أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الأمير زيد وأراضي أبو غريب… حين تحولت أملاك الدولة إلى ثروات شخصية














المزيد.....

الأمير زيد وأراضي أبو غريب… حين تحولت أملاك الدولة إلى ثروات شخصية


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 10:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يُقاس نجاح الدول بعدد القصور التي شُيدت فيها، ولا بعدد الألقاب التي حملها الحكام والأمراء، بل بمدى عدالتها في توزيع الثروة والفرص بين مواطنيها.

وحين يكتب المؤرخون عن أسباب الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت العراق الحديث، فإن قضية ملكية الأراضي تبقى واحدة من أكثر الملفات حساسية وأهمية، لأنها تمس صميم العدالة الاجتماعية وعلاقة الدولة بمواطنيها.

لقد خرج العراق من الحكم العثماني مثقلاً بمشكلة كبرى تتعلق بملكية الأراضي الزراعية الشاسعة، ثم دخل مرحلة الانتداب البريطاني وتأسيس المملكة العراقية الهجينة وهو يفتقر إلى نظام عادل يضمن توزيع الثروة العقارية بصورة متوازنة.

وبدلاً من أن تُعالج هذه المشكلة التاريخية بما يخدم أبناء البلاد، شهدت العقود الأولى من العهد الملكي توسعاً كبيراً في تركز الأراضي بيد فئات هجينة وغريبة واجنبية و محدودة من كبار الملاكين والمتنفذين وأصحاب النفوذ السياسي.

ومن بين الوقائع التي أثارت جدلاً واسعاً ما أورده الكاتب والمؤرخ العراقي أحمد سوسة في كتابه «مأساة اللطيفية أو صفحات من ذكريات الماضي» الصادر عام 1964، إذ أشار إلى استحواذ الأمير زيد بن الحسين، شقيق الملك فيصل الأول وأصغر أبناء الشريف حسين، على مساحات واسعة من الأراضي في منطقة أبي غريب غرب بغداد.

وبحسب ما يورده سوسة، بلغت مساحة تلك الأراضي نحو ثلاثة آلاف مشارة، أي ما يعادل ملايين الأمتار المربعة من أجود الأراضي الزراعية في المنطقة… ؛ وقد جرى لاحقاً تقسيم أجزاء من هذه الأراضي وتحويلها إلى مناطق سكنية وطرح قسم منها للبيع، الأمر الذي حقق أرباحاً كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار العقارات والأراضي.

ولا تكمن أهمية هذه الحادثة في حجم الأرض وحده، بل في السؤال الذي تثيره: كيف آلت هذه المساحات الشاسعة إلى شخصيات تنتمي إلى العائلة الحاكمة في وقت كان ملايين العراقيين، ولا سيما الفلاحين في الجنوب والفرات الأوسط، يعانون الفقر ويفتقرون إلى أبسط مقومات الملكية الزراعية؟

لقد كان النظام الاقتصادي الملكي يقوم بدرجة كبيرة على تحالف بين السلطة السياسية وكبار ملاك الأراضي… ؛ ونتيجة لذلك تركزت الثروة العقارية في أيدي أقلية محدودة، بينما بقيت الأغلبية الساحقة من الفلاحين تعمل في أراضٍ لا تملكها، وتخضع لعلاقات إنتاج أقرب إلى التبعية منها إلى الشراكة الاقتصادية الحقيقية.

وكانت لهذه السياسة آثار بعيدة المدى… ؛ فحين تُحتكر الأراضي الخصبة والمواقع الاستراتيجية من قبل فئة محدودة، فإن أسعار الأراضي ترتفع بصورة تفوق القدرة الشرائية للمواطن العادي، وتتراجع فرص التملك أمام الطبقات الفقيرة والمتوسطة… ؛ وهكذا تتحول الأرض، التي يفترض أن تكون مصدراً للتنمية والاستقرار الاجتماعي، إلى أداة لتراكم الثروة بيد قلة من المتنفذين والفاسدين .

ولم يكن أبناء الجنوب العراقي وحدهم من دفعوا ثمن هذا الاختلال، بل امتد أثره إلى شرائح واسعة من المجتمع العراقي… ؛ فالفلاح الذي حُرم من الأرض اضطر إلى الهجرة نحو المدن، والمدينة التي استقبلت موجات الهجرة الكبيرة واجهت أزمة سكن متفاقمة، فيما استمرت الثروة العقارية بالتجمع في يد طبقة محدودة ترتبط بمراكز القرار السياسي.

ومن هنا لا يمكن فهم التوترات الاجتماعية التي شهدها العراق في العقود اللاحقة بمعزل عن ملف الأراضي… ؛ فالمسألة لم تكن مجرد قضية عقارية أو نزاع على الملكية، بل كانت جزءاً من معركة أوسع حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والفرص داخل الدولة العراقية الحديثة.

إن مراجعة هذه الوقائع لا تهدف إلى إثارة الأحقاد أو إعادة إنتاج صراعات الماضي، وإنما إلى فهم الكيفية التي تشكلت بها البنية الاقتصادية للعراق الحديث… ؛ فالدول التي تُدار مواردها لصالح النخب المتنفذة تنتج تفاوتاً اجتماعياً عميقاً، أما الدول التي توزع الفرص والثروات بعدالة فإنها تؤسس لاستقرار طويل الأمد.

لقد سقط النظام الملكي منذ عقود طويلة، لكن الأسئلة التي أثارها ما زالت حية: من امتلك الأرض؟ وكيف امتلكها؟ ولمصلحة من استُخدمت ثروات البلاد؟ وما حجم الدور الذي لعبته الامتيازات السياسية والعائلية في صناعة طبقة عقارية مهيمنة على حساب ملايين العراقيين؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مجرد قراءة للماضي، بل هي محاولة لفهم كثير من أزمات الحاضر أيضاً.

……………………..

المصادر

أحمد سوسة، مأساة اللطيفية أو صفحات من ذكريات الماضي، مطبعة الأديب، بغداد، 1964، ص 12.

عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية.

حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية.

علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث.

دراسات الإصلاح الزراعي في العراق قبل ثورة 1958 وبعدها.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بلد العجائب الاقتصادية: حين تتحول الأجور إلى مرآة للظلم
- اغتراب الوعي وتغييب العقل في زمن الانهاك .. قراءة سياسية واج ...
- صوتُ الشعب خلف القضبان: قراءة في قضية اعتقال الإعلامي حيدر ا ...
- الجيش العراقي بين التأسيس الاستعماري ووظيفة الهيمنة الداخلية ...
- قل : الزمن الأغبر ولا تقل : الزمن الجميل
- فيصل الأول وبذور العنف الطائفي في العراق: الدولة التي وُلدت ...
- سلم الرواتب في العراق… بين عدالة الدولة وهاوية الفقر
- إسقاط الجنسية... حين تحوّلت الهوية الوطنية إلى منحة تمنحها ا ...
- هندسة الوعي : من فوضى البؤس والحزن إلى رحاب الفرح والسلام
- من القومية إلى الشوفينية: رحلة الانتماء نحو الكراهية
- من نقد الفكرة إلى اغتيال صاحبها : ثقافة التخوين والتسقيط في ...
- حيتان الامتيازات... حين تتعدد الامتيازات والصلاحيات والقرارا ...
- العراق أولًا… حين يكون حب الوطن واجبًا أخلاقيًا ووعيًا حضاري ...
- تفاوت الرواتب و الأجور في العراق: غياب الرؤية الاقتصادية وتك ...
- عرقنة التسميات والعناوين العامة في بغداد
- التجنيس الباطل : ارث الاحتلال الثقيل ولعنة الحكومات المتعاقب ...
- الوطنجية : حين تصبح الوطنية تهمة وشتيمة ؟!
- الطلقة أم السجينة ؟!
- الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي
- كرامة العراقي فوق الهراوة


المزيد.....




- وفد حزب الله لجنازة خامنئي يتلقى رسالة دعم إيرانية وتأكيد عل ...
- -منذ 23 عاما وأنتم تحاولون قتلي-.. تصريحات نارية لرونالدو قب ...
- تفاهم طهران واشنطن.. تل أبيب تعرقل بلبنان
- ما هي الثقافات التي بدأت بالمقارنة بين الآلهة والديانات ولما ...
- سرب من سفن أسطول المحيط الهادئ تصل إلى ميناء تشينغداو للمشار ...
- لقطات لإطلاق صواريخ مجنحة من على متن المدمرة الكورية الشمالي ...
- فرنسا.. غرق سفينتين جراء حريق هائل بميناء مرسيليا
- فرنسا.. نشوب نحو 20 حريقا كبيرا على خلفية موجة الحر
- ترامب يعتزم الاتصال ببوتين بعد لقائه زيلينسكي في تركيا
- تصعيد جديد في لبنان يشعل غضب الجامعة العربية


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الأمير زيد وأراضي أبو غريب… حين تحولت أملاك الدولة إلى ثروات شخصية