أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - مقولة «العراقي لا ينفع معه إلا السوط»... كذبة صُنعت لتبرير الاستبداد














المزيد.....

مقولة «العراقي لا ينفع معه إلا السوط»... كذبة صُنعت لتبرير الاستبداد


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 10:29
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


من أكثر العبارات المنكوسة التي تكررت في تاريخ العراق الحديث بل والقديم ، حتى كادت تتحول إلى "حقيقة" في أذهان البعض، تلك المقولة التي تزعم أن العراقيين لا ينفع معهم إلا العنف، وأنهم لا يستحقون الحرية، ولا تصلح لهم الديمقراطية، ولا يحكمهم إلا الحاكم القوي الذي يبطش قبل أن يتحدث، ويخيف قبل أن يقنع.
هذه المقولة لم تكن يوماً وصفاً موضوعياً لطبيعة المجتمع العراقي، بل كانت أداة سياسية ونفسية لتبرير الاستبداد والاجرام والارهاب ... ؛ فقد رددها طغاة، وروج لها منتفعون، وكررها بعض الكتّاب والإعلاميين المنكوسين والمؤدلجين والطائفيين ، وتناقلها أشخاص من خارج العراق لم يعرفوا من تاريخه إلا صور الانقلابات والحروب، حتى أصبحت تتردد على ألسنة بعض العرب والأجانب بوصفها تفسيراً جاهزاً لكل ما جرى ويجري في العراق.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل المشكلة في العراقي، أم في الأنظمة التي حكمته؟
إن مراجعة التاريخ العراقي تكشف أن معظم عقود الدولة الحديثة لم تُبنَ على المشاركة السياسية، ولا على سيادة القانون، ولا على احترام الحقوق والحريات، بل غلب عليها الانقلاب، وحكم الفرد والطائفة والمنطقة والعرق والحزب ، وهيمنة الأجهزة الأمنية، وتضخم سلطة الدولة على حساب المجتمع. وفي ظل هذا الواقع، كان من الطبيعي أن تلجأ السلطات إلى صناعة خطاب يبرر القسوة، ويصورها ضرورة وطنية لا غنى عنها.
لقد استند هذا الخطاب إلى فكرة بسيطة لكنها خطيرة: "العراقي بطبيعته لا يلتزم إلا إذا خاف." ومن هنا أصبحت القبضة الأمنية فضيلة، وتحولت العدالة إلى ضعف، وغدا احترام القانون مرادفاً للتهاون، بينما رُفع القمع إلى مرتبة الحكمة السياسية.
ويروي كثيرون ممن عاشوا تلك المراحل قصصاً عن مسؤولين أمنيين كانوا يبررون القسوة بالاستناد إلى قراءات انتقائية للتاريخ... ؛ فقد كان بعضهم يقول إن العراق، منذ العصور القديمة، لم يعرف الاستقرار إلا في ظل الحاكم الشديد، ويستشهد بالإسكندر المقدوني، أو بالحجاج بن يوسف، أو بغيرهما من الشخصيات التاريخية، ليخلص إلى نتيجة مفادها أن البطش هو الطريق الوحيد لحكم العراقيين.
غير أن هذه النتيجة لا تصمد أمام أي قراءة علمية للتاريخ... ؛ فالعنف قد يفرض الصمت، لكنه لا يصنع الاستقرار.. , والخوف قد يؤخر الانفجار، لكنه لا يزيل أسبابه... ؛ أما الدول التي قامت على القانون والمؤسسات والعدالة، فقد أثبتت أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالسجون، وإنما بثقة المواطن بدولته.
ولو كانت مقولة "العراقي لا ينفع معه إلا السوط" صحيحة، لما استطاع العراقي، عبر آلاف السنين، أن يؤسس واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية، وأن ينتج أولى القوانين المكتوبة، وأن يبني مدناً كانت منارات للعلم والفكر والإدارة... ؛ فالشعب الذي أنجب حضارات وادي الرافدين، وأسهم في بناء الحضارة الإسلامية، وقدم علماء وأطباء وفقهاء وأدباء ومفكرين، لا يمكن اختزاله في صورة نمطية صاغها المستبدون لتبرير استبدادهم.

إن هذه المقولة لا تسيء إلى العراقيين وحدهم، بل تسيء إلى فكرة الإنسان نفسها؛ لأنها تفترض أن شعباً كاملاً عاجز بطبيعته عن ممارسة الحرية، وأن الاستبداد قدره الأبدي... ؛ وهذا منطق عنصري يناقض حقائق التاريخ وتجارب الأمم... ؛ فما من شعب يولد مهيأً للديمقراطية، أو مهيأً للاستبداد، وإنما تصنع الأنظمة السياسية، والمؤسسات، والتعليم، والثقافة، طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
والمؤسف أن هذه النظرة لم تقتصر على بعض الطغاة، بل تبناها أيضاً أفراد ووسائل إعلام وخطابات سياسية خارج العراق، فصاروا يرددونها كلما أرادوا تبرير فشل تجربة سياسية أو تشويه صورة العراقيين.
إنها نظرة تختزل شعباً يزيد عمر حضارته على سبعة آلاف عام في أحكام مسبقة لا تستند إلى علم ولا إلى تجربة موضوعية، بل إلى انطباعات متراكمة وأهواء سياسية وصراعات أيديولوجية.
إن احترام العراق لا يكون بتقديس حكامه، ولا بتبرير أخطائهم، بل باحترام الإنسان العراقي، والإيمان بقدرته على بناء دولة عادلة إذا توافرت له مؤسسات حقيقية، وقضاء مستقل، وتعليم رصين، وإدارة كفوءة، ومواطنة متساوية.
لقد أثبت التاريخ أن الاستبداد لا يصنع أوطاناً قوية، وإنما يصنع مجتمعات خائفة.. , وأن البطش قد يطيل عمر السلطة، لكنه يقصر عمر الدولة.. , أما العراق، فلم يكن يوماً محتاجاً إلى مزيد من السياط، بل كان وما يزال بحاجة إلى دولة قانون، وعدالة، ومؤسسات، تحترم كرامة الإنسان، وتؤمن بأن المواطن ليس عدواً ينبغي إخضاعه، بل شريكاً في بناء الوطن.
إن مقولة "العراقي لا ينفع معه إلا العنف" ليست وصفاً للعراقيين، بل اعترافاً بفشل من حكمهم... ؛ فهي ليست حقيقة تاريخية، وإنما ذريعة استبدادية تكررت كلما عجزت سلطة عن كسب شرعيتها بالعدل، فلجأت إلى السوط بدل القانون، وإلى الخوف بدل الثقة، وإلى القوة بدل الدولة.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من حرق الملايين في تنور الجميلي الى مزرعة الجبوري في الصقلاو ...
- الويركو... من العهد العثماني الغاشم الى النظام الملكي البائس ...
- الأمير زيد وأراضي أبو غريب… حين تحولت أملاك الدولة إلى ثروات ...
- بلد العجائب الاقتصادية: حين تتحول الأجور إلى مرآة للظلم
- اغتراب الوعي وتغييب العقل في زمن الانهاك .. قراءة سياسية واج ...
- صوتُ الشعب خلف القضبان: قراءة في قضية اعتقال الإعلامي حيدر ا ...
- الجيش العراقي بين التأسيس الاستعماري ووظيفة الهيمنة الداخلية ...
- قل : الزمن الأغبر ولا تقل : الزمن الجميل
- فيصل الأول وبذور العنف الطائفي في العراق: الدولة التي وُلدت ...
- سلم الرواتب في العراق… بين عدالة الدولة وهاوية الفقر
- إسقاط الجنسية... حين تحوّلت الهوية الوطنية إلى منحة تمنحها ا ...
- هندسة الوعي : من فوضى البؤس والحزن إلى رحاب الفرح والسلام
- من القومية إلى الشوفينية: رحلة الانتماء نحو الكراهية
- من نقد الفكرة إلى اغتيال صاحبها : ثقافة التخوين والتسقيط في ...
- حيتان الامتيازات... حين تتعدد الامتيازات والصلاحيات والقرارا ...
- العراق أولًا… حين يكون حب الوطن واجبًا أخلاقيًا ووعيًا حضاري ...
- تفاوت الرواتب و الأجور في العراق: غياب الرؤية الاقتصادية وتك ...
- عرقنة التسميات والعناوين العامة في بغداد
- التجنيس الباطل : ارث الاحتلال الثقيل ولعنة الحكومات المتعاقب ...
- الوطنجية : حين تصبح الوطنية تهمة وشتيمة ؟!


المزيد.....




- استيقظ فوجده عنده.. دب يقتحم فندقًا فجرًا ويصل إلى غرفة أحد ...
- فرنسا وإسبانيا والبرتغال وغيرها.. حرائق الغابات تندلع بأجزاء ...
- حشود في طهران تودّع خامنئي وسط هتافات غاضبة ودعوات للانتقام ...
- -رجم ترامب-.. مراسم رمزية خلال جنازة خامنئي في إيران
- تحت أنقاض الزلزال: فتاة فنزويلية تروي أحداث 32 ساعة أمضتها م ...
- 4 قتلى بينهم 3 نساء في غارة إسرائيلية على النبطية الفوقا.. و ...
- -معركة البقاء- داخل أوبك بعد أزمة هرمز.. هل نشهد تفكك التكتل ...
- -يحمل رغبة شديدة في الانتقام-.. تقرير يكشف مخاوف إسرائيلية م ...
- اليابان: هل تصبح -الإمبراطورة- حلما مؤجلا؟
- أول لقاء رسمي يكشف أجندة الجامعة العربية في عهد أمينها العام ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - مقولة «العراقي لا ينفع معه إلا السوط»... كذبة صُنعت لتبرير الاستبداد