أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسن مدن - حركات اجتماعية وليست مجتمعاً مدنيّاً














المزيد.....

حركات اجتماعية وليست مجتمعاً مدنيّاً


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 14:06
المحور: المجتمع المدني
    


لا يمكن وصف الحركات الاجتماعية الواسعة في عالمنا العربي، التي تبرز، في الغالب، على هيئة تيارات دينية أو عشائرية وقبلية وسواها، بأنها مجتمع مدني بالمعنى الذي استقرّ عليه هذا المفهوم في الفكر السياسي الحديث، فلا يصحّ اعتبار حركات فضفاضة، تتحرّك، في أحيانٍ كثيرة، بإرادة مرشد روحي أو زعيم قبيلة أو شيخ طائفة، جزءاً من الفضاء الذي اصطلح على تسميته المجتمع المدني.

يتعلق الأمر بطبيعة البنية الاجتماعية والسياسية التي تتحرّك داخلها هذه القوى، فالمجتمع المدني، في أدبياته الكلاسيكية والحديثة، شبكة من المؤسسات والجمعيات والنقابات والهيئات والروابط التطوعية التي تنشأ بإرادة أعضائها، وتتمتّع بقدر من الاستقلال عن السلطة السياسية وعن البنى التقليدية التي تحكم العلاقات الاجتماعية، كالقبيلة والطائفة والعائلة أو المذهب. وليس من قبيل المصادفة أن يربط هيغل بين المجتمع المدني والمجال الذي تتوسّط فيه المؤسّسات بين الفرد والدولة. أما غرامشي، فقد منح المفهوم بعداً إضافياً عندما اعتبر المجتمع المدني ميداناً للصراع الثقافي وإنتاج الهيمنة أو مقاومتها، لا مجرّد فضاء للخدمات أو الأنشطة التطوعية.

ولأنّ الأمر كذلك، تبدو صفة الحداثة شرطاً أساسياً في توصيف المجتمع المدني، لا بمعنى إنكار الخصوصيات المجتمعية والثقافية، وإنما بمعنى أن تكون هذه المؤسسات معبّرة عن أفق مستقبلي، وقدرة المجتمع على إنتاج تنظيماته بصورة مستقلة، لا أن تبقى خاضعة للكوابح الاجتماعية والسياسية التي تعيق فكرة المواطنة أو ترفضها جملة وتفصيلاً.

يفرض هذا السؤال نفسه بقوّة عند تأمل مظاهر الحراكين، السياسي والاجتماعي، في البلدان العربية خلال العقود الأخيرة. فقد شهدت المنطقة انحساراً واضحاً لدور الأحزاب التي رفعت شعارات الحداثة، قومية كانت أو يسارية أو حتى ليبرالية، مقابل صعود قوى أخرى نجحت في استقطاب قطاعات واسعة من المجتمع، غير أن هذه القوى، على الرغم من حداثة انخراطها في العمل السياسي المنظم، لا يمكن وصفها بأنّها حديثة بالمعنى الفكري أو المؤسّساتي، فهي تستند، في الغالب، إلى شبكات تقليدية من الانتماء المذهبي أو المرجعية الدينية أو القرابة القبلية أو العشائرية أو حتى المناطقية، وتستثمر أدوات العصر وتقنياته من أجل إعادة إنتاج أنماط قديمة من التنظيم والسلطة، ولعلّ الأدق القول إنّها تمثل شكلاً من "التقليدية الجديدة"، أي التقليد وقد أعيد تشكيله في ظروف التحديث، لا التحديث ذاته.

لا تقتصر هذه الظاهرة على العالم العربي وحده، فقد رأى علماء اجتماع أنّ الحركات الاجتماعية الجديدة لا تتحدد فقط بمطالبها الاقتصادية أو السياسية، وإنّما أيضاً بهوياتها الثقافية ورموزها الجماعية، لكنّ الفارق الجوهري يكمن في أنّ كثيراً من الحركات الاجتماعية في الديمقراطيات الحديثة تنشأ دفاعاً عن حقوق جديدة، كالبيئة أو حقوق المرأة أو الحريات الفردية، بينما تنطلق قطاعات واسعة من الحركات في مجتمعاتنا من مرجعياتٍ تستدعي الماضي باعتباره النموذج الأمثل للمستقبل.

ومن هنا تبرز إشكالية استعارة مفهوم المجتمع المدني ومحاولة إسقاطه على واقع مختلف تاريخياً واجتماعياً. فحين نفعل ذلك سنجد أنّ قطاعات واسعة من القوى الفاعلة في مجتمعاتنا تظلّ خارج التعريف، ليس لأنّها هامشية، بل لأنّها لا تستوفي الشروط التي يفترضها المفهوم. ولهذا يقترح بعض الباحثين وصفها بـ"الحركات الاجتماعية"، فهو مفهوم أكثر اتساعاً وقدرة على توصيف القوى الناشطة، فهي حتى لو امتلكت قدرة كبيرة على الحشد والتعبئة، فإنّها لا تنتج مجتمعاً مدنياً، لأنّها تبقي الفرد أسيراً للانتماء الأولي، بينما يقوم المجتمع المدني على إدخال الفرد في فضاء المواطنة والمؤسسات العامة.

المأزق الذي تواجهه بعض الحركات الاجتماعية العربية يبدو أكثر تعقيداً من مجرد ضعف البنية التنظيمية، فهي تحمل في داخلها تناقضاً بين القاعدة الاجتماعية ومن يقودها. القاعدة تنخرط في الحراك بدافع مطالب معيشية ملحة، تتعلق بالعدالة الاجتماعية وفرص العمل وتحسين مستوى الحياة والكرامة الإنسانية، بينما تميل القيادات، في كثير من الأحيان، إلى توجيه هذا الزخم نحو مشاريع ذات طابع محافظ، تستهدف استعادة أنماط السلطة التقليدية أكثر مما تستهدف بناء مؤسسات حديثة.



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على الطرف الثاني من المقعد
- مراسلات وديّة بين خصمين
- عبدالرحمن منيف والخوف من الجايات
- علي عبدالله خليفة.. كاتب الموال ودارسه
- حين يبوح الأدباء
- الجماعة ليست المجتمع
- ترامب يُفكّك النظام القديم
- دوغين الروسي.. يارفين الأمريكي
- قاعة شبه فارغة وجوقة تصفيق
- الجوهر والمظهر في صراع الهويّات
- عن التعليم في دول الخليج
- حزام الصدأ
- الصفيق والتصفيق
- التاريخ أم الإنسان؟
- سُلطة الخوارزميات
- أوروبا واللايقين
- طه حسين المتجدّد
- مسار الدولة ومصيرها
- (رجعوا التلامذة للجدّ تاني)
- الجنائية الدوليّة تضع الغرب على المحكّ


المزيد.....




- عشرات الإسرائيليين يتظاهرون في تل أبيب رفضا لـ-عنف- المستوطن ...
- ليلة دامية في غزة: شهداء وجرحى في سلسلة غارات استهدفت خيام ا ...
- العفو الدولية: الهند أرسلت 2596 شحنة من الأسلحة لإسرائيل خلا ...
- فرنسا.. اعتقال مشبوهين بإضرام حرائق الغابات في مقاطعة غنية ب ...
- الأمن الروسي: اعتقال عميل موّل استخبارات كييف (فيديو)
- الأردن.. اعتقال شخص طعن فتاة حتى الموت وسط عمان
- -القضية البسيطة-.. أعلى محكمة في إيطاليا تصدر حكما لصالح أحف ...
- واشنطن تدرس تأجيل أو رفض مرشح ماكرون لمنصب السفير بعد انتقاد ...
- سوريا: توقيف ثلاثة متهمين بجرائم تعذيب ممنهجة داخل المشافي ا ...
- بعد عامين على قرار لاهاي بـ-عدم شرعية الاحتلال-: الأمم المتح ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسن مدن - حركات اجتماعية وليست مجتمعاً مدنيّاً