|
|
نزعة المغايرة والتجريب في القصة العراقية القصيرة في الستينيات التمرد على سلطة الأنظمة البائدة القاصان جمعة اللامي وإسماعيل فهد إسماعيل نموذجا
جميل الشبيبي
الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 15:09
المحور:
الادب والفن
تمهيد تمثل فترة الستينيات نقلة نوعية في تاريخ السرد العراقي القصير،من خلال تصدرها المشهد القصصي منتصف الستينيات ، بظهور نمط جديد من القصص،كتبها قاصون متمردون على أساليب القصة الخمسينية،بإضفاء نزعة التجريب على شكل القصة القصيرة وموضوعاتها،والاحتفاء بأجواء الكابوس، والأحلام والرؤى المازوشية والنرجسية من خلال ساردين متعالين على الواقع، ومنفصلين عنه،وإذا احتكمنا إلى أقوال وكتابات من تصدر الجيل الستيني: الشاعر والروائي فاضل العزاوي والشاعر سامي مهدي والشاعر فوزي كريم وغيرهم ممن كتبوا في تلك الفترة وعنها ، سنجد مبالغات في تضخيم دور ذلك الجيل في المجال الإبداعي،كما ورد في كتاب الشاعر فاضل العزاوي ( الروح الحية) أو التقليل من شان ذلك الجيل وتواضع انجازاته كما في كتابي الشاعرين : سامي مهدي ( الموجة الصاخبة) والشاعر فوزي كريم في كتابه ( تهافت الستينيين). يقول فاضل العزاوي عن هذه الفترة في كتابه (التجربة الحية ): “في أواسط الستينيات، عندما ظهرت الأعمال الستينية الأولى، التي شكلت بذرة الاتجاه الجديد، كانت التسمية التي أطلقت على هذه الظاهرة “الموجة الجديدة” و”أدب الاحتجاج” و”الكتابة المضادة” و”الكتابة الحرة” و”اللا قصيدة”، ولم يظهر مصطلح “جيل الستينيات” إلا بعد سنوات من ذلك، ضمن الكتابات النقدية، وغالباً من خصوم الحركة الجديدة...ص9 وأضاف:(أثرت روح الستينيات كعقد متميز في تطور الوعي، ليس على المستويين العراقي والعربي، وإنما على المستوى العالمي أيضاً، بطرق مختلفة على الكتاب والفنانين الجدد، وتركت تأثيراتها على كتاباتهم، التي تنتمي إلى اتجاهات جمالية مختلفة، على المستوى الكوني غيرت فترة الستينيات، بحساسيتها الإنسانية الجديدة، الكثير من الرؤى المحافظة القديمة، وفتحت الطريق أمام التحرير الشامل للإنسان من أوهام وعبوديات فكر الماضي)(1) مؤكدا “امتلكت الحركة الستينية العراقية فرصتها لتقدم نفسها ثقافياً وأدبياً، ضمن الكثير من التباسات التطور في المجتمع العراقي، بعد فترة قصيرة من سقوط حكم البعث أواخر عام 1963، ضمن الانفراج السياسي النسبي الذي أعقب تلك العاصفة الدموية، وقد استمرت تلك الحركة التجديدية على مستوى الفكر والموقف والإبداع، رغم الهجمات القاسية التي كانت تتعرض لها حتى تموز/يوليو 1973) (2) في حين يلخص الشاعر فوزي كريم رؤيته عن هذا الجيل وانجازاته في مجال الشعر بشكل خاص ( ببضعة أصوات شعرية خفيضة) ( أعطت شرعية لبضعة تنهدات رأت فيها صوتا إنسانيا،ومبعث ارتياح وفرج،إذ أن تلك الروح الحية والموجة الصاخبة مثلت بصورة جد صادقة هستيريا الرغبة في تجريد الإنسان إلى مجموعة أفكار،وأعطت الشرعية لسحقه تحت عجلة رمزيته أو تعزيز هذه الشرعية التي سبقتهم لدى شعراء اليسار جملة كانت صدى لا إنسانيا لما حدث في ستينيات الغرب، التي قادها الطلبة باسم حرب فيتنام.)(3) وهو بذلك يتوقف عند انجاز جيل الستينيات بأنها تجارب متواضعة ،لا ترقى إلى التجارب العالمية أو العربية..وتحمل أراء الشاعر سامي مهدي،والشاعر خالد علي مصطفى، اللذين أسهما في الحركة الشعرية الستينية أفكارا مماثلة،منشورة على صفحات الشبكة العنكبوتية. لكن الأهم في تلك الحركة الصاخبة أنها أنتجت أسماء وتجارب قصصية مهمة مثلها القاصون: عبد الرحمن مجيد الربيعي، عبد الستار ناصر،جليل القيسي، محمود جنداري،محمد خضير، احمد خلف،جمعة اللامي، عبد الإله عبد الرزاق وغيرهم، وفي البصرة لمعت أسماء رفدت السرد العراقي بكتابات جديدة : محمد خضير الذي فاز بالمرتبة الأولى في المسابقة القصصية التي نظمتها جريدة الجمهورية،أيام العقد الستيني ثم اصدر مجموعته المهمة ( المملكة السوداء)، ، ومحمد سهيل احمد الذي فاز بالجائزة الثانية في تلك المسابقة على الرغم من أن نتاجاتهم قد ظهرت في فترة السبعينيات، إلا أنها كتبت في الستينيات أما إسماعيل فهد إسماعيل فقد اصدر مجموعته الأولى ( بقعة داكنة)عام 1965،وكانت هذه المجموعة خارج سياقات القصة الستينية، لأنها كتبت في أواخر الخمسينيات،أما تأثر إسماعيل بأجواء الستينيات عراقيا وعربيا فقد اتضح بمجموعته ( الكرة والباص) التي كتبت في عام 1966 قبل رحيله إلى الكويت واستقراره هناك وقد صدرت بعد رحيله عام 2019 كما اتضح تأثره بأجواء الستينيات بروايته الأولى (كانت السماء زرقاء) التي كتبت في العام 1965 وكانت أحداثها متزامنة مع انقلاب الثامن عشر من تشرين الثاني عام 1963 المضاد لانقلاب 8 شباط الدموي، فالرواية إذن تمثل أجواء الستينيات التي اتضحت بعد انقلاب الثامن من شباط . وتمثل مجموعة القاص محمد خضير ( المملكة السوداء) تأسيسا لنمط جديد من السرد القصير باعتراف معظم النقاد الذين كتبوا عنها،واتخذت لها مسارا خاصا لا علاقة له بنتاجات الجيل الستيني العبثية ولكنها كانت استجابة واعية للنداء الستيني في نبذ القوالب القديمة والانحياز إلى نزعة التجديد التي كرستها كتابات الجيل الستيني في القصة والشعر. ونستطيع أن نؤكد أن القاص كاظم الأحمدي ومعظم القاصين الذين اشتركوا في كتابة المجموعة القصصية المشتركة ( 12 قصة) ينتمون إلى الجيل الستيني فقد تفتح وعيهم ونضج في الستينيات، وعانى معظمهم من عسف السلطة الشباطية، لكن بعضهم قد كتبوا قصصهم في أجواء المصالحة المزيفة بين البعثيين والشيوعيين في الجبهة الوطنية، ولذا انتمت قصص بعضهم إلى عالم الواقع المعيش، ترفد حركته وتستفيد من تحولاته، في حين تمرد بعض قصاصي هذه المجموعة على واقعهم إذ كتبوا قصصا ترمز إلى تمردهم على هذا الواقع كالقاصين ودود حميد والقاص ريسان جاسم عبد الكريم مثالا. تتجلى نزعة التجريب والتجديد في القصة العراقية القصيرة،منذ البدايات الأولى لها، في علاقة مباشرة مع موقف القاص من السلطات المهيمنة: السياسية والدينية والاجتماعية التي تكرس مفاهيم الجهل وتقديس التابوات،وتظهر هذه العلاقة مع هذه السلطات على شكل (هجاء او كابوسا أو بناء مفارقا تجاه مدن اليوتوبيا، وقد اقترن هذا التجريب أساسا في المفارقة بلغة القص،التي حفلت بالتقنيات المتنوعة لإنشاء هياكل شكلية غير معروفة في السرد العراقي القصير،بتركيز او تضخيم لهذا العنصر من عناصر القصة او ذاك،وقد اتضح ذلك في فترات تاريخية أطلق عليها بعض النقاد مصطلح الجيل،أساسه حقبة زمنية أمدها عشر سنوات على الأغلب )(4) وقد فرضت هذه السلطات هيمنتها بأساليب متنوعة للحد من ظاهرة التمرد على قوانينها ووجهات نظرها، جسدتها القصة القصيرة في مسيرتها التاريخية الطويلة،على شكل أحداث تستثمر التورية أساسا لها(فقد ابتكر القاصون في العراق وسائل وتقنيات مكنتهم من توجيه نقد حاد للنظم السياسية والاجتماعية والدينية التي مرت في العراق،وهي سياسة اتصفت بالعنف وتصفية خصومها بطرق غير إنسانية ومن أهم تلك التقنيات الاستفادة من بلاغة التورية التي تعني "الإتيان بلفظ له معنيان، معنى قريب ظاهر غير مقصود، ومعنى بعيد خفيّ هو المقصود" كي يتجنب الكاتب غضب السلطة وما يمكن ان تفعله به.)(5) وسوف تتضح هذه القاعدة (علاقة التقنية بالموقف) بقراءة أعمال القاصين: جمعة اللامي وإسماعيل فهد إسماعيل التي كتبت وصدرت في ستينيات القرن الماضي، بالعلاقة مع النتاجات القصصية القصيرة في تلك الفترة. سنرى أن التجريب والمغايرة في السرد القصير،لدى هاذين الكاتبين،له علاقة وثيقة بوجهة النظر التي يسجلانها على شكل أسئلة أو مواقف ضد ( سلطة- سلطات)تبدو سلطات متجبرة وقاسية،لا يسميها القاص أو يشخصها، بل يتركها لتأويل القارئ،منتظرا الوقوف معه ضدها.ولذا تبدو الأسئلة العبثية، والمواقف والأحداث الفانتازية،وخلخلة نظام القصة وتشظي الحكاية إلى مجموعة من الإشارات،والتلاعب بالزمن،واستثمار شخوص من التاريخ البعيد او القريب،وزجها في عالم غريب عليها، كل ذلك يوظف لإعلاء الدلالة وتعميق الأثر في النفس الإنسانية التي تتلقى هذه القصص. ونلاحظ أن وجهة نظر القاص عن (عموم السلطة) في القصص التي يكتبها، تقترن بالثقافة والحياة التي عاشها القاص، وبهذا المعنى نجد إن بدايات إسماعيل الثقافية على النقيض من بدايات جمعة اللامي الثقافية والحياتية، ولكنهما في نهاية المطاف وحدتهم الكتابة عن حلم ثقافي مشترك أساسه سعادة الإنسان واتساع فضاء حريته وحياته. حكمة الشامي /الثار من سجلات التاريخ بدا جمعة اللامي حياته منذ طفولته ملتزما بالآخرين أولا على شكل إعجاب بالمبادئ الماركسية ثم الانتماء المبكر للحزب الشيوعي،)(6) وصولا إلى العذابات المبكرة في التوقيف والسجن والخلافات المريرة مع الرفاق والعزل من قبلهم : حياة مثخنة بالجراح والتشويه والإبعاد الأمر الذي شكل تجربته القصصية التي قاومت السلطات بكل أنواعها:السياسية ،الدينية، الاجتماعية والحزبية .(7) صدرت مجموعة القاص جمعة اللامي ( من قتل حكمة الشامي)عام 1975عن دار الحرية للطباعة والنشر،وضمت إحدى عشرة قصة قصيرة تراوح تاريخ كتابتها بي عامي 1967-1972وقد حرص القاص على تذييل معظم قصص المجموعة بتاريخ الكتابة. تتميز معظم النصوص القصصية في مجموعة القاص جمعة اللامي ( من قتل حكمة الشامي )الصادرة عام 1975 بالتجريب المبكر لتقنيات سردية لم تكن معروفة في السرد العراقي القصير ،ثم شاعت بعد ذلك في النصوص القصصية التي نشرت بعد صدور هذه المجموعة . ومن ابرز تلك التقنيات استثمار الشكل الدائري في الكتابة القصصية كما في قصة ( الليل في غرفة الآنسة (م) )وترصيع الفضاء الطباعي للقصة بالعنوانات الجانبية أو تقسيم هذا الفضاء بهوامش توضيحية أو تكميلية للقصة إضافة إلى استثمار الشكل المسرحي في الحوار في العديد من قصص هذه المجموعة ، وأيضا استخدام الملاحظات التوضيحية في عملية قطع تسلسل السرد . ومن التقنيات الجديدة في هذه المجموعة تقنية ظهور صوت المؤلف وهو بصدد كتابة قصة بشرح مختصر لأهدافه منها بما يسمى بالميتا –سرد ويتضح ذلك في نصه القصصي ( اهتمامات عراقية ) التي كتبت كما تؤشر نهايتها في عام 1967ونشرت في مجموعته الأولى،متأثرة كما يبدو بهزيمة العرب في حزيران من 1967، وبهذا المعنى فإنها من القصص المبكرة التي استثمرت التجريب في بنية السارد وظهور صوت المؤلف فيها بالتناوب مع صوت السارد ضمن اشكالية الميتا سرد التي استثمرت في الرواية العربية منذ وقت قصير فأصبحت من التقنيات الجديدة التي يستثمر فيها السارد / المؤلف الضمني تأثيث خطابه وانفتاحه على دلالات متنوعة. ويبدو التنازع بين صوت الماضي الذي يكرسه الموروث المتداول( حديث المنابر) وبين صوت (الصبي الصبوح الذي سيكون شبيها بالحسين- اهتمامات عراقية ص8 ) واضحا، لكن هذا الصوت يبقى مختفيا في ضمير المستقبل بوصفه ( نطفة في ظهر الرجل القادم الآن من الشرق . القصة – ص8) ويدشن ظهور صوت المؤلف في هذه القصة بنية جديد للزمن السردي يتواشج فيه حاضر السرد والذاكرة وصوت المستقبل، يتضح ذلك في بناء زمن الحكاية،(ماض، حاضر، مستقبل) ويتجلى ذلك حين يتحدث الرجل الملتحي الذي يمثل شخصية الحسين فيقول لأصحابه:(أيها الفرسان الذين تعيشون في الماضي،إياكم واللحاق بي فانا لا أقدم لكم إلا الموت. عودوا إلى زوجاتكم..)وهي عبارة متناصة مع التراث ثم يستطرد:( فانا اذهب الآن إلى بوليفيا ص9)وهي إشارة إلى مستقبل التجربة، أما الحاضر الذي يشير إلى المستقبل فيظهر في تداعيات وتوسلات صوت المؤلف:(هي نفس الطرق الموحلة سيدي، وقلبي هزه الشوق اليك، المستقبل أنا القصة ص9) إن تقنية إظهار صوت المؤلف في هذه القصة مع أصوات آخر تهيمن عليه سلطة الماضي هي تقنية ابتكرها القاص للتعبير عن الذات المأزومة وهي تحمل في أعماقها أرثا جمعيا ( سلطة مكبلة للذات)لا يمكن رفضه أو تجاوزه إلا بمثل هذه التقنية الفنية التي تستثمر التقطيع وتداخل الأصوات وسطوة الحدث المأساوي وتجزئة الأحداث وعدم انتظامها في سرد متسق كل هذا يكرس فكرة جديدة أن الحسين في دم المؤلف الحسين دم المؤلف ص38 وهذه تقنية تكشف تمردا على سلطة التاريخ ومدوناته تجاه تفسير جديد للحدث المأساوي وما جرى فيه، وفيها ثراء وانجاز فني متميز سابق للانجازات التي ابتكرتها خيالات مبدعين عراقيين في فترات متنوعة من تاريخ السرد العراقي القصير،فهي تستثمر الاهزوجة الشعبية وتداخل الأصوات فيها، والشكل المسرحي في بعض الحوارات بين المؤلف وسلطة التاريخ،وتنوع الصوت السارد بالضمائر المتنوعة:ضمير الأنا وضمير الأنا الجمعي وضمير الخطاب المباشر، في تنوع السرد والحوار ،وتناغم الحكاية مع رواة متضامنين،ثم كسر الإيهام وإعادة السرد إلى مجرد تأليف يقوم به المؤلف بكسر إيهام الحدث : (الحكاية وما فيها أن السيد المؤلف يريد أن يكتب قصته، كان متأزما ولم يسكر البارحة كما تعود،ذهب قبل أيام إلى النجف ثم عاد وفي ذهنه بعض صور الموت والفجيعة وردد أمام أمه انه أصبح الآن مسيطرا على وعيه ص11) إن إعادة قراءة هذه القصة كما يقترح الصوت (اقرأوا القصة مرة أخرى ثم تساءلوا : لماذا يتعب جمعة اللامي نفسه وقراءه هكذا ..؟) هو بمثابة تحريض ضد سلطة النظام الذي يمثله التاريخ ، وهو مناسبة أيضا للتأمل في ذلك النواح واهانة الذات التي تتزامن وهذه المناسبة الدامية ، بينما يحرض الصوت القادم على الاحتفاء بالمناسبة باعتبارها استشهادا من اجل الناس وينبغي إتمامها بهذا الشكل ، بالتحريض على ( الحب والاستشهاد ص)15 وفي قصة ( من قتل حكمة الشامي ص44) يسجل فيها القاص استباقا تأويلا يتعلق بمصير حكمة الشامي، الذي ينهض العنوان في سؤال استنكاري عمن قتله، ويقول الاستباق :(بالمناسبة عزيزي القارئ فهذا الاسم قد لا يعني عندك شيئا، إلا انه يسير منذ عشرات السنين، في شوارع المدينة،يبحث في قبور الموتى وبيده شمعة..) ويكمل الصوت تعريف الشخصية في صفحات أخرى من القصة على لسان العرافة:(قالت العرافة يا فرحة ستلدين طفلا يصلب على صليب من يحب..تفقأ عيناه..يقطع لسانه ثم يذبح من الرقبة كما ذبح أبو عبد الله ص48)وهي نبوءة ترفع شان شخصية حكمة الشامي إلى شخصية أسطورية، تحيطها حكايات الناس التي تنتظر الخلاص يقودها صوت شحاذ من عامة الناس وهو يمثل القاع المسحوق وهو يصرخ (رايته أمس على جواد القاسم، يحمل رأسه المذبوح..ص51 وفي عنوان جانبي ( ألصوت السري)،ينتقل السرد إلى مناجاة وتهديد ووعيد وإشادة بشخصية القتيل:(طفلا كان إلا انه ليس كالأطفال،في جبينه غرة يهتدي بسناها المسافرون في تطواف الليالي الملأى بالزمهرير والحالوب ص45وفي رجولته أحب كل الناس بموجب دين الحب الجديد. قصة من قتل حكمة الشامي ص45 وخلال المناجاة وتأبين القتيل، يقطع السرد ويتقدم صوت الشخصية ليعرض بعضا من وعوده:(اتبعوني أقدم لكم السلام والحب القصة - ص45 وحين يعلو صوت النذير مرة أخرى مهددا جباه القتلة وهي ملطخة بالقار، يتعالى تحذيره منذرا مستقبلهم ( ستلد نساؤكم أولاد زنى في كل ليلة، ويجف ماء الحياة في ظهوركم القصة ص46) يحرض السؤالان من قتل حكمة الشامي ومن القاتل، ضد سلطة متوارية تتحكم بمصائر الجموع وتحرض ضد من يتمرد على سلطتها وعلى وأد كل مولود جديد...وفي قصة ( ساعات من زمن الآتي حكمة الشامي) تظهر هذه السلطة بشخصية المحقق والشرطي والتاريخ الذي يثبته المؤلف كملحوظة هامة تنص:(يتعين علي أن أوضح بعض أمور غامضة من هذه القصة، فأقول أن حكمة الشامي رجل حقيقي جدا، كان عليه في 14- 3-1963 أن يتصرف ويحسم زمنه بالشكل الذي تقرأونه والتاريخ المثبت في ملحوضة المؤلف،مهم لتداعي الذاكرة تجاه الواقع وما حدث فيه من نكبات ومآسي، فالتاريخ المدون يشير إلى يوم 8 شباط عام 1963 تاريخ المجزرة الدموية في ذلك العام والمؤلف يوهم القاريء ( بالحقيقة يوهم سلطة الرقابة) بتداخل يوم الانقلاب الدموي الذي حدث في الرابع عشر من شهر رمضان المصادف 8 شباط كي يمرر قصته التي تدين ذلك التاريخ بطريقة فنية، وقد استثمر فيها القاص ملحوظة مهمة، ثم اغتنى بالشكل المسرحي في التحقيق والاستجواب الذي يحاول فيه المحقق أن يعرف من هو حكمة الشامي وما حدث له ، واستكمل قصته بتقنية الرسالة القادمة من فتاة مجهولة إلى والدة حكمة الشامي، تسرد لقائها به مشبها جمالها بجمال أمه،وهناك أقوال حورية – وهي امرأة عاقر-ا تقول نها بعد لقائها به ( شعرت إن أحشائي بدأت تثمر ص63)حيث تعلو شخصية حكمة تجاه شخصية أسطورية لا يهزمها الزمن ولا تمحى شخصيته عن الذاكرة. لقد حرص القاص جمعة اللامي على تحقيق علاقة وثيقة بين ابتكاراته التقنية،وبين وجهة نظره عن الواقع والتاريخ، واستثمر التلاعب بالزمن وظهور الشخوص واختفائهم، في ترصيع فضاء السرد بمشاهد وحوارات عابرة لزمن السرد وحدود الواقعة القصصية،وقد حفلت معظم قصصه على لوحات ومشاهد لخيول عربية منكسرة وسيوف غارقة في المياه،وفرسان ينتظرون،كل ذلك ليسجل فاعلية التاريخ وأحداثه في أعماق شخوصه المعاصرين... وقد لخص القاص محمد خضير مسار مجموعة القاص الأولى توصيفا دقيقا حين كتب عنها قائلا :( وكانت قصـص الّلامـي تخفـق أمام عيوننا ( قصص مجموعته الأولى: مَن قتل حكمت الشامي ؟) مثل راية تنشرها رياح الخيانات والتصفيات. جهرَ الّلامي بمونولوج مأساة الانقلاب العراقي , تزامناً وتعاقباً مع مونولوج هزيمة حزيران. ). البقعة الداكنة والكرة والباص /) أين أنا؟ ما الذي جاء بي إلى هنا؟!!( بدا القاص إسماعيل فهد إسماعيل حياته الثقافية بالتعرف على أفكار سارتر وكامو ومجموعة الكتاب الوجوديين، وعاش ظروفا حياتية ومعاشية، جعلته شبه معزول عن الحياة العامة بعدد قليل من الأصدقاء والمعارف،يتضح ذلك في قصة ( يوم في حياته)على لسان بطل القصة :(وقريتي حفنة بيوت حتى طفولتي عشتها وحيدا همجيا شرسا،وهي الرقيقة الحلوة ...البقعة الداكنة ص88) فكانت الوجودية اقرب إلى تفكيره وعلى ضوئها كتب مجموعته الأولى البقعة الداكنة ورواياته الأولى ( كانت السماء زرقاء ، المستنقعات الضوئية، الحبل) وقد جسد فيها وجهة نظر عبثية عن الحياة وفردية الكائن وهو يتعرض للعسف والمضايقة بسبب سلوكه ووجهة نظره الرافضة لتابوات المجتمع الدينية والاجتماعية التي عمقت شعوره بفقدان الهوية والبحث عن أفق يبدو غائما له،وقد استثمر شخوصا من قاع المجتمع،في مجموعته الأولى، وهم يحملون همومهم وتساؤلاتهم من خلال وقائع حياة تتسم بقسوة الفعل على أجسادهم وقصديته كما في قصة البقعة الداكنة،او برتابة الحياة وسكونها في قصص المجموعة الأخرى . صدرت مجموعة (البقعة الداكنة) في بغداد عام 1965، من منشورات مكتبة النهضة ،قبل مغادرته إلى الكويت بأكثر من سنة، وتضم هذه المجموعة في طبعاتها المختلفة ست قصص هي (البقعة الداكنة،يوم في حياته، لأكن قنوعا، المهمة الثقيلة ،المرأة الحارس ، أنا إنسان ) وكان صدور هذه المجموعة قد سبق العديد من المجموعات القصصية التي صدرت بعد ذلك لمجموعة القاصين الذين شكلوا جيل الستينيات وهم :القاص والروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي ، وجليل القيسي ومحمد خضير وجمعة اللامي ومحمود جداري وعبد الستار ناصر، واحمد خلف، وعبد الإله عبد الرزاق وغيرهم ممن شكلوا البدايات الأولى في كتاباتهم بما سمي جيل الستينيات في العراق. ولم ينشر القاص إسماعيل فهد إسماعيل قصصه في الفترة الستينية في المجلات المعروفة آنذاك كمجلة الآداب والمجلات الثقافية الأخرى أو في الصحف العراقية على حد علمي كما فعل معظم قصاصي الستينيات وهو لم يكن معروفا في الوسط الأدبي في مدينة البصرة، ولذا فان انجازه لم يكن نتيجة تأثر وعلاقة مباشرة مع المجتمع الأدبي في البصرة أو بغداد بل كان نتيجة قراءة خاصة في الأدب العربي والأجنبي معززة بموهبته وثقافته ،التي كانت هي الأساس في كتاباته، وخلال منتصف ستينيات القرن العشرين أنجز خلالها مشروعه الروائي ( كانت السماء زرقاء ، المستنقعات الضوئية ، الحبل ) ثم أكملها في الكويت بروايته ( الضفاف الأخرى ) التي جمعت بين أبطال الروايات الثلاث وأحداثها الجديدة. وتكشف الكتابات الأولى للمبدعين خططهم في الشكل الفني الجديد لإبداعهم ورؤاهم التي تشكلت ثم نضجت في أعمالهم القادمة، بهذا المعنى سنحاول في هذه القراءة ، تناول منجز الروائي والقاص إسماعيل فهد إسماعيل الأول ( البقعة الداكنة)، الذي بدأ حياته الإبداعية منها . ويمكن تكثيف العالم الذي شيده القاص/ الروائي، بابتكاراته الفنية وتقنياته الجديدة لبناء عالمه الإشكالي في هذه المجموعة ثم نضج وتبلور في رواياته القادمة بشكل خاص بالنقاط التالية: أولا : إحلال العالم الداخلي في هذه التجربة القصصية بدلا من عالم الخارج الذي تضج به القصص السائدة في الخمسينيات من القرن العشرين، وفي هذا العالم يتداخل عالم الشخصية المأزومة وعالم الخارج كخلفية باهتة يكون فيها الداخل ضاجا بالحيوية والتساؤل والسخرية المرة، يتضح ذلك باعتماد المنولوج الداخلي، الذي يمثل تقنية خاصة تميز بها هذا القاص وبنى بها معظم نتاجاته الروائية والقصصية . ثانيا: يمثل السارد في هذه المجموعة تقنية متقدمة وهي ستجد طريقها ناضجة في أعماله الأخرى التي كانت منجزة في زمن صدور هذه المجموعة – كما اشرنا – والسارد في هذه المجموعة سارد محايث للشخصية بما يسمى (الرؤية مع) وهو نوع من الساردين يؤثث الخطاب القصصي من خلال منظور الشخصية. ويسمح لها بنفس الوقت بالحديث المباشر عن نفسها من خلال استخدام ضمير ألانا.. وبهذه الطريقة في السرد يلغي القاص تلك المسافة بين من يروي ومن يرى. وبين من يتكلم ومن يوجه….وقد تخلص القاص في هذه التقنية، من التعليقات الخارجية والجمل الزائدة التي تثقل حركة السرد،وادخل المتلقي في عمق أزمة الشخصية القصصية وأشركه في الإجابة على الأسئلة المصيرية التي تشغل أعماقه. وعلى الرغم من أن عالم القصة القصيرة محدود نسبيا وشخوصها كذلك، وهي غالبا ما تعبر عن تجارب الحياة اليومية بتقلباتها دون الدخول في صراعات الحياة ومصائر الشخوص فيها، غير أن القاص إسماعيل فهد إسماعيل، استثمر فضاء القصة القصيرة ليطرح من خلالها أسئلة مصيرية تخص مصير الإنسان وجدوى الحياة عبر شخوص التقطهم من قاع المجتمع، يتضح ذلك من استنطاق شخصية ( صاحب القارب) في قصة ( البقعة الداكنة) الذي وجد نفسه في وضع بين الحياة والموت،يواجه أسئلة مصيرية ولا يجد إجابة عليها ،فيشعر بالوحدة والغربة إزاء الآخر الذي يكون معاديا أو سلبيا،فيتساءل :( أين أنا ؟! وما الذي جاء بي إلى هنا ص5) وحين يكتشف أن قاربه قد سرق، وانه مقيد الرجلين واليدين وملقى على ساحل شط العرب، تتداعى في نفسه معاني الوحدة والغربة ( داخله شعور بأنه الوحيد في هذا العالم،وان جميع من في العالم ماتوا منذ سنين المجموعة- ص12). و يتضح هذا المعنى، في فقرة بنية الاستهلال، في معظم قصص البقعة الداكنة بالمفارقة مع الاستهلالات المألوفة في القصة العراقية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، اذ انه يؤشر على انفصاله عن الحكاية، فهو أما تساؤل أو جملة اعتراضية تكون جزءا من هواجس الشخصية وليست جملة سردية تكون عادة مقدمة أو تكثيف للحكاية القادمة . في قصة البقعة الداكنة التي تتصدر المجموعة يكون الاستهلال على شكل جملة استفهامية ( أين أنا؟؟ ) وهو سؤال استنكاري، تجد الشخصية ذاتها في وضع غريب لم تكن تتوقعه من قيل ،وعبر هذا السؤال الذي يحمل الاستنكار والدهشة، تعبر الشخصية عن اغترابها وحيرتها وهي تجد ذاتها مقيدة، لا تستطيع الحركة وهي في مكان معاد،يدنيها من الموت كلما حاولت تخليص نفسها وتحرير جسمها من القيود التي كبلته، وكان هذه القيود شرط لوجودها الفيزيقي! وخلال هذه التساؤلات واستكشاف المكان عبر عين الشخصية وحواسها الأخرى، يتكشف للقارئ وجهة نظر الكاتب عن عالم الإنسان في تلك الحقبة،. وفي قصة ( يوم من حياته – في الطبعة الثانية من المجموعة يوم من حياتي) يكون الاستهلال بالشكل الآتي :(تف عليها من حياة! قال وهو يجبر نفسه على النهوض من فراشه ص28) وهي جملة تكشف أزمة إنسان في بداية حياته ( طالب إعدادية ) وفي قصة ( لأكن قنوعا – لأكن قانعا في الطبعة الثانية للقصة ) يكون الاستهلال(إما الذي أزعجه فهو الفراغ الذي يطبق عليه من جميع الجوانب ، ويكاد يكتم أنفاسه ص48).ويتزايد شعوره بالخيبة والمرارة حين يجد الروتين القاتل يحيط بحياته فيعلن:(والله إن حياة أية حشرة من الحشرات لأحسن من حياتي السخيفة ص48 ثم يستطرد :(من العدم والى العدم مرت علي سنتان في عملي الوضيع ص48) أما الاستهلال في قصة ( المهمة الثقيلة) فيمثل حوارا داخليا من الذات واليها( لا بد إني في حلم! ) وفي تفاصيل القصة تتجسد إشكالات الحياة الزوجية التي تجعل هذه القصة وقصة أنا إنسان تنتمي إلى القصة الخمسينية ولكنهما تسردان بنفس الطريقة، المنولوج الداخلي والسارد المحايث للشخصية. لقد كانت مجموعة (البقعة الداكنة) مشروعا قصصيا،يبشر بقامة قصصية وروائية قادمة،استطاع القاص أن يشحن قصصها القصيرة المتواضعة،بالشكل الجديد الذي ابتكره في بداية حياته الأدبية وهو المنولوج الداخلي أو تيار الوعي الذي أصبح أسلوبا مميزا في ريادته في كتابة الرواية العربية القصيرة بشكلها الجديد وعالمها الإشكالي. أما مجموعته ( الكرة والباص) التي صدرت بعد رحيله عام 2019،فهي الأقرب في التقنية والثيمة إلى جيل الستينيات في العراق على الرغم من ابتعاد إسماعيل عنهم بالعلاقة المباشرة حيث انه كان لا يعرفهم ولم يتيسر اطلاعه على نتاجاتهم الأولى، لكنه في مجموعته هذه اقترب منهم في بعض التقنيات التي سنشير اليها، كتب الروائي إسماعيل فهد إسماعيل معظم قصص مجموعة (الكرة والباص) عام 1966، في مدينة البصرة وقبل مغادرته إلى الكويت بفترة قصيرة. وتنتمي قصص هذه المجموعة إلى تراث القصة العراقية الستينية- كما اشرنا - التي أعلت نزعة التجريب والمغايرة والقطيعة مع منجز القصة العراقية التي كتبت في الخمسينيات من القرن العشرين: قصص القاص عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان، ومهدي عيسى الصقر، وغيرهم من جيل القصة الواقعية، التي انتصرت للشخصيات المهمشة والمعدمة من حياة الناس في تلك الفترة . والقاص إسماعيل فهد إسماعيل كان قريبا من اجواء عالم الستينيات بفعل تحسسه للواقع الفاسد في العراق والوطن العربي الذي مهد لهزيمة حزيران عام 1967 ونتيجة لاطلاعه على الموجة الوجودية التي بشرت بها مجلة الآداب البيروتية ودار الآداب ونشرت ترجمات عديدة لكتب سارتر والبير كامو وسيمون دي بوفوار وغيرهم، يضاف إليها الاطلاع على نتاج القصة القصيرة العربية الجديدة وهي تحمل بذرة التجريب والقطيعة مع الأساليب القصصية القديمة كالتشظي في الحكاية وخلخلة زمن السرد، واعتماد ردود الفعل الذاتية عبر ملفوظات تستفيد من تيار الوعي، والدوران في دهاليز الذات لمواجهة تسلط الآخر أو تجنب اقتحام خصوصية عالم الذات، ترسيخا لمقولة جان بول سارتر (الجحيم هم الآخرون)وانتقال مركز القص إلى الذات وتطلعاتها بديلا عن الآخر المهمش الذي كان نموذجا شائعا في القصة الخمسينية الواقعية. في قصص هذه المجموعة، يتجلى ضجر الإنسان وحيرته ودورانه حول ذاته دون هدف أو اتجاه،ويتسيد الفعل المضارع في معظم هذه القصص، مؤطرا الحدث وأفكار الشخصية ضمن بنية دائرية ،مغلقة تعيد حركة الحياة على شكل روتين خانق،يعلن عن غثيان مرعب يكتنف الروح ( نفضت من الفرح يدي،وبعت نفسي للضجر – قصة عطاء ص31) ويتجسد الضجر واليأس في أفعال يومية قارة لا تتبدل( انظر إلى المرآة، أسناني صفراء، رغم كل شيء، لماذا أنظفها؟ ص31 (ابصق، اللون الوردي يصبغ بياض المغسلة، انظر إلى المرآة، أسناني لا زالت صفراء رغم...ص31 وإذا كان عمق الذات مظلما، فان ما يحيط الشخصية خارج مشاكس (الأوحال تملا شوارع البصرة،المطر كان شديدا ليلة البارحة، لا بد أن الأكواخ تنز رطوبة – القصة ص32) وفي قصة (الدثار) يبدو تشظي العالم المحيط بالشخصية واضحا،من خلال لقطات مقربة تشي بأزمة الشخصية المركزية في القصة،مرة بتضخم نزعة التملك ( من واجب الضيافة أن ادعه للضيف،(...) التقطت الدثار، الضيف رمقني باستغراب ص21 ويتضح ذلك أيضا في الحوار بينه وبين ( احدهم) الذي يبدو حوارا مقطوعا لا معنى له، وكذلك حواره مع اليهودية، التي تجيب على سؤال له:( لم لم تذهبوا إلى فلسطين)بوصفه اتهاما مبطنا لها ولأهلها فتجيب:(نحن يهود ولسنا صهاينة ص26)،لكنه لم يقصد الاتهام فإجابته المضمرة، تشي بالتحرش والاستفزاز فقط :(سرقت نظرة إلى صدرها وعدت ص26). تحيل قصة ( الدثار) إلى نماذج من القصص التي انتشرت في الستينيات من القرن العشرين أساسها رفض الأخر والتقوقع بالفردية التي تجعل الذات في عزلة عن الآخرين،وتشيد خطابات تمجد العزلة والتفاهة :(دوري على نفسك أيتها الكرة الحمراء،اعبري الشارع، دققي النظر عبر الزجاج،فلن تري سوى تفاهتك – قصة الكرة والباص ص69،ثم يستطرد:(ومع نفسي ماذا أقول؟لا شيء ..غير..أنا تافه ص71 إن سمة الضجر والسام، تتحكم في وجهة نظر الشخصية التي ترى الآخر ( المعشوقة) كرة حمراء تتدحرج، وكيس ورقي قذر و( قطعة كبيرة من ماضيي تسكن أعلى السقف ص70) وتتداعى صورتها في لاوعيه على شكل جرو كبير ( هي سمنت، أصبحت جروا كبيرا، عيناها ، عيناها ص70 وقصص الكرة والباص كتبت في زمن فقد فيه المثقف بوصلته التي كانت تدفعه إلى الآخرين وترفع رتبته إلى كائن اجتماعي متضامن مع المجموع –كما في شخوص القصة الخمسينية-وأصبحت القصة لديه صوتا ذاتيا ينطلق من الذات ويعود إليها في رحلة دائرية،تهجو الآخر وتحاول أن تنأى بنفسها عن نتانة الماضي الذي يجسد النفاق والجبن :(بودي لو اسحق الماضي.وانفصل عنه، ولكن ماذا والماضي – بصقة-هو الحاضر ص71) لقد واكبت مجموعتا القاصين جمعة اللامي وإسماعيل فهد إسماعيل أجواء الستينيات واغتنتا بالشكل الجديد الذي جسد الأزمة الوجودية،واسهم في التمرد على الأشكال السائدة في القصة العراقية،من خلال مجاميعهم القصصية : (البقعة الداكنة والكرة والباص) ، (ومن قتل حكمة الشامي) حيث مثلت ماضي القصة العراقية في تلك الفترة من القرن العشرين،بكل غناها الشكلي وتقنياتها المبتكرة،وروحها المتمردة فأنهما من جانب آخر كانتا أرصادا مبكرا دشنت رحلة طويلة ومبدعة بالانتماء لعالم الآخرين الذي جسدته أعمالهم الروائية والقصصية بعد الستينيات وإلى يومنا هذا. (1)-فاضل العزاوي: (الروح الحية – جيل الستسينات في العراق – فاضل العزاوي – دار المدى للثقافة والنشر – الطبعة الثانية 2003 ص10) (2) المصدر نفسه ص11 (3) فوزي كريم تهافت الستينيين-أهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي-الناشر – دار المدى الطبعة الأولى 2006 ص43) (4) (جميل الشبيبي -نزعة التجديد والتجريب في السرد العراقي القصير – بنية السارد نموذجا ص8) (5) المصدر نفسه ص9 (6) ))انظر مقابلته مع شاكر نوري :جمعة اللامي أنا ابن الطبيعة الخالدة،وريث الجاحظ،وحفيد بلزاك الموقع الالكتروني كتاب العراق تاريخ النشر 8/1/ 2017 (7) المصدر نفسه
#جميل_الشبيبي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الروائي إسماعيل فهد إسماعيل عبور مستنقع الذات إلى الضفة الأخ
...
-
جدل الرواية مع التاريخ رواية الضحايا أن
...
-
جدل الرواية والتاريخ في الرواية العراقية المعاصرة
...
-
رواية صيد الحمام السيرة الذاتية والخيال الروائي
-
في رواية (الذي لا يحب جمال عبد الناصر) بالسخرية والضحك والته
...
-
اثر لا يمحى ورحلة حياة حافلة بالإبداع
-
البصرة جنة البستان محاولة في التجنيس الروائي
-
حين تجد الأنثى هويتها في مجازات اللغة الشعرية
-
الرواية العراقية بعد التغيير2003 تعالق الفضاء الت
...
-
بلاغة التورية في تيمور الحزين
-
(البدون)إشكالية إنسانية وليست عرقية
-
تساؤلات الأنثى في عالم ذكوري
-
السجن فضاء قصصيا
-
البحث عن هوية في فضاء بديل (رواية عجائب بغداد ن
...
-
الفيلة تطير فوق نفايات المدن
-
في رواية جاهلية ليلى الجهني تتحرى سجلات إذلال الأنثى في الحا
...
-
حافات الدانتيلا ذاكرة يقظة من تاريخ الأسى
-
الجنون و الحجر الصحي الدائم بديلا للحياة
-
عالم خارج هموم الذات
-
أنثى مفخخة
المزيد.....
-
كيف تشكلت -الشجاعة الأسطورية للشعب الروسي-؟
-
أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق
...
-
-كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل
...
-
-ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو
...
-
كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا
...
-
طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ
...
-
إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو
...
-
سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص
...
-
وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا
...
-
بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|