|
|
السبيليات ما رواه الروائي عن مسقط رأسه
جميل الشبيبي
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 14:04
المحور:
الادب والفن
كتب إسماعيل فهد إسماعيل رواية السبيليات قبل رحيله عن هذه الدنيا بسنوات قليلة ( نشرت الرواية عام 2016 وتوفي إسماعيل عام 2018) وأرجح أن كتابتها وانجازها كان قبل عام من نشرها أي عام 2015 بقصد مسبق من الروائي كان قد قرره منذ فترة طويلة،وحان وقت التنفيذ بعد أن عبر الخامسة والسبعين ودخل مرحلة عمر اليأس بانتظار الرحيل، ويعزز اعتقادي بان الروائي إسماعيل كان يخطط لعمل روائي يخص به مسقط رأسه – البصرة/السبيليات –ينهي به حياته الروائية، ، حين اخبرني في زيارتي له في الكويت أثناء الاحتلال العراقي لها قائلا: (من خططي التي أزمع تنفيذها في مستقبل قريب، شراء دار في البصرة والسكن فيه بقية حياتي )،كان ذلك قبل تحرير الكويت ، لكنه لم يستطع تنفيذ رغبته بسبب إسهامه في إعادة الحياة الطبيعية في الكويت اثر التخريب الذي طال بنية المجتمع الكويتي، وكان من نتائج ذلك كتابته للسباعية التي أرخت لتلك الفترة واستغرقت وقتا طويلا تجاوز الست سنوات في انجازها،لكنه بعد تأمل عميق في العلاقات الشائكة التي خلفتها السياسة على البلدين في نهاية عمره الطويل فكر في كتابة رواية السبيليات ،التي تجعل مكان ولادته – البصرة- فضاء روائيا عابرا للأمكنة الفاسدة عصيا على الاستجابة لغواية الإنسان في التخريب والهدم – الحرب مثالا – كي يمنح هذا الفضاء حياة تنمو وتتحرك على وفق قوانين الطبيعة بوصفه فضاء حرا يجدد نفسه بنفسه ويصنع نواميسه الصالحة للحياة، متخطيا عثرات الناس وأخطائهم،منتخبا مسقط رأسه – قرية السبيليات- التابعة لقضاء أبي الخصيب فضاء حرا لهذا العمل الروائي الذي لا يستجيب للحرب، وسيبقى أرضا (مزحومة بالأخضر أشبه بواحة غناء عرضها لا يتجاوز كيلومترين، تبدأ من شط العرب وتنتهي عند مشارف الصحراء الغربية ص7-8) كما يصفها الصحفي من الجو، وهي السبيليات مسقط رأس الكاتب،وبداية رحلته في هذه الحياة...وقد عزز الروائي هذا التطلع،حين حضر بنفسه إلى قرية السبيليات التي احتفى ناسها به وبهذه الرواية قبل وفاته بوقت قصير، وكان هو وسطهم يتحدث مع أصدقاء الطفولة والشباب من الأحياء، مستفسرا عن سبب غياب الآخرين الذين غيبهم الموت أو منع حضورهم المرض،وبعد وفاته أقيم تأبين كبير في القرية نفسها حضرها أدباء كويتيون وعراقيون وجمهرة واسعة من المجتمع الخصيبي تأبينا لهذا الكاتب الذي كان وفيا لمسقط رأسه وللمدينة التي أنجبته !! أن سؤال الهوية في هذه القراءة لا يعني صراعا لإثبات هوية معينة لهذا الكاتب ( عراقي أم كويتي)،بل أنها تتجه إلى إيضاح وكشف ملامح تجربته الروائية التي اكتملت في البصرة أساسا ،واهتدى فيها إلى أسلوبه المميز وموضوعاته التي عرف بها،ونعني بذلك رواياته الثلاث ( كانت السماء زرقاء، الحبل،المستنقعات الضوئية ومجموعتيه القصصيتين البقعة الداكنة والكرة والباص التي نشرت بعد رحيله عن هذه الدنيا ) وتم طبع ونشر هذه الأعمال بعد أن استقر في الكويت وتوفرت له أسباب النشر والسفر، ثم هذا الثراء المعرفي وهذا الغنى وعمق الثقافة التي ربحهما من استقراره في الكويت، رسخت اسمه وشهرته من خلال انجازاته الكثيرة التي كتبها في الكويت اثر معايشته لأجواء وهويات وعلاقات شتى صقلت وجهة نظره الإنسانية، ووضعته في دائرة الروائي الباحث عن سعادة الناس، وكشف معاناتهم وهم يواجهون التهميش والعسف والاضطهاد !! في روايته ( السبيليات)- نلاحظ ظهور صوت المؤلف واضحا منذ البداية في( للكاتب كلمة) التي تحدد زمن الحدث الروائي(أواخر خريف عام 1988) ومكان الحدث: (قلت له السبيليات) بالعلاقة مع أحداث جرت في المكان المشخص (تلقت جريدتهم دعوة من السلطات العراقية للاطلاع على الدمار الذي خلفته حربهم مع عدوهم إياه ...)وهي إشارة صريحة للحرب العراقية الإيرانية التي حددت الرواية زمن حدوثها وانتهائها في الأسطر الأولى منها :(مع بدء تصاعد وتيرة الحرب بين العراق وإيران (سبتمبر/أيلول 1880-أغسطس/آب1988)ومن هذه الكلمة التي تقدم صوت المؤلف،نلاحظ أن المؤلف إسماعيل فهد إسماعيل يشير إلى حرب الثمانينيات ويسميها ( حربهم مع عدوهم إياه ) ولا يذكرها كما وردت في البيانات الرسمية او المصطلحات الصحفية المتداولة ( الحرب العراقية – الإيرانية مثلا) بل يخصها بمصطلح (حربهم...) كي يتبرأ منها ومن صنعها من الطرفين باستثمار ضمير الغائب الجمعي !! لكنه في تحديد مكان الحدث نراه يبادر إلى إسعاف ذاكرة الصحفي الذي ينسى مسقط رأس المؤلف ( جنوب مدينة البصرة العراقية...)فيبادر المؤلف ( أردت أن اختصر عليه جهده قلت له السبيليات ...)وهو يبدو هنا فخورا بذكر اسم مسقط رأسه، نسبة إلى تجاهل المصطلحات والألقاب الشائعة في حقبة الحرب التي أطلقتها السلطات المسؤولة عنها أو الصحافة والإعلام ... ونلاحظ استغراق السارد في إضاءة المكان الروائي بتفصيل دقيق يتناول حتى الأشياء الصغيرة كي يستطيع الإحاطة بالمكان الذي يشكل بؤرة العمل الروائي أو السيرة الروائية للفضاء الروائي، دون الاهتمام ببناء الشخوص الروائية أو الزمان أو أي من مكونات الرواية الاعتيادية، مستثمرا عين أم قاسم وذكرياتها وحواراتها مع زوجها الغائب لإكمال سيرة حياة المكان-(سيرة حياة الكاتب) في طفولته وشبابه. وتشكل هذه الرواية انجازا مهما في أدب هذا الكاتب،يتجاوز فيه عقدة الانتماء المكاني –الهوية- التي شغلت النقاد كثيرا،تجاه العالم الداخلي لبطلة الرواية – أم قاسم – التي تحتفي وتحتضن الطبيعة بعيدا عن المصائر والمكائد التي يخطط لها مشعلو الحروب والأزمات،في رحلة العودة إلى مسقط الرأس متخطية صعوبات الطريق الشائكة المزحومة بآليات الحرب والدمار،متخذة البساتين والمزارع والكثبان الرملية طريقا سالكة تجاه بيتها ومسقط رأسها السبيليات !! لقد كانت رحلة العودة بعد سنتين من معاناة التهجير بعيدا عن مسقط الرأس،قضتها أم قاسم غريبة حتى مع أبنائها،رحلة حلمية وليست (( مغامرة مجنونة) كما يصفها أولادها،لأنها (( في حقيقتها غير قادرة على تقبل واقع بقائها حيث هي لزمن مفتوح لا نهاية معروفة له، يتملكها هاجسها أن تقضي سنواتها المتبقية من عمرها في بيت السبيليات ...ص15)،فهي تعتقد أن زمن الحرب ( لانهاية معروفة له) وان زمنها سيبدأ حين تصل إلى السبيليات، ونلاحظ أن زمن العودة وزمن السبيليات عند وصول أم قاسم لها،هو زمن الإيقاع الهادئ( على ظهر حمار) عكس زمن الحرب المتسارع على وفق حركة القذيفة والطائرة والصاروخ،ويعمد الروائي إلى إدارة سرد متشابك مع الذكريات التي ترد ذهن أم قاسم بضمير الأنا العارفة بكل شيء الذي يرافق الشخصية الرئيسة ويستبطن ذكرياتها مع حركة السرد البطيء، فهو الضمير المشارك للشخصية انتدبه المؤلف لهذه المهمة !! ويمثل سرد الروائي إسماعيل في هذه الرواية عودة إلى تدوين بعضا من سيرته الذاتية في مسقط رأسه والتأمل في المكان عبر ذاكرة بعدت عنه وضاعت عنها الكثير من تفاصيله، ولذا يأتي السرد هادئا بطيئا يتحرى ويرى ويتفحص كل شيء،مستثمرا رغبة أم قاسم في كشف المخبوء في بيوت الموسرين التي كانت عصية عليها قبل اندلاع الحرب، ولذا تندفع حين تصل السبيليات، إلى تفقد المكان،والاطلاع على ما جرى فيه من تغيير، فهي في وضعها الاجتماعي قبل الحرب، كانت من الشخوص الهامشيين التي تعيش وسط عائلات معروفة بغناها وأصولها الاجتماعية الراسخة، فقد كانت عائلتها تسكن في بيئة فقيرة منحاة عن الحياة العامة في السبيليات، ولكنها الآن سيدة في : (السبيليات ( وهي) خالية من أهلها عداها..يعني أنا مسؤولة بصرف النظر عن تبعات محتملة ص 92)وهي بهذا المعنى تتصرف بممتلكات الغائبين عن دورهم (( وضعها يدها على ما هو عائد لأهل هذا البيت يجب أن لا يكون من غير مقابل، شاع ارتياحها في داخلها عندما توصلت لقرارها. أصلح جدار مطبخهم ص81 (....ما دام لا وجود لأي من أهالي السبيليات عداها يلزمها أن تتصدى للمسؤولية..استعانت بالطين لرصف الطابوق داخل فجوة الجدار،تطلعت لنتيجة جهدها،تعترف أنها لا تجيد حرفة البناء،لكنها فعلت ما استطاعت ص81) ويستثمر الروائي شغف بطلته في التعرف على مجتمع القرية متمثلا بدوره السكنية التي كانت غائبة عن عين أم قاسم، ثم أصبحت حقا مشاعا لها،ليحفز ذاكرته في إحياء زمن الطفولة والشباب التي عاشها في هذه القرية،ويتضح ذلك في المفارقة الواضحة لتأثيث المكان الروائي،على وفق سياقات ذلك الزمن،فهو يتأمل في مسحة الجمال في بيوت القرية ممثلة في بيت ( محمود عباس) صاحب الدكان الوحيد المسؤول عن تلبية احتياجات أهالي السبيليات من مواد غذائية أساسية ...ص71) ثم ينشط ذاكرته تجاه عمارة البيت وجماليات البناء(( ينشط ذهنها أكثر يستعيد هيئة الحوش وراء السور،الذوق الرفيع لهذا المحمود عباس،زخرفة أبواب الغرف ونوافذها المطلة على ساحة المنزل،مساحة الأرض المزروعة بالجوري المحوطة لجذع السدرة،ونافورة الماء القائمة عند الزاوية، حال ألجوري حال النافورة...ص71)..ويحرص الروائي على إدامة هذا الوصف لجمال العمارة وإضاءة وظيفة شخصية محمود عباس ،وموجودات الأوعية الفخارية العملاقة في مطبخ داره وتكدس المواد الغذائية فيه ،بوصفها عادات كانت سائدة عند عائلات في زمن الحرب، ولكنها في حقيقة الأمر تعود إلى زمن أكثر قدما من زمن الثمانينيات التي جرت فيها الحرب، فالزمن المشخص هنا يعود إلى زمن الخمسينيات أو أواخر الأربعينيات زمن طفولة الروائي، فالزمن في الثمانينيات كان أكثر تطورا في السبيليات ويشمل العمران والأسواق والأمكنة الحديثة ، ولكن عين الكاميرا التي تجسدها عين أم قاسم في هذه الرواية، تعتني بتجسيد وتقريب صورة عاشها المؤلف – زمن نهاية الأربعينيات- وليست في زمن الحرب ، ويعزز هذا الاستنتاج أن زمن استخدام الحمير في العمل كان في مرحلة سابقة عن ثمانينيات القرن العشرين ، غير أن الروائي استثمر ذلك عن قصد في روايته لينشئ عالما ( طبيعيا)بإيقاع هادئ،يمثل عالما مضادا لعالم الحرب، عالما يستجيب للنزعة الإنسانية المضادة للحرب..عالما تغلب عليه تقاليد اجتماعية وعرفية ودينية تتسم بالانسجام الاجتماعي بعيدا عن التفاوت الاجتماعي التي تجعل الموسرين في عزلة عن الفقراء وتتسيد فيه الألفة وعلاقات الاحترام بين الجميع. معجم الجنوب ينشط الروائي ذاكرته ويضخ تفاصيلها عبر ذاكرة أم قاسم وبمفردات معجم القرية والقرى المتاخمة لها ،التي تتقنها بطلته بوصفها تنتمي إلى عالمها، منها تلك التفاصيل الصغيرة عن حياة الناس في حقبة الطفولة ( أربعينيات القرن العشرين) مرفوعة إلى زمن الحرب،ليجري محاكمة للحرب التي خربت وأتلفت عالما من الألفة والمحبة والسلام الروحي،كان سائدا قبل الحرب تكشف عنه تحريات أم قاسم في البيوت الفارغة من أهلها،حيث الغنى وجمال الطبيعة التي تحيط البيوت بأشجار النخيل والتوت والسدر والمياه الصافية في انهار القرية التي أصبحت بعد الحرب جافة وأشجارها على وشك الموت وقد هجرتها أنواع الطيور !! في بيت محمود عباس مثالا :(رأت العديد من أكياس الرز والطحين والسكر وأوراق الشاي والعدس والماش وبقوليات أخر، مع صفائح زيت ومثلها للتمر والتمر المعسل عساه لم يفسد أخذت حبة تمر معفرة بالدبس والحبة الحلوة والسمسم ألقمتها فمها طعم رائق لا مثيل له صادفتها صفيحة مليئة بالخلال البريم المجفف بعد الطبخ أخذت حفنة دستها في جيبها ص83) في هذا المقطع من ذاكرة أم قاسم جرى التركيز على غنى بيت محمود عباس بغزارة المواد الغذائية وتعددها، ثم ينعطف السرد تلك الانعطافة الجميلة تجاه صناعات محلية كانت وما زالت من اختصاصات قرى أبي الخصيب لغاية اليوم منها ( التمر المدبس) و ( الخلال البريم المجفف بعد الطبخ)وكذلك ( الطرشي) في بيت (عبود الأطرش) التي تقوم بتصنيعه (حميدة الطرشاء – لاحظ المفردتين طرشي وطرشاء أو طرشه باللغة الدارجة ) وهي تحرص على إضافة عناقيد ثمرة البمبر لخلطة الطرشي :( التي تتألف في العادة من الخيار والطماطم، اللفت الجزر الباذنجان الثوم، وسط هذا الخليط تنفرد ثمرة البمبر بنكهتها المتميزة وطعمها الفريد ص 67)..ولا يكتفي الروائي بهذه العتبات الخاصة بل انه ينشئ ما يشبه معجما خاصا بالمفردات المحلية لقرية السبيليات وقضاء أبي الخصيب،يتفردان بها على اللهجة المحلية العراقية،مطعمة بمفردات كويتية لم يستطع تذكر ما يقابلها من مفردات اللغة الدارجة في السبيليات،مبثوثة في صفحات الرواية مثل (نخلة الخصاب التي تعطي رطبا اسود اللون لذيذ الطعم حتى أواسط الشتاء ص 101 ،مسناية الحلبي،ارض الحوش، غموس ،مجبوس سمك مع دقوس صبار ص 122،طوافات كرب النخيل،خيشة الكتان،سلية.... عشيش المهجرين، المدبسة،حصير نسل،طربال...العريش،السدرة البمباوية،....) وينعطف السرد نحو ماضي السبيليات ما قبل التهجير وقيام الحرب،عبر ذاكرة أم قاسم أيضا التي تعيش لحظات سعيدة كانت قائمة قبل الحرب: (أيام ما قبل التهجير كانت زحمة الخضرة تحجب الرؤية، أشجار الرمان والعنب، وكذلك المشمش والبرتقال واليوسف أفندي، تتذكر هذا البستان حتى ضفة نهر رجب حيث الموز بأوراقه العملاقة فارهة الخضرة لدى ميلانها باتجاه الماء ص 69) ثم تستنكر ما جرى زمن الحرب والتهجير(كيف لهم أن يحكموا على البساتين بالموت ص75).... وتنعطف الذاكرة نحو الماضي البعيد،لتسجل أصداء ما علق في ذاكرتها من أخبار عن معنى اسم القرية ( السبيليات) تحفزها شجرة الأثل المعمرة علامة مميزة للسبيليات دون غيرها:( تلك هي شجرة الأثل المعمرة عند أول الطريق المؤدية لداخل قريتها، البعض يستهجن وجود أثلة صحراوية وسط غابات نخيل،لكنها العلامة المميزة للسبيليات دون غيرها،حدثها بو قاسم عنها ذات يوم، مذ فتحت عيني وهذه الاثلة في مكانها، عمرها لا يقل عن مائة وخمسين سنة،على زمن الدولة العثمانية بادر احد رجال آل النقيب ، ربط ازيار كبيرة لجذع هذه الاثلة، لكي تكون سبيل ماء لمرتادي الطريق ص45) إن معنى اسم القرية في سجلات ناس القرية وذاكرتهم ،مرتبط بالكرم والضيافة والعطاء،وهي بهذا المعنى تقاوم الجفاف والقتل ومصائب الحرب،وتقوم ( أم قاسم)بهذه المهمة:تعيد ترميم ما خربته قذائفهم، وتطعم أولادها الجنود من خزين المواد الغذائية في بيوت القرية،وتنفذ حلم أبي قاسم الذي يزورها في المنام ليحثها على القيام باللازم في فتح منفذ لماء الشط المحبوس عن بساتين القرية بسد ترابي قائلا لها :(فان حفرنا مجرى صغيرا في السطح تدبر الماء قوته شاقا طريقه نحو الداخل ص78)وهكذا فعلت وأعادت الخضرة للنخيل وأشجار القرية ...كان ذلك – على وفق حلمها- قد وقع يوم الكسلة، زمن الشباب حيث تحتفل مدينة البصرة بها سنويا لغاية اليوم وهي أعياد مشتركة بين الجارين المتحاربين – أعياد النوروز- في شهر آذار من كل عام ويسميها البصريون ( الكسلة) ليرسخ في ذاكرة أم قاسم ومن خلالها إلى المروي له : أن مواطني مدينته مسالمون لا شان لهم (بحربهم) بدليل احتفالهم بأعياد مشتركة بين شعبين لا عداء بينهم ولا بغضاء :( لم يسبق إن ركبا زورقا في مناسبة كهذه، تتذكر عنه انه صحبها لشارع الكورنيش بمناسبة يوم نوروز قبل حملها بابنهما البكر قاسم، زحمة الناس على الشاطئ وزحمة الشط بالزوارق من جسر المقام حتى جسر الخورة،الغناء والرقص والأجواء الاحتفالية، كانت أيام الحكم الملكي ص108) لقد كانت عودة أم قاسم (عودة الروائي) إلى مسقط الرأس حافلة بالذكريات والأحلام والعمل والتوسل بالأولياء (يا سيد رجب، ناشدته،تابعت متسائلة، متى تنتهي حربهم ويعود ناس السبيليات ص86)) وهي رحلة الروائي تجاه عالم الطفولة والشباب،تزهر أمانا وتبشر بحياة حافلة بالمسرات، وتستهجن نوايا مشعلي الحروب وتستغرب (...سر إصرارهم على مواصلة حربهم بلا طائل ص154). لقد جسدت رواية السبيليات حلم عودة الروائي إسماعيل فهد إسماعيل إلى مسقط رأسه الذي لم يتحقق بالفعل، ليكتمل إبداعا روائيا في هذه الرواية، فهي رواية يتحقق فيها سؤال الهوية التي تؤكد تلك العلاقة الحميمة بين الكاتب ومسقط رأسه وتجيب عن السؤال الذي اختلف فيه متلقو أدبه من النقاد والقراء بهذا التمجيد ورفع رتبة ( أم قاسم/ ساكني السبيليات/ شعب العراق) وتأكيد براءتهم من مشعلي الحرب ( حربهم)، ومن كل خروقات(هم) ضد الإنسانية،بتماهي شخصية أم قاسم مع الحلم في عودة الحياة إلى الأرض الخضراء،حين تستقبل احد الجنود الجرحى قائلة (لا مكان للحزن(... )بإمكاننا متابعة عملنا – الصفحة الأخيرة من الرواية ص158). في الرواية يتحقق فيها سؤال الهوية سؤال الناقد مقداد مسعود :(....لماذا لا تكون السبيليات هي: إسماعيل فهد إسماعيل؟ !المتماهي فيها ، تماهي اليومي والحلم في حياة أم قاسم وهي تعود للمكان الرحم..السبيليات المستثناة من الموت جفافا..) مقداد مسعود – جريدة الزمان -4 حزيران 2016)....
#جميل_الشبيبي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نزعة المغايرة والتجريب في القصة العراقية القصيرة في الستينيا
...
-
الروائي إسماعيل فهد إسماعيل عبور مستنقع الذات إلى الضفة الأخ
...
-
جدل الرواية مع التاريخ رواية الضحايا أن
...
-
جدل الرواية والتاريخ في الرواية العراقية المعاصرة
...
-
رواية صيد الحمام السيرة الذاتية والخيال الروائي
-
في رواية (الذي لا يحب جمال عبد الناصر) بالسخرية والضحك والته
...
-
اثر لا يمحى ورحلة حياة حافلة بالإبداع
-
البصرة جنة البستان محاولة في التجنيس الروائي
-
حين تجد الأنثى هويتها في مجازات اللغة الشعرية
-
الرواية العراقية بعد التغيير2003 تعالق الفضاء الت
...
-
بلاغة التورية في تيمور الحزين
-
(البدون)إشكالية إنسانية وليست عرقية
-
تساؤلات الأنثى في عالم ذكوري
-
السجن فضاء قصصيا
-
البحث عن هوية في فضاء بديل (رواية عجائب بغداد ن
...
-
الفيلة تطير فوق نفايات المدن
-
في رواية جاهلية ليلى الجهني تتحرى سجلات إذلال الأنثى في الحا
...
-
حافات الدانتيلا ذاكرة يقظة من تاريخ الأسى
-
الجنون و الحجر الصحي الدائم بديلا للحياة
-
عالم خارج هموم الذات
المزيد.....
-
رسميا.. الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري
...
-
متحف-محمية بيترغوف يطلق عرضا صوتيا يروي تاريخ حديقة ألكسندري
...
-
فندق -أم كلثوم- في -بغداد- إلى الإزالة وتعهد بالحفاظ على هوي
...
-
الرواية... السلاح الآخر للاستعمار
-
نقابة الفنانين في لبنان تدين إلغاء حفل محمد إسكندر بسوريا: ن
...
-
-لمواجهة التدمير الإسرائيلي-.. اليونسكو تدرج آثار صور وجبل ع
...
-
-تسليطٌ للضوء على المخيمات الفلسطينية-.. انطلاق مهرجان جرش ف
...
-
رحيل -موثق الهوية الجزائرية- المخرج السينمائي محمد الأمين مر
...
-
مهرجان فينيسيا السينمائي الـ83: حضور فلسطيني وعربي لافت وتكر
...
-
مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة
المزيد.....
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|