رياض سعد
الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 15:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تقف بلاد الرافدين اليوم أمام مشهدٍ عبثيٍّ يتجاوز حدود الخيال، مشهدٍ تتجسّد فيه ظاهرةُ إتلاف الأموال العراقية الطائلة على أيدي طغمةٍ من السرّاق والفاسدين الذين حوّلوا المال العام إلى غنيمةٍ خاصّة.
إنها "بلادٌ عجيبة" بالفعل، حيث تتلاشى الثرواتُ المنهوبة في أتون الحروب والأزمات الخارجية، وكأنّ لعنةً جغرافيةً تطارد الأموالَ المسروقة.
والأشد مرارة أن كثيرًا من الأموال المنهوبة لم تُستثمر داخل العراق، بل هُرِّبت إلى الخارج... ؛ فالبعض استثمر في لبنان وخسر مليارات الدولارات بسبب الانهيار المصرفي وإفلاس البنوك هناك، وتُقدَّر بعض الأرقام المتداولة بعشرات المليارات من الدولارات... , وآخرون نقلوا أموالهم إلى سوريا فضاعت مع تغير الأوضاع السياسية وسقوط الأنظمة والتحولات الأمنية، وغيرهم استثمر في أوكرانيا فابتلعت الحرب جزءًا من ثرواتهم... ؛ وكأن الأموال التي سُرقت من العراقيين تحولت إلى وقود لأزمات دول أخرى، بينما بقي العراق يعاني نقص الخدمات وتدهور البنية التحتية.
وكثيرة هي الدول والجهات الخارجية التي ابتلعت اموال الفاسدين ... , اذ التهمت تلك الجهات وبشتى عمليات النصب والاحتيال والتهديد وصفقات الفساد ؛ استثمارات واموال الفاسدين ... ؛ وهكذا، وبقدرة قادر، تتحوّل أموالُ الفاسدين والفاشلين الذين امتصّوا ثروات العراق إلى وقودٍ لكوارث خارجية , وعمليات نصب واحتيال , وصفقات مشبوهة ، في سخريةٍ قدريةٍ لا تخلو من عبرة.
ولم تقف المأساة عند هذا الحدّ، بل نجد أن أحدهم يلهو ابنه بجهاز الموبايل، لتُفوتر عليه اتصالاتٌ متكرّرة تتجاوز كلفتها آلاف الدولارات بنهاية الشهر، وآخر يمتطي صبيانه أحدث السيارات الفارهة، في استهانةٍ صارخة بقيمة المال العام. هكذا، صارت أموالُ الأغلبية الساحقة من الأمة العراقية نَهبًا مباحًا للدخلاء والغرباء والعملاء والخونة والاجانب، وطُعمةً سهلةً لأبناء "الفئة الهجينة" التي لا تمتّ للوطن بصلة، أولئك الذين اتخذوا من الفساد هويةً .
لقد أصبح العراق أمام معادلة قاسية: شعب يزداد فقرًا وطبقة فاسدة راكمت المليارات ثم بددتها في استثمارات خارجية خاسرة أو أخفتها في مزارع وقصور وخزائن سرية.
وفي النهاية، لا يخسر الفاسد وحده عندما تضيع أمواله في الخارج، بل يخسر العراق مرة أخرى؛ لأنه خسر تلك الأموال يوم سُرقت، وخسرها ثانية يوم أُهدرت في مغامرات واستثمارات لم يكن ينبغي أن تخرج أصلًا من أرضه.
إن بناء الدولة لا يبدأ بزيادة الإيرادات فحسب، بل يبدأ قبل ذلك باسترداد هيبة القانون وتجفيف منابع الفساد، لأن الأمم لا تُفقرها قلة الموارد، وإنما يفتك بها فساد النخب التي تتعامل مع ثروات شعوبها وكأنها ميراث شخصي وغنيمة مباحة.
#رياض_سعد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟