أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - العراق... عندما تصبح الحرب أسلوب حياة














المزيد.....

العراق... عندما تصبح الحرب أسلوب حياة


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 10:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن الحرب في العراق حدثًا عابرًا في صفحات التاريخ، بل كانت واقعًا يوميًا عاشه العراقيون جيلاً بعد جيل... ؛ حتى بدا وكأن هذا البلد لم يُمنح فرصة كافية ليتنفس خارج رائحة البارود، ولم يُتح لأبنائه أن يعرفوا معنى الاستقرار إلا بوصفه حلماً مؤجلاً.
تبدلت الأنظمة، وتغيرت الخرائط السياسية، وتعاقبت التحالفات والخصومات، لكن الإنسان العراقي ظل هو الذي يدفع الفاتورة في كل مرة... ؛ فالحروب لا تميز بين جندي ومدني، ولا بين طفل وشيخ، ولا بين مدينة وأخرى... ؛ إنها حين تبدأ، تبتلع الجميع.
لقد عرف العراقيون الحرب مع إيران، ثم حرب الخليج، ثم سنوات الحصار القاسية التي أنهكت المجتمع وأفقرت الدولة، ثم الاحتلال الأمريكي وما أعقبه من انهيار مؤسسات الدولة، ثم الإرهاب، ثم الحرب على تنظيم داعش، فضلاً عن موجات العنف الطائفي والنزوح والهجرة... ؛ وما بين حرب وأخرى، كانت تتراكم خسائر لا يمكن حصرها بالأرقام.
خسر العراق مئات الآلاف من أبنائه بين قتيل ومفقود وجريح، لكنه خسر أيضاً ما هو أبعد من ذلك. خسر طفولة أجيال كاملة، وخسر آلاف العلماء والأطباء والمهندسين الذين دفعتهم الحروب إلى الهجرة، وخسر مدارس أغلقت، وجامعات تراجعت، ومصانع توقفت، وأراضي زراعية أُهملت، ومدناً تحولت إلى أنقاض، وذاكرةً مثقلة بصور الموت أكثر من صور الحياة.
ولم يكن الفقر الذي أصاب ملايين العراقيين حدثاً منفصلاً عن الحرب، بل كان أحد أبنائها الشرعيين... ؛ فحين تنهار الدولة، ينهار معها الاقتصاد، وتتراجع الخدمات، وتتسع البطالة، ويصبح النزوح واللجوء والهجرة خيارات قسرية لا رغبات شخصية.. , وهكذا وجد ملايين العراقيين أنفسهم غرباء داخل وطنهم أو خارجه، يحملون ذكريات البيوت التي تركوها أكثر مما يحملون أمتعتهم.
والحقيقة التي كثيراً ما تغيب وسط الضجيج السياسي هي أن الحروب لا تنتهي بتوقيع اتفاقية أو إعلان نصر... ؛ إنها تستمر في ذاكرة الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وفي الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، وفي الرجال الذين أخفت التجاعيد ما تركته سنوات الخوف، وفي المدن التي تحتاج إلى عقود كي تستعيد نبضها.
لهذا، فإن أكبر خسائر العراق لم تكن خسارة أرض أو معركة، بل استنزاف الإنسان العراقي نفسه... ؛ فالإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن، وحين يُستنزف بالخوف والفقر والنزوح والانقسام، تصبح إعادة بناء الحجر أسهل بكثير من إعادة بناء الروح.
لقد علمتنا التجربة العراقية أن الحروب قد يصنعها الساسة، لكنها تُخاض في بيوت الفقراء، وأن قرارات تُتخذ في غرف مغلقة قد تغيّر مصير ملايين البشر لعقود طويلة.. , لذلك فإن حماية الأوطان لا تبدأ من سباق التسلح، بل من حماية الإنسان، وصون كرامته، وترسيخ العدالة، وبناء دولة تجعل الحياة أكثر قوة من الموت.

إن العراق لا يحتاج إلى ذاكرة تنتقم، بل إلى ذاكرة تتعلم.. , فالشعوب التي لا تواجه مآسيها بصدق، ولا تستخلص منها الدروس، تبقى أسيرة دورة لا تنتهي من العنف والخسارة.. , ولعل أعظم انتصار يمكن أن يحققه العراقيون بعد كل ما مروا به هو أن تصبح الحرب صفحة من الماضي، لا قدراً يتوارثه الأبناء عن الآباء.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تبديد المليارات: العبثية في الفساد والاستثمارات الخارجية
- العهد التنكي البائس: حين يتحول الفقر المدقع المنسي إلى -زمن ...
- الهجرات المتأخرة وبقايا الاحتلالات وإشكالية الاندماج الوطني
- طائفية الدولة الملكية العراقية بالوثائق والشواهد
- بين الإعجاب والتجاهل… ماذا يكشف عدم تفاعل الأصدقاء مع منشورا ...
- عندما يتحول الوطن إلى قربان للأيديولوجيا
- ياسين (الهاشمي) بين الإرث العثماني وأزمة الهوية العراقية: قر ...
- تراتيل المعاناة .. تأملات في جدلية المصيبة والابتلاء
- مقولة «العراقي لا ينفع معه إلا السوط»... كذبة صُنعت لتبرير ا ...
- من حرق الملايين في تنور الجميلي الى مزرعة الجبوري في الصقلاو ...
- الويركو... من العهد العثماني الغاشم الى النظام الملكي البائس ...
- الأمير زيد وأراضي أبو غريب… حين تحولت أملاك الدولة إلى ثروات ...
- بلد العجائب الاقتصادية: حين تتحول الأجور إلى مرآة للظلم
- اغتراب الوعي وتغييب العقل في زمن الانهاك .. قراءة سياسية واج ...
- صوتُ الشعب خلف القضبان: قراءة في قضية اعتقال الإعلامي حيدر ا ...
- الجيش العراقي بين التأسيس الاستعماري ووظيفة الهيمنة الداخلية ...
- قل : الزمن الأغبر ولا تقل : الزمن الجميل
- فيصل الأول وبذور العنف الطائفي في العراق: الدولة التي وُلدت ...
- سلم الرواتب في العراق… بين عدالة الدولة وهاوية الفقر
- إسقاط الجنسية... حين تحوّلت الهوية الوطنية إلى منحة تمنحها ا ...


المزيد.....




- أمريكا تعلن شن ضربات جديدة على إيران.. وتقارير عن انفجارات
- الحوثيون في اليمن يعلنون فرض -حصار بحري- على السعودية
- الولايات المتحدة تتهم كوبا باختراق مؤسساتها العليا عبر حملة ...
- -يرحل السياسيون ونبقى-.. القط -لاري- يرحّب برئيس الوزراء الب ...
- عون يبحث في واشنطن تحريك اتفاق الإطار
- بورنهام رئيسا للوزراء بعد طي صفحة ستارمر
- مساع للتهدئة بين واشنطن وطهران
- الجزائر وإسبانيا تبحثان ملفات مشتركة
- بدء المحاكمة.. أم متهمة بارتكاب جريمة تقشعر لها الأبدان بحق ...
- رسالة قوية من الأزهر بشأن الهجمات الإيرانية على الدول العربي ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - العراق... عندما تصبح الحرب أسلوب حياة