أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الويركو... من العهد العثماني الغاشم الى النظام الملكي البائس ... رحلة الضريبة التي لم تنتهِ!!














المزيد.....

الويركو... من العهد العثماني الغاشم الى النظام الملكي البائس ... رحلة الضريبة التي لم تنتهِ!!


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 10:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من بين الوثائق النادرة التي تختصر معاناة العراقيين في العقود الأخيرة من العهد العثماني وبدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة، تبرز رسالة مؤرخة سنة 1340هـ الموافق 1922م، بعث بها المرجع الديني الأعلى في زمانه السيد أبو الحسن الأصفهاني إلى السياسي عبد العزيز القصاب، متصرف لواء كربلاء آنذاك، وكانت النجف ما تزال قضاءً تابعاً للواء.
تكشف هذه الرسالة جانباً مهماً من الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي عاشه أبناء العراق في تلك المرحلة المضطربة.. , فالسيد الأصفهاني لم يكتب بشأن قضية سياسية أو نزاع إداري، بل رفع صوته مدافعاً عن الفقراء والمعدمين والمساكين الذين أثقلتهم الضرائب الباهظة حتى بعد انتهاء الحكم العثماني رسمياً وقيام الدولة العراقية الحديثة.
لقد طالب المرجع الكبير برفع ما تبقى من ضريبة "الويركو**" عن الفقراء والضعفاء العراقيين بسبب سوء أوضاعهم المعيشية وعجزهم عن تحمل المزيد من الأعباء المالية... ؛ وهذه المطالبة بحد ذاتها تمثل شهادة تاريخية على حجم المعاناة التي كانت تعيشها الطبقات الفقيرة وغيرها في العراق آنذاك.
وكانت ضريبة الويركو واحدة من أشهر الضرائب العثمانية التي فُرضت خلال إصلاحات التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر، وخصوصاً بعد عام 1839.. , وقد شملت العقارات والأملاك وبعض الأنشطة الاقتصادية، وتحولت مع مرور الزمن إلى عبء ثقيل على المواطنين، ولا سيما في الولايات البعيدة عن مركز الدولة العثمانية.
والمفارقة المؤلمة أن هذه الضريبة لم تنتهِ بسقوط الحكم العثماني وانسحاب الإدارة العثمانية من العراق، بل استمرت آثارها ومخلفاتها المالية حتى بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة الهجينة عام 1921... ؛ فالفلاح والعامل وصاحب الدخل المحدود لم يشعروا بتغيير حقيقي في طبيعة العلاقة بين السلطة والناس، إذ بقيت الجباية مستمرة بينما ظلت الخدمات العامة محدودة للغاية قياساً بما يُفرض على المواطنين من أعباء مالية.
لقد عانى العراقيون خلال العقود الأخيرة من العهد العثماني من سياسة مالية قاسية اعتمدت على تحصيل الضرائب والرسوم بمختلف أشكالها، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من ضعف البنية التحتية، وقلة المدارس، وندرة المستشفيات، وسوء الطرق، وتراجع الخدمات الأساسية.. , وكانت الدولة حاضرة بقوة عندما يتعلق الأمر بالجباية، لكنها غالباً ما تغيب عندما يتعلق الأمر بالتنمية والخدمات أو الامن أو تحسين مستوى معيشة السكان.
وعندما تأسست الدولة العراقية الحديثة تحت الانتداب البريطاني، كان العراقيون يأملون أن تمثل بداية عهد جديد يختلف عن إرث الإدارة العثمانية الثقيلة.. , غير أن كثيراً من الأنظمة الإدارية والمالية والقانونية القديمة انتقلت إلى الدولة الجديدة، كما انتقل عدد كبير من الموظفين والإداريين الاجانب والغرباء الذين عملوا سابقاً في مؤسسات الدولة العثمانية.

ولذلك لم يشعر المواطن البسيط بأن القطيعة مع الماضي كانت كاملة.. ؛ فالضرائب استمرت، والبيروقراطية استمرت، والشكوى من الأعباء المالية استمرت، والوجوه نفس الوجوه ... ؛ حتى بدا لكثير من الناس أن طبيعة الحكم تبدلت بينما بقيت الأساليب ذاتها.. , ومن هنا استعاد العراقيون أمثالهم الشعبية الساخرة للتعبير عن هذا الواقع، وأشهرها المثل القائل:
"المطي نفس المطي، بس الجلال مبدّل."
أي أن الجوهر بقي كما هو، وإن تغيرت الأسماء والشعارات والرايات.
ولا تكمن أهمية رسالة السيد أبي الحسن الأصفهاني في بعدها المالي فحسب، بل في بعدها الإنساني أيضاً.. , فهي تكشف أن المرجعية الدينية كانت تنقل معاناة الفقراء إلى السلطات الحكومية وتطالب بالتخفيف عنهم في زمن كانت فيه أوضاع الناس بالغة الصعوبة بعد سنوات الحرب العالمية الأولى وما خلفته من فقر وخراب وأزمات اقتصادية.
وكلمة "الويركو" لم تبق حبيسة الوثائق والسجلات الرسمية، بل تسربت إلى اللهجة العراقية الدارجة في بغداد وبعض المناطق .. , فمع مرور الزمن أصبح العراقيون يستخدمون عبارة "دفع الوير" للدلالة على دفع حساب شخص آخر في المقهى أو المطعم أو المجلس، وكأن من يدفع الحساب قد تحمل ضريبة إضافية نيابة عن غيره... ؛ حتى أن بعض المطاعم والمقاهي كانت تضع عبارة "الوير ممنوع" تجنباً للإحراج الذي قد ينشأ بين الأصدقاء والمعارف عند التنافس على دفع الحساب.
وهكذا تحولت ضريبة أثقلت كاهل العراقيين لعقود طويلة إلى تعبير شعبي متداول، يحمل في طياته ذكرى مرحلة تاريخية لم تكن فيها الضرائب مجرد أرقام في دفاتر الدولة، بل عبئاً يومياً يثقل حياة الناس البسطاء.
إن هذه الوثيقة النادرة تذكرنا بأن التاريخ لا يُقرأ من خلال قصور الحكام وقرارات الساسة فقط، بل من خلال معاناة الناس العاديين أيضاً... ؛ فالرسائل التي كُتبت دفاعاً عن الفقراء تكشف أحياناً من حقيقة العصور أكثر مما تكشفه الخطب الرسمية والشعارات السياسية، لأنها تنقل صوت أولئك الذين دفعوا الثمن الأكبر دائماً: أبناء العراق البسطاء والاصلاء .
.....................................................................
** الويركو (Werko) هي ضريبة مباشرة كانت تُفرض خلال العهد العثماني على الأراضي والعقارات والأفراد والماشية. تم تطبيقها كجزء من الإجراءات التعسفية العثمانية الغاشمة .
تضمنت هذه الضريبة بشكل أساسي الأقسام التالية:
ويركو الأملاك (العقارات): ضريبة تُفرض على قيمة إيجار العقارات والأراضي المبنية، أو المساحات المستغلة في الأعمال التجارية والصناعية.
ويركو التمتع: ضريبة كانت تُفرض على أرباح التجار وأصحاب الحرف.
ويركو النفوس: ضريبة رؤوس مباشرة تُدفع عن كل فرد من الذكور البالغين.
ويركو الحيوانات: رسوم ورقية تُدفع مقابل ملكية الماشية (مثل الجمال، الأبقار، والأغنام)



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمير زيد وأراضي أبو غريب… حين تحولت أملاك الدولة إلى ثروات ...
- بلد العجائب الاقتصادية: حين تتحول الأجور إلى مرآة للظلم
- اغتراب الوعي وتغييب العقل في زمن الانهاك .. قراءة سياسية واج ...
- صوتُ الشعب خلف القضبان: قراءة في قضية اعتقال الإعلامي حيدر ا ...
- الجيش العراقي بين التأسيس الاستعماري ووظيفة الهيمنة الداخلية ...
- قل : الزمن الأغبر ولا تقل : الزمن الجميل
- فيصل الأول وبذور العنف الطائفي في العراق: الدولة التي وُلدت ...
- سلم الرواتب في العراق… بين عدالة الدولة وهاوية الفقر
- إسقاط الجنسية... حين تحوّلت الهوية الوطنية إلى منحة تمنحها ا ...
- هندسة الوعي : من فوضى البؤس والحزن إلى رحاب الفرح والسلام
- من القومية إلى الشوفينية: رحلة الانتماء نحو الكراهية
- من نقد الفكرة إلى اغتيال صاحبها : ثقافة التخوين والتسقيط في ...
- حيتان الامتيازات... حين تتعدد الامتيازات والصلاحيات والقرارا ...
- العراق أولًا… حين يكون حب الوطن واجبًا أخلاقيًا ووعيًا حضاري ...
- تفاوت الرواتب و الأجور في العراق: غياب الرؤية الاقتصادية وتك ...
- عرقنة التسميات والعناوين العامة في بغداد
- التجنيس الباطل : ارث الاحتلال الثقيل ولعنة الحكومات المتعاقب ...
- الوطنجية : حين تصبح الوطنية تهمة وشتيمة ؟!
- الطلقة أم السجينة ؟!
- الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي


المزيد.....




- وفد حزب الله لجنازة خامنئي يتلقى رسالة دعم إيرانية وتأكيد عل ...
- -منذ 23 عاما وأنتم تحاولون قتلي-.. تصريحات نارية لرونالدو قب ...
- تفاهم طهران واشنطن.. تل أبيب تعرقل بلبنان
- ما هي الثقافات التي بدأت بالمقارنة بين الآلهة والديانات ولما ...
- سرب من سفن أسطول المحيط الهادئ تصل إلى ميناء تشينغداو للمشار ...
- لقطات لإطلاق صواريخ مجنحة من على متن المدمرة الكورية الشمالي ...
- فرنسا.. غرق سفينتين جراء حريق هائل بميناء مرسيليا
- فرنسا.. نشوب نحو 20 حريقا كبيرا على خلفية موجة الحر
- ترامب يعتزم الاتصال ببوتين بعد لقائه زيلينسكي في تركيا
- تصعيد جديد في لبنان يشعل غضب الجامعة العربية


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الويركو... من العهد العثماني الغاشم الى النظام الملكي البائس ... رحلة الضريبة التي لم تنتهِ!!