أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد ابراهيم عرفة - ترتليانوس: الأب الذي رفض الفلسفة ودافع عن الإيمان المسيحي














المزيد.....

ترتليانوس: الأب الذي رفض الفلسفة ودافع عن الإيمان المسيحي


محمد ابراهيم عرفة

الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 08:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يُعدّ ترتليانوس (Tertullian) واحدًا من أبرز آباء الكنيسة الأوائل في القرون المسيحية الأولى، ومن أكثر الشخصيات تأثيرًا في تشكيل اللاهوت المسيحي باللغة اللاتينية. وقد عُرف بموقفه الحاد من الفلسفة اليونانية، وبمحاولته الدفاع عن المسيحية في مواجهة الوثنية والغنوصية والتيارات الفكرية المختلفة التي كانت منتشرة في عصره.

أولًا: حياته ونشأته
كان اسمه الكامل كوينتوس سيبتميوس فلورنس ترتليانوس (Quintus Septimius Florens Tertullianus). وُلد نحو سنة 160م في مدينة قرطاج بشمال أفريقيا، التي كانت آنذاك من أهم المراكز الثقافية في العالم الروماني.
نشأ ترتليانوس في بيئة رومانية وثنية، وتلقى تعليمًا جيدًا، ويُرجح أنه درس البلاغة والقانون، ثم مارس مهنة المحاماة. وفي أواخر القرن الثاني الميلادي اعتنق المسيحية، ويُقال إن شجاعة الشهداء المسيحيين وثباتهم أمام الاضطهاد كانا من العوامل التي أثرت في تحوله إلى المسيحية.
بعد اعتناقه المسيحية عاد إلى قرطاج، حيث أصبح من أبرز المدافعين عن العقيدة المسيحية. وفي نحو سنة 197م بدأ نشاطه الأدبي واللاهوتي المكثف، فألف عددًا كبيرًا من الكتب والرسائل التي تناولت قضايا العقيدة والأخلاق والدفاع عن المسيحية.
ثانيا: إسهاماته في اللاهوت المسيحي
يُعدّ ترتليانوس من أهم مؤسسي اللاهوت المسيحي باللغة اللاتينية. فقد كان من أوائل المفكرين المسيحيين الذين استخدموا اللغة اللاتينية بصورة منهجية في شرح العقائد المسيحية والدفاع عنها.
ومن أهم إسهاماته أنه استخدم مصطلحات فلسفية وقانونية لتفسير العقيدة المسيحية، ومن أشهر المصطلحات التي ارتبطت به مصطلح الثالوث، حيث استخدم العبارة اللاتينية:
Una substantia, tres personae أي: جوهر واحد وثلاثة أقانيم.
وقد كان ترتليانوس من أوائل من صاغوا مفهوم الثالوث بهذه الصورة الاصطلاحية، ولذلك كان له تأثير كبير في التطور اللاحق للاهوت الثالوثي في الكنيسة الغربية.
ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن ترتليانوس لم يخترع عقيدة الثالوث من العدم، بل كان يسهم في صياغة المصطلحات اللاهوتية والفلسفية التي استُخدمت لاحقًا للتعبير عن المعتقد المسيحي.
ثالثًا: النفس والدين
اهتم ترتليانوس بالعلاقة بين الإنسان والدين، ورأى أن النفس الإنسانية تحمل ميلًا طبيعيًا نحو الإيمان بالله. وقد عبّر عن هذه الفكرة في كتابه «شهادة النفس»، حيث رأى أن النفس، حتى في صورتها البسيطة وغير المتعلمة، تنزع إلى الاعتراف ببعض المعاني الدينية الأساسية.
ففي لحظات الخوف والألم والشدة، قد يلجأ الإنسان بصورة تلقائية إلى الله، وتظهر في لغته عبارات مثل: «الله يعلم» أو «إن شاء الله» أو «يا إلهي». وقد رأى ترتليانوس في ذلك دليلًا على أن الدين ليس مجرد نتاج فلسفي أو تعليمي، بل يرتبط بطبيعة الإنسان نفسها.
ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة التي تلخص موقفه من طبيعة النفس:
«النفس بطبيعتها مسيحية».
ومعنى ذلك عنده أن النفس الإنسانية تميل بطبيعتها إلى الإيمان بالله، وإن كانت الأديان والفلسفات المختلفة قد تقدم لهذا الميل تفسيرات وصورًا متعددة.
رابعًا: موقفه من الفلسفة
يُعرف ترتليانوس بموقفه النقدي الشديد من الفلسفة اليونانية، وقد رأى أن الفلسفة كثيرًا ما أدت إلى الجدل والشك والاختلاف، بينما يقوم الإيمان المسيحي على الوحي والعقيدة.
ولذلك اشتهرت عنه عبارته:
«ما علاقة أثينا بأورشليم؟ وما علاقة الأكاديمية بالكنيسة؟»
فأثينا عنده ترمز إلى الفلسفة اليونانية، وأورشليم ترمز إلى المسيحية والوحي. وكان يقصد بذلك رفض إخضاع العقيدة المسيحية لمعايير الفلسفة اليونانية، أو محاولة تفسير الإيمان المسيحي بالكامل من خلال العقل الفلسفي.
وقد كان ترتليانوس ينتقد بشدة أولئك الذين حاولوا التوفيق بين الفلسفة واللاهوت المسيحي، لأنه رأى أن الفلسفة كثيرًا ما تقود إلى الهرطقة والانحراف عن الإيمان.
ومع ذلك، فإن موقفه من الفلسفة لم يكن خاليًا من المفارقة؛ إذ إن ترتليانوس نفسه استخدم عددًا من المصطلحات والمفاهيم ذات الأصل الفلسفي في دفاعه عن المسيحية ضد الوثنيين والغنوصيين. فقد استعان بالمنطق والحجاج والمفاهيم الفلسفية، رغم انتقاده للفلسفة بوصفها مصدرًا للحقيقة الدينية.
كما تأثر ترتليانوس ببعض الأفكار الرواقية، ولا سيما في تصوره لطبيعة النفس والمادة والروح. وهذا يكشف أن رفضه للفلسفة لم يكن رفضًا مطلقًا لكل أدوات التفكير الفلسفي، بل كان رفضًا لتحويل الفلسفة إلى مصدر أعلى من الوحي المسيحي أو إلى معيار للحكم على العقيدة.
خامسًا: ترتليانوس والمونتانية
في مرحلة لاحقة من حياته، انجذب ترتليانوس إلى الحركة المونتانية، وهي حركة مسيحية ظهرت في آسيا الصغرى في القرن الثاني الميلادي، وأكدت على النبوة والإلهام المباشر وتشددت في بعض القضايا الأخلاقية والزهدية.
وقد وجد ترتليانوس في المونتانية ما يتفق مع نزوعه إلى التشدد الأخلاقي والنسك، وانتقاده للتساهل في بعض الممارسات الكنسية. ولهذا أصبح أكثر ارتباطًا بها في أواخر حياته.
سادسًا: وفاته
لا تتوافر معلومات مؤكدة عن السنوات الأخيرة من حياة ترتليانوس. وتضع أغلب التقديرات وفاته بعد سنة 220م، وربما نحو سنة 220م أو بعد ذلك بقليل، إلا أن تاريخ وفاته الدقيق غير معروف.
وبغض النظر عن موقفه من الفلسفة أو علاقته بالمونتانية، ظل ترتليانوس واحدًا من أهم الشخصيات في تاريخ الفكر المسيحي القديم. فقد كان من أوائل الذين نقلوا اللاهوت المسيحي إلى اللغة اللاتينية، وأسهم في تشكيل المصطلحات التي أصبحت لاحقًا أساسية في اللاهوت الغربي.
ومن المفارقات الفكرية في شخصيته أنه كان من أشد منتقدي الفلسفة اليونانية، لكنه استخدم أدواتها ومفاهيمها في صياغة دفاعه عن المسيحية. ولذلك يمثل ترتليانوس نموذجًا مهمًا للتوتر بين الإيمان والوحي من جهة، والعقل والفلسفة من جهة أخرى في الفكر المسيحي القديم.
وربما يلخص موقفه أشهر تعبير نُسب إليه:
«أؤمن لأنه غير معقول».



#محمد_ابراهيم_عرفة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية عن فرضية النقاب في كتب التراث
- الباطنية كفرقة إصلاحية في الإسلام
- الحرية الجنسية في شبه الجزيرة العربية في العصر الجاهلي
- أهم المصطلحات والأفكار الواردة في كتاب السماع الطبيعي لأرسطو
- قصة قصيرة:بين العرش والقلب
- ابن هندو.. الفيلسوف المنسي الذي نقل حكمة اليونان إلى العربية
- حجج أرسطو الأربعة على قِدم العالم
- أبو الحسن العامري: سيرته وفلسفته وإسهاماته الفكرية
- قصة قصيرة:ثمن المعرفة المطلقةو رحلة السنة الأخيرة.
- الحسين بن محمد النجار: دراسة في حياته وآرائه الكلامية.
- قسطا بن لوقا: فيلسوف التفرقة بين النفس والروح
- ضرار بن عمرو: حياته وآراؤه الكلامية
- تأثير الفلسفة اليونانية في ظهور فكرة التجسيم في تاريخ الإسلا ...
- معضلة الشر: نشأتها وتطورها والردود الفلسفية عليها
- قصة قصيرة: حب تحت أضواء باريس
- من هو فرانسيس بيكون ؟
- مفهوم «موت الإله» عند نيتشه: بين انهيار الحقيقة المطلقة وبدا ...
- كشف النقاب عن مقولة صحة كل ما ورد في صحيح البخاري
- فلسفة ديفيد هيوم نحو العالم الأخروي
- الاستقراء: تعريفه، أنواعه، وإشكالاته المنطقية


المزيد.....




- ترامب: إيران فقدت قواتها البحرية والجوية وتريد إبرام اتفاق م ...
- نائب أوروبي ينتقد قرار المفوضية الأوروبية بوقف تمويل بينالي ...
- سباق مع الزمن لإنشاء خطوط أنابيب بديلة لتجاوز إغلاق هرمز!
- عادة شائعة قبل النوم قد تُفسد جودة نومك!
- الحوثيون يشنون هجوماً على السعودية وتجدد القصف على إيران
- مباشر: الحوثيون يعلنون مسؤوليتهم في هجوم صاروخي على السعودية ...
- عودة الوافدين إلى لبنان.. هل تستعيد السياحة عافيتها؟
- بعد 13 ليلة متواصلة.. الجيش الأمريكي لم يعلن توجيه ضربات لإي ...
- مسؤول عسكري إيراني يتحدث عن -معادلة جديدة- في الحرب مع أمريك ...
- الرئيسان الروسي والكازاخي يناقشان قضايا التعاون الثنائي خلال ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد ابراهيم عرفة - ترتليانوس: الأب الذي رفض الفلسفة ودافع عن الإيمان المسيحي