أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - عندما يتحول الوطن إلى قربان للأيديولوجيا















المزيد.....

عندما يتحول الوطن إلى قربان للأيديولوجيا


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 08:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لعلّ أخطر ما أصاب العراق خلال القرن الماضي لم يكن الاحتلالات والحروب والانقلابات وحدها، بل ذلك التحول العميق في الوعي السياسي والثقافي الذي جعل الوطن قيمةً ثانوية أمام شعارات كبرى عابرة للحدود. فمنذ عقود طويلة، تعرّض العراقي لعملية إعادة تشكيل لوعيه، قوامها إقناعه بأن انتماءه إلى العراق ليس الانتماء الأول، وأن عليه أن يقدّم وطنه قربانًا لمشروع أكبر، أو أيديولوجيا أوسع، أو هوية تتجاوز حدوده الجغرافية والتاريخية.

وهكذا، لم يعد العراق في نظر كثيرين غايةً بحد ذاته، بل أصبح وسيلةً لتحقيق غايات الآخرين. وتحولت الدولة العراقية، في نظر أصحاب المشاريع العقائدية والقومية والأممية، إلى مجرد محطة أو أداة أو ساحة صراع، لا إلى وطن مستقل له مصالحه الخاصة وهويته الوطنية التي تستحق الحماية.

لقد شهد العراق، منذ تأسيس الدولة الحديثة، موجات متلاحقة من الدعوات العابرة للحدود، وكل واحدة منها كانت تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وتطالب العراقي بالتخلي عن ولائه الوطني لصالح ولاء أوسع وأكثر قداسة في نظر أصحابها.

فدعاة القومية العربية طالبوا العراقي بأن يذوب في “الأمة العربية”، وأن تصبح بغداد مجرد مدينة ضمن مشروع قومي يمتد من المحيط إلى الخليج، حتى لو اقتضى ذلك الدخول في حروب وصراعات لا تخدم المصلحة العراقية المباشرة.

وفي المقابل، طالبت التيارات الإسلامية العابرة للحدود العراقي بأن يرى نفسه فردًا في “الأمة الإسلامية”، وأن تتراجع الحدود الوطنية أمام فكرة الدولة الإسلامية أو الخلافة أو المشروع الديني العالمي، حتى وإن أدى ذلك إلى إضعاف الدولة الوطنية وإثارة النزاعات الداخلية.

ثم جاءت الأحزاب الشيوعية والأممية لتطالب العراقي بأن يجعل ولاءه للطبقة والثورة العالمية، وأن تكون قضايا الصراع الأممي أولى من خصوصية المجتمع العراقي وتاريخه ومصالحه الوطنية.

كما ظهرت حركات بعثية وقومية متشددة رأت أن العراق ليس سوى قاعدة لمشروع قومي أوسع، ينبغي أن توظف موارده وثرواته وشبابه في سبيل تحقيق حلم الوحدة العربية، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية والاقتصادية والسياسية التي سيدفعها العراقيون.

وفي الضفة المقابلة، برزت مشاريع مذهبية وطائفية عابرة للحدود، جعلت الولاء المذهبي يتقدم على الولاء الوطني، وربطت مصير العراق بصراعات إقليمية وتوازنات خارجية، حتى غدا البلد ميدانًا مفتوحًا لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.

ولم تتوقف المأساة عند هذه المشاريع، بل ظهرت تنظيمات متطرفة رفعت شعارات إقامة الدولة الدينية أو الخلاص العقائدي، واستباحت المدن والقرى والناس باسم تطبيق إرادة إلهية مزعومة، فكان العراق أحد أكبر ضحايا هذا التطرف الذي دمّر الإنسان والحجر معًا.

وفي مراحل مختلفة، طُلب من العراقي أن يموت من أجل “الثورة العالمية”، أو من أجل “الوحدة العربية”، أو من أجل “تحرير الأمة”، أو من أجل “الخلافة”، أو من أجل “ولاية الفقيه”، أو من أجل “المظلومية التاريخية”، أو من أجل “المقاومة”، أو من أجل “المشروع الحضاري”، أو من أجل “تحرير القدس”، أو من أجل “القضية المركزية”، أو من أجل صراعات إقليمية لا تنتهي. وفي كل مرة كانت الشعارات تتغير، لكن النتيجة بقيت واحدة: العراق هو من يدفع الثمن.

لقد تحولت البلاد، مرارًا، إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الشرق والغرب، وبين القوى الإقليمية، وبين المشاريع العقائدية المتنافسة. وأصبح العراقي يُستنزف في معارك ليست معاركه، ويُقتل في نزاعات لم يخترها، ويُطلب منه أن يحتمل الفقر والحصار والخراب باعتبارها أثمانًا ضرورية لتحقيق أهداف لا تعود بالنفع على وطنه.

إن أخطر ما في الأيديولوجيات العابرة للحدود أنها تُقنع الإنسان بأن التضحية بوطنه فضيلة، وأن إضعاف دولته واجب، وأن ازدهار العراق يمكن تأجيله إلى حين انتصار المشروع الأكبر. وهكذا تصبح المصلحة الوطنية متهمة بالأنانية، بينما يُمنح الولاء للخارج أو للفكرة المجردة صفة البطولة والإخلاص.

ولم يكن الخراب الذي أصاب العراق خلال العقود الماضية نتاج التدخلات الخارجية وحدها، بل كان أيضًا نتيجة استعداد داخلي لدى بعض النخب السياسية والفكرية والدينية لتقديم الولاءات العقائدية والقومية والمذهبية على الولاء الوطني. فحين تتعارض مصلحة العراق مع مصلحة الحزب، أو الطائفة، أو الأمة المتخيلة، أو المرجعية الفكرية، أو المركز الخارجي، كان العراق في كثير من الأحيان هو الذي يُطلب منه أن يتراجع.

إن التجربة العراقية تقدم درسًا بالغ الأهمية، مفاده أن الدولة لا تُبنى بالأحلام الإمبراطورية، ولا بالشعارات الأممية، ولا بالمشاريع العقائدية العابرة للحدود، وإنما تُبنى بمواطن يؤمن أن وطنه هو مسؤوليته الأولى، وأن ازدهاره وأمنه واستقراره مقدمة على أي مشروع آخر.

ولا يعني ذلك الانغلاق أو العداء للشعوب الأخرى، ولا رفض الانتماء العربي أو الإسلامي أو الإنساني بوصفه انتماءً ثقافيًا وحضاريًا، بل يعني وضع هذه الانتماءات في إطارها الطبيعي، بحيث تبقى الهوية الوطنية هي المرجعية السياسية العليا، وتبقى مصلحة العراق هي المعيار الذي تُقاس به المواقف والسياسات.

فالوطن ليس عدوًا للأمة، وليس نقيضًا للدين، وليس خصمًا للإنسانية. لكنه الإطار الذي يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه وأمنه. وعندما ينهار الوطن، تتحول جميع الشعارات الكبرى إلى كلمات فارغة لا تمنع الجوع، ولا توقف الحروب، ولا تعيد المدن المدمرة، ولا تعوض الأجيال التي ضاعت.

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لفكرة العراق بوصفه وطنًا نهائيًا للعراقيين جميعًا، لا مجرد قاعدة لمشروع خارجي، ولا مخزنًا للثروات يُستنزف في صراعات الآخرين، ولا ساحة مفتوحة لتجارب الأيديولوجيات المتنافسة. فالعراق ليس وقفًا دينيًا، ولا إرثًا قوميًا، ولا ولايةً لمشروع إقليمي، ولا قاعدةً لثورة أممية، ولا منصةً لتصفية الحسابات الدولية.

إن العراق وطنٌ قائم بذاته، له تاريخه، ومجتمعه، وذاكرته، ومصالحه، ومستقبله. وكل فكرة، مهما بدت نبيلة أو مقدسة، إذا كانت تشترط التضحية بالعراق أو تفكيك دولته أو تمزيق وحدته أو استنزاف شعبه، فهي فكرة ينبغي مراجعتها ونقدها، لأن الأوطان لا تُبنى بالتضحيات من أجل الآخرين، بل تُبنى بالإيمان بها والعمل من أجلها.

فالأوطان ليست قرابين تُقدَّم على مذابح الأيديولوجيات، بل هي الغاية التي ينبغي أن تدور حولها السياسة، والفكر، والثقافة، وكل مشروع يسعى إلى بناء الإنسان والدولة.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ياسين (الهاشمي) بين الإرث العثماني وأزمة الهوية العراقية: قر ...
- تراتيل المعاناة .. تأملات في جدلية المصيبة والابتلاء
- مقولة «العراقي لا ينفع معه إلا السوط»... كذبة صُنعت لتبرير ا ...
- من حرق الملايين في تنور الجميلي الى مزرعة الجبوري في الصقلاو ...
- الويركو... من العهد العثماني الغاشم الى النظام الملكي البائس ...
- الأمير زيد وأراضي أبو غريب… حين تحولت أملاك الدولة إلى ثروات ...
- بلد العجائب الاقتصادية: حين تتحول الأجور إلى مرآة للظلم
- اغتراب الوعي وتغييب العقل في زمن الانهاك .. قراءة سياسية واج ...
- صوتُ الشعب خلف القضبان: قراءة في قضية اعتقال الإعلامي حيدر ا ...
- الجيش العراقي بين التأسيس الاستعماري ووظيفة الهيمنة الداخلية ...
- قل : الزمن الأغبر ولا تقل : الزمن الجميل
- فيصل الأول وبذور العنف الطائفي في العراق: الدولة التي وُلدت ...
- سلم الرواتب في العراق… بين عدالة الدولة وهاوية الفقر
- إسقاط الجنسية... حين تحوّلت الهوية الوطنية إلى منحة تمنحها ا ...
- هندسة الوعي : من فوضى البؤس والحزن إلى رحاب الفرح والسلام
- من القومية إلى الشوفينية: رحلة الانتماء نحو الكراهية
- من نقد الفكرة إلى اغتيال صاحبها : ثقافة التخوين والتسقيط في ...
- حيتان الامتيازات... حين تتعدد الامتيازات والصلاحيات والقرارا ...
- العراق أولًا… حين يكون حب الوطن واجبًا أخلاقيًا ووعيًا حضاري ...
- تفاوت الرواتب و الأجور في العراق: غياب الرؤية الاقتصادية وتك ...


المزيد.....




- حمد بن جاسم يوجه 5 أسئلة لإيران مبينا نظرة طهران لدول إقليمي ...
- عقيد متقاعد يوضح لـCNN طبيعة أهداف الضربات الأمريكية الأخيرة ...
- فيديو تجاذب المشاركين برفع نعش علي خامنئي لحظة دخول ضريح الح ...
- من دعم الأسد إلى الشراكة مع الشرع، كيف تغيرت العلاقات السوري ...
- طهران تعليقا على تصرحات روته:  أوروبا متواطئة في العدوان ويج ...
- أبراج الجماجم في بغداد!
- حمد بن جاسم: مذكرة التفاهم مع إيران لم تحقق السلام والخليج ب ...
- بسبب تحذيرات أمنية وقائية.. ترامب يغادر تركيا بطائرة الرئاسة ...
- -يونهاب-: الظهور العلني لكيم جونغ أون يبلغ ذروته منذ عام 201 ...
- ترامب يأمر بوقف التجارة مع إسبانيا بسبب الخلاف حول الإنفاق ا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - عندما يتحول الوطن إلى قربان للأيديولوجيا