أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الجيش الذي وُلد للداخل لا للخارج














المزيد.....

الجيش الذي وُلد للداخل لا للخارج


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 15:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين تُذكر الجيوش الوطنية، يتبادر إلى الذهن أنها مؤسسات أُنشئت لحماية الحدود وصيانة السيادة والدفاع عن البلاد في مواجهة الأخطار الخارجية... ؛ لكن تجربة الدولة العراقية الهجينة الحديثة تطرح سؤالاً مختلفاً ومزعجاً في آن واحد: هل تأسس الجيش العراقي أصلاً لمواجهة العدو الخارجي، أم لضبط الداخل العراقي وإخضاعه؟
قد يبدو السؤال صادماً، لكنه سؤال يفرض نفسه عند مراجعة تاريخ تأسيس الجيش العراقي عام 1921 في ظل الاحتلال البريطاني... ؛ فبريطانيا التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى لم تكن تخشى على العراق من غزو خارجي بقدر ما كانت تخشى الثورات والانتفاضات الداخلية التي اندلعت ضد وجودها، وفي مقدمتها ثورة العشرين التي هزّت أركان المشروع الاستعماري البريطاني الخبيث .
لقد أدرك البريطانيون مبكراً أن السيطرة المباشرة على العراق مكلفة سياسياً وعسكرياً، فكان الحل إنشاء دولة محلية هجينة وتابعة , ومؤسسات أمنية وعسكرية تتولى مهمة حفظ النظام الداخلي نيابة عنهم.. , ومن هنا نشأ الجيش العراقي في بيئة سياسية لم يكن الهاجس المركزي فيها حماية الحدود بقدر ما كان ضمان استقرار السلطة الجديدة ومنع تكرار الثورات الشعبية.

ولعل اللافت أن النواة الأولى للجيش تشكلت من ضباط خدموا سابقاً في الجيش العثماني، وغلب على قياداته المبكرة الانتماء إلى بيئات اجتماعية ومناطقية وقومية اجنبية وغريبة وطائفية وعنصرية ... ؛ الأمر الذي جعل المؤسسة العسكرية تعكس منذ ولادتها اختلالات الدولة العراقية الناشئة نفسها... ؛ فبدلاً من أن تكون مرآة متوازنة للتنوع العراقي، أصبحت مع مرور الزمن إحدى أدوات إعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاجتماعية.
ولم تمض سنوات طويلة حتى بدأ الجيش يؤدي الوظيفة التي أُنشئ من أجلها... ؛ ففي عام 1933 شهد العراق واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخه الحديث، عندما وقعت مجزرة سميل ضد الآثوريين .. , وقد تحولت العملية العسكرية إلى كارثة إنسانية راح ضحيتها مئات المدنيين، واعتبرها كثير من الباحثين أول اختبار كبير لاستخدام الجيش ضد جزء من سكان البلاد بدلاً من توجيهه نحو تهديد خارجي.
وبعد ذلك لم يتوقف توظيف المؤسسة العسكرية في إدارة الأزمات الداخلية بالقوة... ؛ فقد دخل الجيش في مواجهات متكررة مع الحركة الكردية في شمال العراق **، واستخدم في حملات ضد بعض المناطق والعشائر والجماعات المحلية الرافضة لسياسات الدولة المركزية.. , كما شهدت مناطق الفرات الأوسط والجنوب حملات عسكرية واسعة ضد الانتفاضات الفلاحية والعشائرية خلال العهد الملكي، حيث جرى اللجوء إلى القوة المسلحة والطيران العسكري لإخضاع المحتجين والثوار وإعادة فرض سلطة الحكومة الطائفية والعنصرية الغاشمة .
ومنذ تلك اللحظة تشكل تقليد سياسي خطير في العراق: كل أزمة سياسية تُعالج عسكرياً، وكل احتجاج اجتماعي يُنظر إليه بوصفه تهديداً أمنياً، وكل معارضة تُصنف باعتبارها تمرداً يستوجب القوة.. , وهكذا تحولت المؤسسة العسكرية تدريجياً من أداة دفاع وطني إلى أداة مركزية في إدارة الصراع الداخلي وقمع الشعب .
ولم يكن رفض بعض المرجعيات الدينية، ومن بينها المرجع السيد محمد الصدر، لقانون الخدمة الإلزامية بعيداً عن هذا السياق التاريخي.. , فقد كانت هناك مخاوف حقيقية من أن تتحول الخدمة العسكرية إلى وسيلة لزج أبناء المجتمع في مؤسسة يُستخدم جزء مهم من طاقتها ضد أبناء الوطن أنفسهم، لا ضد الأخطار الخارجية.
ومع مرور العقود ترسخت هذه العقيدة أكثر فأكثر.. ؛ فالانقلابات العسكرية المتعاقبة جعلت الجيش لاعباً سياسياً مباشراً، ثم جاء حكم البعث ليحوّل المؤسسة العسكرية والأمنية إلى إحدى ركائز السلطة المطلقة.
وعندما اندلعت الانتفاضة الشعبية الخالدة عام 1991 بلغ هذا المسار ذروته الدموية، إذ استُخدمت تشكيلات الجيش والحرس الجمهوري والأسلحة الثقيلة في قمع مدن عراقية كاملة، في مشهد أعاد إنتاج الفكرة نفسها التي رافقت الدولة منذ بداياتها: توجيه القوة العسكرية إلى الداخل قبل الخارج.

إن المشكلة لم تكن في وجود الجيش بحد ذاته، فالدول لا تقوم بلا جيوش، بل في العقيدة التي حكمت بناء هذه المؤسسة.. , فحين يُربّى الجيش على أن الخطر الأكبر يأتي من المواطن لا من العدو الخارجي، وحين تصبح حماية النظام السياسي أهم من حماية المجتمع، فإن السلاح الذي يفترض أن يكون درعاً للوطن يتحول إلى أداة لفرض الهيمنة على الوطن نفسه.
إن قراءة تاريخ الجيش العراقي من سميل عام 1933 إلى انتفاضة عام 1991 تكشف خيطاً متصلاً من استخدام القوة العسكرية في إدارة التناقضات الداخلية.. , حتى التضحيات الكبيرة التي قدمها مئات الآلاف من الجنود والضباط العراقيين ؛ انما قدمت ككبش فداء في معارك الوكالة وحروب النيابة عن الاخرين ... .
فلابد من إعادة النظر في الفلسفة التي تأسست عليها المؤسسة العسكرية وفي طبيعة العلاقة التي ربطتها بالدولة والمجتمع.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بقوة جيشها فقط، بل بالغاية التي وُجد الجيش من أجلها.. , وعندما يصبح المواطن هدفاً دائماً للبندقية، فإن المشكلة لا تكون في الجندي، بل في العقيدة السياسية التي توجه البندقية.
...............
المصادر
* عبد الرزاق الحسني، *تاريخ الوزارات العراقية*.
* حنا بطاطو، *العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية*.
* علي الوردي، *لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث*.
* Charles Tripp, *A History of Iraq*.
* Eric Davis, *Memories of State*.
* تقارير عصبة الأمم ووثائق مجزرة سميل 1933.
* مذكرات نوري السعيد والوثائق البريطانية الخاصة بتأسيس الجيش العراقي.

**ملاحظة تاريخية مهمة:** انتفاضات الشيخ محمود البرزنجي الرئيسية سبقت تأسيس الجيش العراقي النظامي أو تزامنت مع بداياته، وكانت القوات البريطانية هي الطرف العسكري الرئيس في معظم مراحل قمعها، لذلك يجب التفريق بين الدور البريطاني المباشر وبين دور الجيش العراقي الذي تعاظم لاحقاً.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان بين نيران الجماعة وصحراء العزلة الباردة
- الهوية الوطنية العراقية بين مشروع الدولة ومشروع التبعية
- ثروة الطلبة العراقيين بين غياب الدولة وهيمنة المنصات الأجنبي ...
- العراق... عندما تصبح الحرب أسلوب حياة
- تبديد المليارات: العبثية في الفساد والاستثمارات الخارجية
- العهد التنكي البائس: حين يتحول الفقر المدقع المنسي إلى -زمن ...
- الهجرات المتأخرة وبقايا الاحتلالات وإشكالية الاندماج الوطني
- طائفية الدولة الملكية العراقية بالوثائق والشواهد
- بين الإعجاب والتجاهل… ماذا يكشف عدم تفاعل الأصدقاء مع منشورا ...
- عندما يتحول الوطن إلى قربان للأيديولوجيا
- ياسين (الهاشمي) بين الإرث العثماني وأزمة الهوية العراقية: قر ...
- تراتيل المعاناة .. تأملات في جدلية المصيبة والابتلاء
- مقولة «العراقي لا ينفع معه إلا السوط»... كذبة صُنعت لتبرير ا ...
- من حرق الملايين في تنور الجميلي الى مزرعة الجبوري في الصقلاو ...
- الويركو... من العهد العثماني الغاشم الى النظام الملكي البائس ...
- الأمير زيد وأراضي أبو غريب… حين تحولت أملاك الدولة إلى ثروات ...
- بلد العجائب الاقتصادية: حين تتحول الأجور إلى مرآة للظلم
- اغتراب الوعي وتغييب العقل في زمن الانهاك .. قراءة سياسية واج ...
- صوتُ الشعب خلف القضبان: قراءة في قضية اعتقال الإعلامي حيدر ا ...
- الجيش العراقي بين التأسيس الاستعماري ووظيفة الهيمنة الداخلية ...


المزيد.....




- -بكينا ثم صلّينا-.. سيناتور أمريكي سابق يروي كيف واجه أسرته ...
- مسؤول أمريكي لـCNN: ما تردد عن رفض إيران مقترح ترامب لوقف إط ...
- نتنياهو يأمر بتوسيع العمليات في الضفة.. وهدم منازل وتشريع بؤ ...
- صور فضائية تفاجئ واشنطن وتل أبيب.. إيران ترمم منشآتها العسكر ...
- حظر اللثام ومنع التعذيب.. الداخلية السورية تشدد ضوابط العمل ...
- عبقرية طفل حولت الفانيليا من نبات نادر إلى نكهة عالمية
- الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي ثان متأثرا بجروح أصيب بها صب ...
- الجيش الأردني يحبط محاولة تهريب كمية كبيرة من المخدرات بواسط ...
- كيف تنذر حاسة الشم بالاكتئاب؟
- بوتين يتفقد طائرة التدريب القتالية الجديدة -ياك 130إم- والمن ...


المزيد.....

- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الجيش الذي وُلد للداخل لا للخارج