات الاقتصادية.
فالنتائج تشير إلى أن دولة محدودة الموارد الطبيعية استطاعت أن تبني قاعدة صناعية واسعة، وتضاعف صادراتها مرات عديدة، وتجعل الإنتاج والتصدير محركين رئيسيين للنمو. وفي المقابل، لا تزال دولة تمتلك موارد ومزايا استراتيجية استثنائية تبحث عن التوازن المالي عبر الاقتراض، وبيع الأصول، والإجراءات المالية المتكررة.
لكن الفارق الأهم بين التجربتين أن تركيا جعلت الإنتاج هو مصدر القوة الاقتصادية، بينما تحولت إدارة الاقتصاد في مصر، بدرجات متفاوتة، إلى الاعتماد على التمويل أكثر من الاعتماد على الإنتاج.
فالمشكلة ليست في نقص الموارد، ولا في الموقع الجغرافي، ولا في عدد السكان، وإنما في كيفية إدارة هذه المقومات وتحويلها إلى قيمة مضافة.
فالدول لا تصبح قوية لأنها تمتلك النفط أو الغاز أو المياه او الموانئ، بل لأنها تحول هذه المقومات إلى مصانع، وشركات قادرة على المنافسة، ومراكز أبحاث، وتكنولوجيا، وصادرات تولد الثروة وفرص العمل.
أما الاعتماد المستمر على الاقتراض، وبيع الأصول، ورفع الأعباء الضريبية، وخفض قيمة العملة، فقد يؤجل الأزمة لبعض الوقت، لكنه لا يبني اقتصادًا قادرًا على إنتاج الثروة، ولا يضمن تنمية مستدامة أو استقلالًا حقيقيًا في القرار الاقتصادي.بل يعمق من التبعية ويزيد من احتمالية الانهيار ،



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مستقبل الدولة فى مصر!!
- النظام البرلمانى ، مخرج آمن للمستقبل فى مصر
- قناة السويس مائة وسبعة وستون عاما على الحفر،وسبعون عاما على ...
- كوزو أوكاموتو المناضل الأممى
- المتعاطفون الأوائل !!
- إتجاهات البطولات الكروية فى مصر من عهد الاحتلال الى عصر الثو ...
- بمناسبة ثورة 23 يوليو، لماذا نتقاتل ؟
- القديس المزعوم !!؟
- محور الخزي والعار
- مستقبل مصر، أم مستقبل الحكومة !؟
- مالذى يجب على ايران فعله ؟
- الرجل الذى هزم نوبل !؟
- الخليجيون يرتكبون الجرم نفسه!
- موقفان مخزيان وكاشفان !؟
- النمرود !؟
- نظرية المؤامرة فى مونديال الحليف الأميركى !؟
- ثورة لاتسقط بالتشويه !!
- بين ثورة ، وثورة !!
- كأس فلسطين لكرة القدم !!
- تحية صادقة للمنتخب الايرانى لكرة القدم!


المزيد.....




- ترامب يصدم أوروبا.. عقاب عسكري واقتصادي
- بعد 169 عاما من اكتشافه.. -كويكب ثلاثي الفصوص- يدهش العلماء ...
- سوريا تبدأ سحب العملة القديمة وتلغي صلاحيتها القانونية
- انخفاض منسوب الدانوب يسبب نقصا حادا في الطاقة بصربيا والمجر ...
- الجيش المصري يستأئف حملته ضد التنقيب غير المشروع عن الذهب في ...
- علاء نصر الدين: زيادة مخصصات «رد الأعباء التصديرية» إلى 48 م ...
- -الإمارات دبي الوطني- يستحوذ على خدمات الأفراد في -إتش إس بي ...
- تفاؤل التهدئة يدفع أسهم الخليج للصعود بدعم من نتائج الشركات ...
- -وول ستريت جورنال- تحذر من فقاعة محتملة في استثمارات الذكاء ...
- السعودية و6 دول في -أوبك بلس- تعلن عن زيادة جديدة بإنتاج الن ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسن مدبولى - تركيا ومصر اقتصادان ونتائج متباينة !!