أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - حسن مدن - عبدالرحمن منيف والخوف من الجايات














المزيد.....

عبدالرحمن منيف والخوف من الجايات


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 09:48
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
    


في "التيه"، الجزء الأول من خماسية عبد الرحمن منيف "مدن الملح"، وفي مشهدٍ كان فيه الرعد يُدوّي، والمياه تتدفق، والأطفال والنساء يصرخون من هوْل ما يرون، وقف متعب الهذّال مخاطباً الناس بكلماتٍ بدت تطميناً لهم: "لا تخافوا من اللي تشوفوه هالحين". لكنّ الجملة التي تلت ذلك منحت المشهد معناه العميق، فبعد أن دقّ الأرض بعصاه وهزّ رأسه ثلاث مرّات، صاح مُحذّراً: "الخوف من الجايات". عبارة بمثابة إعلان رؤية كاملة للتاريخ. فالأخطر مما نعيشه، مهما بدا صعباً، هو ما ينذر به من تحوّلات وتبدلات قادمة، قصر أم طال أمد ظهورها. بدا تحذير الهذّال أقرب إلى النبوءة بالقادم، أو ببعضه.

كان الناس حول متعب الهذّال خائفين مما يروْنه أمامهم: الرعد والمياه والصراخ. أما هو فكان يرى ما هو أبعد من ذلك كله. كان يدرك أنّ العاصفة، مهما اشتدت، سوف تنتهي، لكن ما بعدها قد يستمرّ زمناً طويلاً. ولذلك لم يقل لهم: لا تخافوا، بل قال شيئاً أكثر تعقيداً وأعمق حكمة: لا تخافوا من الذي ترونه الآن، فالخوف الحقيقي من "الجايات".

نعود إلى عبارة منيف التي وضعها على لسان الهذّال، ومنطقتنا تعيش مجريات (وتبعات) الحرب الدائرة فيها، ربما لإحساسنا بأنّ الهذّال، البدوي الذي منحه منيف بصيرةً استثنائية، يدعونا إلى ألا نكتفي بالنظر إلى الدخان المتصاعد من الحاضر، بل أن نتأمل أيضاً الظلال الطويلة التي سيلقيها على المستقبل، وأنّ خوفنا يجب ألا يقتصر على مما يحدث، بل مما سيتركه وراءه. ليس فقط من الخراب الذي نراه على الشاشات كل يوم، بل من الخرائط الجديدة التي قد تُرسم، ومن الكراهيات التي تُزرع في النفوس.

الحروب، كما العواصف، تنتهي بعد حين، أما "الجايات" فقد تكون متاهاتٍ لا يعلم بأمرها إلا الله، وكما كان الرعد الذي سمعه أهل وادي العيون، في رواية منيف، أقلّ خطراً مما سيأتي بعده، فإنّ الحرب التي نراها اليوم، على فداحتها، قد تقود إلى ما هو أفدح منها، ما لم تبذل الجهود لتفادي ذلك.

رأى المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي أنّ الحضارات لا تنهار بسبب الضربات الخارجية وحدها، وإنّما بسبب عجزها عن الاستجابة للتحدّيات الجديدة، فالخطر لا يكون دائماً في الحدث، بل في الطريقة التي يُغيّر بها هذا الحدث بنية المجتمع وقيمه ومؤسّساته، حيث تتغير الأشياء بسرعة تجعل الإنسان عاجزاً عن الإمساك باليقين.

من أهم ما يُميّز الأدب العظيم قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون. فالروائي لا يصف ما حدث أو يحدث فحسب، بل هو قارئ للمسارات الخفيّة التي تتشكّل تحت سطح الأحداث. لهذا تبدو بعض الروايات، بعد سنوات من صدورها، كأنّها لم تكن تتحدّث عن زمنها وحده، بل عن الأزمنة اللاحقة أيضاً. وقد أثبتت أعمال عبد الرحمن منيف، خصوصاً "مدن الملح"، هذه القدرة الاستثنائية على التقاط التحولات العميقة التي تصاحب الانتقال من مجتمعٍ إلى آخر، ومن منظومة قيم إلى أخرى.

علينا استخلاص العظة من طلب متعب الهذّال من الناس النظر أبعد من العاصفة، لا الاكتفاء بمواجهتها، ليقينه أنّ الأحداث العابرة، مهما بدت هائلة، تنقضي. أما التحولات التي تتركها وراءها فهي التي تصنع مصائر الأفراد والمجتمعات. ومن هنا أهمية البصيرة في حياة الأمم والأفراد، فالحكمة لا تتمثل في قراءة الواقع فقط، وإنّما في قراءة الاتجاه الذي يسير نحوه. والسياسي الناجح ليس من يفهم أزمات اليوم فحسب، بل من يستشرف أزمات الغد، وأن يعدّ العدّة لمواجهتها، باستخلاص الدروس الضرورية من أزمات الراهن التي تكشف عن مكامن خطر لم يجر الالتفات إليها من قبل، أو لم تُؤخذ على محمل الجد بما يكفي، كما تكشف عن ثغرات ونقاط ضعف قاتلة في ما كان يُحسب عوامل قوّة وحماية، فإذا الأحداث تكشف هشاشته، وربما تظهر أنّه جالب للضرر أكثر مما هو رادع له.



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علي عبدالله خليفة.. كاتب الموال ودارسه
- حين يبوح الأدباء
- الجماعة ليست المجتمع
- ترامب يُفكّك النظام القديم
- دوغين الروسي.. يارفين الأمريكي
- قاعة شبه فارغة وجوقة تصفيق
- الجوهر والمظهر في صراع الهويّات
- عن التعليم في دول الخليج
- حزام الصدأ
- الصفيق والتصفيق
- التاريخ أم الإنسان؟
- سُلطة الخوارزميات
- أوروبا واللايقين
- طه حسين المتجدّد
- مسار الدولة ومصيرها
- (رجعوا التلامذة للجدّ تاني)
- الجنائية الدوليّة تضع الغرب على المحكّ
- تحوّلات المدينة في الخليج
- طُلّاب 1968 .. طُلّاب 2024
- باسم خندقجي


المزيد.....




- -الشورت- لم يعد للإجازات فقط... كيف أصبح قطعة الأناقة الأبرز ...
- أعمال فنية في الشوارع ترسمها الأمطار
- بعد تهديدات الحوثيين.. تباطؤ الملاحة في مضيق باب المندب وترا ...
- محلل عسكري لـCNN: إيران تبدو بوضع أفضل من أمريكا في صراع طوي ...
- بن غفير: صوتت ضد إدخال القوات الدولية إلى غزة لأن حماس لم تن ...
- اختفاء أربع لغات كل عام.. هل انتهى عصر التنوع اللغوي؟
- تقرير يكشف عدد مصابي الجيش الأمريكي بالحرب مع إيران
- هل تراجع ترامب عن التصعيد مع إيران؟.. ماذا تقول الصحافة العا ...
- قفزة حادة لعدد إصابات إيبولا في الكونغو الديمقراطية
- كيم جونغ أون يزور المقابر الوطنية للجنود القتلى في الحرب الك ...


المزيد.....

- واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!! / محمد الحنفي
- احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية / منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
- محنة اليسار البحريني / حميد خنجي
- شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال ... / فاضل الحليبي
- الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟ / فؤاد الصلاحي
- مراجعات في أزمة اليسار في البحرين / كمال الذيب
- اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟ / فؤاد الصلاحي
- الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية / خليل بوهزّاع
- إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1) / حمزه القزاز
- أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم / محمد النعماني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - حسن مدن - عبدالرحمن منيف والخوف من الجايات