|
|
سقوط آخر دويلات الفرنجة -الصليبيين-: السياق والمقدمات
علاء اللامي
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 12:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الهدف المرتجى من هذه المقاربة التأريخية التحليلية في ضوء منهج علم الاجتماع التاريخي لحدث إسقاط الكيان الإفرنجي الأخير المُسمى "مملكة بيت المقدس" وباللاتينية (Regnum Hierosolymitanum)، وانسحاب جيوشه ومستوطنيه عبر البحر الذي جاء بهم بعد قرابة قرنين على قيامها (من 1099 إلى 1291م)، خلال حرب لم تزد على 44 يوماً، هو محاولة استكشاف جوهر تلك التجربة الدامية وسياقها التأريخي الحقيقي. ومحاولة تفحص حقائق ذلك السياق الذي قاد إلى ذلك الانتصار، ومقارنته كيفياً مع حيثيات السياق الذي يعيشه المشرق العربي اليوم وفي القلب منه فلسطين. فهذا البلد العربي يحتله كيان استيطاني إبادي آخر مختلف في الدرجة لا في النوع، ويحاول أيضاً إبادة شعبه وتكريس مجتمع استيطاني غريب عنه. إنها أيضا محاولة لاستشراف آفاق الصراع مع هذا الكيان الجديد "الصهيوني" الإبادي النووي على أرض فلسطين. بين كيانين استيطانيين في بيئة غريبة تقول الفرضية التي تقدمها قراءتُنا التأريخية التحليلية لهذا الحدث بإمكانية حدوث الحسم الوجودي مع الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة في المدى المنظور أو المتوسط، مثلما حدث مع الكيان الإفرنجي القديم في الرابع من تموز / يوليو سنة 1291. تأسيساً على أنهما كيانان غريبان عن البيئة الجغرإناسية الشرقية التي رفضتهما وعزلتهما حتى استمكنت هذه البيئة استراتيجيا فلفظت الأول بعد قرنين من هيمنته مثلما ستلفظ الثاني (الصهيوني). السبب هو أنَّ هذين الكيانين غريبان أنثروبولوجياً وحضارياً وقد أُقْحِما في هذه البيئة بقوة سلاح الإبادة والتضليل الديني. وإنَّ الحسم الوجودي مع الكيان الغربي الصهيوني سيحدث كما تعلمنا دروس التأريخ سواء حدث ذلك عبر تفكك أو تفكيك هذا الكيان وانهياره بفعل عوامل داخلية يمكن أن تتحول إلى صراعية (اقتتال أهلي بين المستوطنين أو هجرات ضخمة مثلاً أو اختناق جيوسياسي تحت وطأة جرائمه الشنيعة وفقدان السند والحامي الغربي الإمبريالي). أو كنتيجة لموجة مقاومة فلسطينية عربية جديدة في ظروف مختلفة تزول فيها بعض أنظمة الاستبداد والتبعية والانعزالية العربية، وترتخي فيها قبضة الإمبرياليات النووية الغربية على العالم. أو بمزيج من جميع هذه الأسباب والعوامل والأساليب. وسيكون من أكثر هذه العوامل المساعدة على حدوث هذا الحسم تداعيات ومفاعيل الجريمة الضخمة التي ارتكبها هذا الكيان مُعبَّراً عنها بحرب الإبادة الجماعية الموثقة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وتصاعد موجة التضامن الأممي المتنامي وطويل النفَس الذي غاب عنها الجمهور العربي إلا في بلد أو بلدين. والجوهري في هذا العامل أنه اكتسب قوة تعميمية كبيرة نتيجة الاندماج شبه التام في العقلية الإبادية الشبيهة إلى درجة التطابق بالنازية الألمانية بين مؤسسات وأجهزة الدولة الصهيونية ومكونات المجتمع الاستيطاني "الإسرائيلي" الذي أيد دولته بنسبة لا سباق لها في تاريخ الحروب والاحتلال وتكاد تكون مطلقة. إنَّ تجربة إسقاط وتدمير دولة استيطانية غزوية هي مملكة بيت المقدس في مرحلتيها الأولى "المقدسية" والثانية في مرحلتها "العكاوية" بالقوة المسلحة لا يمكن التعامل معها بحثياً كحدث يمكن تكراره بشكل ميكانيكي كاريكاتوري بحت فهذا أمر لا عقلاني ولا تاريخي تماماً وإنما يمكن مقاربته واستلهامه ودراسة حيثياته بهدف الإضاءة على تضاعيف السياق الحاضر الذي نعيشه ويعيشه عالمنا. صدمة العنف الهذياني الأوروبي أحدث الغزو الإفرنجي العنيف للمشرق العربي صدمة عميقة على كل الصعُد ولا سيما النفسية والمعنوية إذ لم تشهد شعوب الشرق، بالرغم من الحروب والنزاعات المسلحة الكثيرة بينها، هذا المستوى الهذياني من العنف الدموي غير المسبوق يقوم به البشر ضد بعضهم. وبشكل أخص، يقوم به غزاة مسلحون ضد سكان مدنيين لا علاقة لهم بالحرب والصراعات بين الدول. وكان الرحالة ماركو بولو - كما يقتبس تشومسكي في كتابه 501 عاما والغزو مستمر- قد سجل بشيء من الدهشة والعجب أن جيوش العرب والشرقيين عموما حين كانت تشتبك في المعارك الطاحنة ضد بعضها تبقى حياة الناس غير المحاربين في الأرياف والمدن تسير بشكل طبيعي جدا! وقد بلغ هذا المستوى في "أخلاقيات" الحروب ذروته في ما عرفه الفقه الإسلامي بمبدأ العصمتين؛ عصمة الطفولة والأنوثة بما يترتب عليه من حصانة خاصة في الحرب تُحَرِّم قتل النساء والأطفال غير المشاركين في القتال حتى لو كانوا غير مسلمين ولكن السلفيات الانتحارية المعاصرة كسرت هذا المبدأ ولم تحترمه. أما الباحثة والمستشرقة البريطانية كارين آرمسترونغ فتسجل الآتي: "عندما احتل الصليبيون القدس سنة 1099، أصيب الشرق الأوسط بصدمةٍ جرَّاء مجازرهم التي ارتكبوها بحق سكَّان المدينة المسلمين واليهود (ونضيف: المسيحيين الأرثوذوكس). إنَّ ممارسة هذا العنف المنفلت من عقاله - من قبل المهاجمين الفرنجة - لم يكن مألوفاً هناك. ومع ذلك، استغرق الأمر خمسين عاماً إلى أنْ قام المسلمون بردِّ العدوان بشكلٍ فعليٍ/ مقابلة معها نشرت ترجمتها صحيفة "القنطرة" بتاريخ 30 آذار - مارس 2015"، وسنراجع هذا التقدير الزمني بعد قليل لإثبات عدم دقته. ويبدو أن تلك المذابح التي ارتكبها الفرنجة ضد سكان القدس العرب المسلمين واليهود تبدو ضئيلة مقارنة بالمذابح التي ارتكبتها الدويلة الصهيونية "إسرائيل" خلال حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة التي فاقت وفق بعض التقديرات مئة ألف إنسان غالبيتهم من الأطفال والنساء. وبقليل من التعمق في النظر المقارِن الموضوعي إلى حالة العنف الأوروبي الإفرنجي الفالت والعشوائي والشامل الذي لا يفرق بين أديان وقوميات ضحاياه، ولا بين كونهم أطفالا أو نساء أو شيوخا عزلاً وعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم نجد أن هناك ظلماً وإجحافاً بإلصاق ثيمة العنف المَرَضي الهذياني ببعض الشعوب كالأتراك أو المغول إذا ما قورنوا بالأوروبيين الفرنجة والجرمان ومنهم الفايكنغ والسكسون...إلخ. وبهذا المعنى، يمكن القول إنَّ المشرق العربي، وعلى امتداد الساحلين الشرقي والجنوبي للبحر المتوسط، شكل جدار الصد الأول أمام الزحف الإبادي الإفرنجي الذي كان سيستهدف شعوب الشرق كلها. لو قُدِّر له أن ينتصر على العرب المسلمين نهائياً ولصارت آسيا الغربية هي أميركا الجديدة الخالية من سكانها الأصليين! إذا كانت ردة فعل البيئة الشرقية على الغزو الدموي الإفرنجي - الذي أطلق عليه المؤرخون الغربيون، لا العرب المسلمون، تسمية دينية هي "الحرب الصليبية"، فيما سماها المؤرخون العرب المسلمون وعموم الشرقيين في حينها باسمها القومي "الحروب الفرنجية"، إذا كانت ردة الفعل تلك قد جاءت بعد نصف قرن على الغزو فإن كل الشروط والظروف الموضوعية الراهنة وموازين القوى المتغيرة باستمرار تجعل ردة فعل شعوب المنطقة على حرب الإبادة على غزة أقصر من ذلك بكثير. وإذا كانت الحروب الفرنجية "الصليبية" قد استمرت 196 عاماً وانتهت بسقوط آخر دولة إفرنجية في فلسطين ونعني مملكة بيت المقدس وعاصمتها عكا، فإنَّ الحرب مع الكيان الاستيطاني الخرافي الأيديولوجي "إسرائيل" قد تكون أقصر من ذلك بناء على عوامل وتجليات تظاهراتية عدة. والكيان الجديد "الصهيوني" على كل حال لم تمر عليه بعد نصف هذه المدة. ولكن هل يمكن إجراء أي مقارنات أو استشرافات بناء عليها بين ذلك السقوط وسقوط آخر محتمل في زماننا لدولة "إسرائيل"؟ لا يمكن الإجابة بحسم وبشكل ميكانيكي كما قلنا ولكن لنلق أولا نظرة على سردية المملكة الإفرنجية منذ بداياتها حتى سقوطها المدوي وتحولها إلى شيء من رماد التاريخ. تدقيق تأريخي لا بدَّ منه إن ما سجلته الباحثة آرمسترونغ من أنَّ أول رد فعل فعلي للعرب المسلمين على الغزو الصليبي حدث بعد خمسين عاماً، لا يبدو دقيقاً بمراجعة السرد التاريخي للحالة -الحادثة. وربما أرادت الباحثة الإشارة إلى معركة استرداد "الرها" التي حقق فيها العرب المسلمون أول انتصار كبير لهم سنة 1144 أي بعد قرابة نصف قرن فعلا وكانت هذه المعركة بمنزلة انكسار حقيقي في المسار الاستراتيجي للأحداث في مصلحة المشرقيين العرب المسلمين. هذا هو الاحتمال الأول، أما الثاني هو إنها قد تقصد معركة "عين التينة" قرب بيروت المحتلة من قبل الفرنجة سنة 1154م. وبالجملة، فإن هذا القول ليس دقيقاً تأريخياً البتة، فأول رد فعلي عربي إسلامي على الغزو الإفرنجي وأول مواجهة عسكرية كبرى ومباشرة حدثت بين المسلمين والفرنجة (الصليبيين) في بلاد الشام كانت في بداية الحملة الصليبية الأولى تخللتها محاولات نجدة وصِدام عسكري مبكر. ومن تلك المعارك؛ معركة عسقلان سنة 1099 بعد سقوط القدس بيد الفرنجة مباشرة. وفيها اصطدم الجيش الفاطمي بقيادة الوزير الأفضل بجيوش الفرنجة وانتهت المعركة بهزيمة الفاطميين. ومعركة حران - البليخ سنة 1104 على ضفاف نهر البليخ، وفيها تصدى الحليفان شمس الدولة جكرمش السلجوقي حاكم الموصل وسقمان حاكم ديار بكر التركماني. وفيها انتصر المسلمون انتصاراً كبيراً وأسروا الملك بلدوين الثاني والأمير جوسلين دي كورتيني وآلاف الجنود الفرنجة إضافة إلى مَن قُتل من هؤلاء وقدر عددهم بعشرة آلاف. وتعدُّ هذه المعركة أول هزيمة ثقيلة حلت بالصليبيين. ولكني سأخص معركة كربوغا، أولى هذه المعارك زمنياً (عام 1097 - 1098 م)، بوقفة خاصة هنا لأسباب سياقية سأوضحها في حينه بالرغم من أنها انتهت بهزيمة جيوش المسلمين. وفي التفاصيل، نعلم أن قوات الفرنجة الصليبيين الجرارة دخلت الأناضول وارتكبت فيه مجازر تقشعر لها الأبدان بحق المسيحيين البيزنطيين الأرثوذكس، كمجزرة مدينة زادار 1202 ومجزرة القسطنطينية 1204. وحين بلغت الحملة الصليبية تخوم الشام، فرضت حصاراً خانقاً على أنطاكية. وفي تلك الأيام اللاهبة جاء أول رد فعل من البيئة العربية الإسلامية على الغزو حين خرج من الموصل حلف حربي جرار مؤلف من عدة جيوش لإمارات المنطقة المتنافسة والحذرة من بعضها بقيادة الأمير كربوغا (أتابك الموصل السلجوقي) لفك الحصار الفرنجي عن أنطاكيا والاشتباك مع الغزاة خارج أسوار المدينة. دارت مواجهة ضارية انتهت بهزيمة القوات المسلمة نتيجة الانقسامات والمخاوف والأخطاء التكتيكية العسكرية التي حدثت خلال القتال بين أطراف الحلف، ما مهد لسقوط أنطاكية وتأسيس ثاني إمارة صليبية بالمشرق. ولكن الأمر الثابت أن رد الفعل الفوري والمباشر كان مبكراً ولم يتأخر كثيراً، كما قالت آرمسترونغ، بصرف النظر عن مآل هذه المعركة. مآثر التنوخيين الدروز بمعركة عين التينة أما رد الفعل الذي حدث بعد خمسين عاماً تقريباً، الذي تشير إليه آرمسترونغ فثمة احتمالان هنا؛ الأول قد يكون المقصود معركة "عين التينة" التي وقعت عام 1154م / 549 هـ، في عهد نور الدين محمود زنكي ابن عماد الدين الذي استرد في العام نفسه حكم دمشق. وبقيادة ميدانية تولاها الأمير زهر الدولة كرامة بن بحتر التنوخي وقواته من الموحدين الدروز. وقد انضم إلى التنوخيين مقاتلون مسلمون أفرادا وجماعات من الحواضر والبلدات المحيطة في البقاع والداخل، والذين هبوا للمرابطة والدفاع عن الثغور الإسلامية ضد الغزو الفرنجي تلبية لأوامر ونداءات نور الدين زنكي على الأرجح أو بتشجيع منه إضافة إلى دوافعهم الإيمانية الذاتية قطعاً. كانت القوات الفرنجية قد سيطرت على بيروت الفاطمية بعد حصار دام 11 شهرا قبل 44 عاما بقيادة الملك بلدوين الأول. وقد حاولت هذه القوات التقدم نحو الجبل والسيطرة عليه والتغلغل إلى المناطق المحيطة به سنة 1154. في هذه المعركة التي سميت معركة "عين التينة" في بعض المصادر، ومعركة "نهر الغدير" في أخرى، تولى الشيخ أبو العشائر بحتر بن علي بن الحسين التنوخي التخطيط للمعركة والكمين الرئيس فيها وتجهيز القوات. وقاد حفيده زهر الدولة كرامة بن بحتر ابن ناصر الدين سلاح الفرسان فيها. كان التنوخيون يحظون بدعم نور الدين زنكي ويتميزون بخفة وشراسة قتالية وقوة تحمل هائلة جبلوا عليها. ونفذ زهر الدولة كمينا قاتلا ضد قوات الفرنجة عند نهر الغدير قرب ما نسميه اليوم ضاحية بيروت الجنوبية وكبدهم خسائر فادحة أوقفت تقدمهم ثم كسرهم وأجبرهم على التراجع نحو حصونهم في بيروت الساحلية تاركين خلفهم أكداساً من جثث مقاتليهم. مجازر الفرنجة ببيروت لم توفر المسيحيين أما في معركة اقتحام الفرنجة لبيروت وهزيمة الحامية الفاطمية فيها سنة 1110م التي سلفت الإشارة إليها، فقد قتل الفرنجة عشرات الآلاف من سكان بيروت وفق بعض الروايات. إضافة إلى استعباد ألوف أخرى من الناجين وتعرضت المدينة لنهب كامل وتدمير شامل لأسواقها وبيوتها ومساجدها. وجرياً على عادتهم لم يفرق العسكر الفرنجة بين أهالي بيروت من العرب المسلمين والمسيحيين في تلك المقتلة. وهذا ما لا يريد أحفاد ضحايا الأمس تصديقه وأخذ العِبَر منه اليوم. لقد سقط في اقتحام الفرنجة لبيروت المئات، وربما الآلاف من المسيحيين الموارنة والروم الأرثوذكس والسريان والأرمن في بيروت. وسقطت أعداد أخرى منهم لاحقا في طرابلس بسيوف الفرنجة الغربيين. حدث ذلك رغم أن غالبية القيادات المسيحية المارونية، ولا سيما موارنة الجبل والمناطق الشمالية والكسروانية خالفت موقف المسيحيين الأرثوذوكس واليعاقبة وقفت مع الصليبيين عسكرياً ولوجستياً حسب بعض الروايات رغم الخلاف العقائدي بين الكنائس الشرقية والكاثوليكية اللاتينية. وانتهى هذا الخلاف قسراً بحركة تطهيرية إفرنجية أقصت غالبية الكادر الكنسي العربي والسرياني من الكنائس المهمة والتاريخية في بلاد الشام بدءاً من كنيسة القيامة في القدس وتعيين أبدال عنهم من اللاتين أو من عملائهم المحليين. استمرت، بعد ذلك، الغارات المتبادلة بين الفرنجة والتنوخيين سجالا حتى استولى نور الدين زنكي ابن عماد الدين في السنة نفسها على دمشق واعترف بالإمارة التنوخية في الجبل ومحيطه ورفع مستوى التنسيق والتعاون معهم ومنحهم رسميا صفة "حماة الثغور"، واستمر تحالفه معهم حتى عهد صلاح الدين الأيوبي. فقد استمر هذا الأخير على تحالف نور الدين الزنكي معهم، بل وطوَّر التحالف معهم أكثر من السابق. وكان صلاح الدين - على عكس مزاعم المغرضين والجهلة الطائفيين في أيامنا - معتدلاً عقائديا - فهو شافعي المذهب- ومنفتحاً على الأقليات الإسلامية كلها إلاّ فرقة الإسماعيليين النزاريين "الحشاشين" الذين استهدفوه شخصياً في أكثر من عملية اغتيال. ومن مظاهر انفتاحه واعتداله إنه جعل الشيعي العاملي حسام الدين بشارة الغسّاني أحد أمراء جيشه، ووثَّق تحالفه مع التنوخيين الدروز، واستعان بالمسيحيين الشرقيين واليهود. فكان سكرتيره الخاص ومستشاره المالي مسيحياً قبطياً يُدعى "صفي الدولة بن أبي المعالي" (الملقب بابن شرقي)، وطبيبه الخاص الطبيب والفيلسوف اليهودي الشهير موسى بن ميمون. وفي القدس كان المسيحي الفلسطيني حسام الدين عيسى الجراح أحد أمرائه وتقول بعض المصادر إنه كان أيضا طبيباً جراحاً ماهراً تولى العناية بالقائد الأيوبي، وإليه ينسب حي "الشيخ جراح" في القدس. ظلت بيروت ومعظم مدن الساحل الشامي تئن وتعاني تحت سيطرة الفرنجة حتى استعادها صلاح الدين الأيوبي عام 1187 م عقب انتصاره معركة حطين الحاسمة. غير أنَّ الصليبيين عادوا وسيطروا عليها سنة 1197م، خلال الحملة الألمانية. وظلت بأيديهم حتى حررها المسلمون سنة 1291خلال حملة المماليك موضوع حديثنا التي أنهت الوجود الإفرنجي الصليبي. وعندها بدأت الدويلات والممالك الإفرنجية تتهاوى واحدة بعد أخرى حتى سقطت مملكة بيت المقدس الثانية فانسحب الفرنجة وعززوا سيطرتهم على مناطق ساحلية ونقلوا عاصمتهم إلى عكا. هنا بدأ تاريخ المرحلة الثانية من مملكة بيت المقدس الثانية "العكاوية". مملكة بيت المقدس خارج بيت المقدس مملكة بيت المقدس، هي واحدة من أربع ممالك أقامها الغزاة الإفرنج القادمون من كافة أصقاع أوروبا. وكانت اوروبا آنذاك قد بدأت تفيق وتستيقظ من سباتها الطويل وتخلفها الثقيل. في حين كانت الحضارة العربية الإسلامية قد بلغت أوج ازدهارها ودخلت طور أفولها وانحدارها وتشظيها إلى دويلات وإمارات صغيرة، تتقاسم الهيمنة الشكلية عليها ثلاث دول؛ العباسية شرقا والفاطمية في وادي النيل والأموية في أقصى الغرب وعلى البر الأوروبي الأيبيري إضافة إلى دويلات متفرقة ومتقلبة الولاء مقابلها على البر الشمال أفريقي الغربي. والممالك الأربع على البر العربي شرقاً هي: -إمارة - كونتية الرها (أورفا في تركيا اليوم) وكانت من قبل دولة آرامية لغة وسكاناً وثقافة: وهي أولى الدويلات الإفرنجية التي تأسست عام (1098م) على يد بلدوين البولوني (من مقاطعة بولونيا الفرنسية)، وسقطت عام (1144م) على يد مؤسس الإمارة الزنكية عماد الدين زنكي الموالي اسمياً وشكلياً للخليفة العباسي ببغداد، المسترشد ثم المقتفي. -إمارة أنطاكية: تأسست عام (1098م) بقيادة بوهيمند النورماندي، وظلت قائمة حتى سقطت على يد المسلمين بقيادة السلطان المملوكي الظاهر بيبرس عام (1268م)، هازم المغول في معركة عين جالوت (1260م). -إمارة - كونتية طرابلس: تأسست عام (1109م) على يد ريمون الرابع دي تولوز، واستمرت حتى تم تحريرها على يد السلطان المنصور قلاوون عام (1289م) وتوفي بعدها بعام. -مملكة بيت المقدس: أهم هذه الدول. تأسست عام (1099م) بعد استيلاء الصليبيين على المدينة المقدسة. بالإضافة إلى هذه الدول الأربع الكبرى، أقام الفرنجة دولتين أو كيانين سياسيين الأول هو مملكة قبرص، والثاني هو إمارة في قيليقية للأرمن جنوب شرق الأناضول. وهما خارج نطاق بحثنا فلنعد إلى تجربة مملكة بيت المقدس: تأسست هذه المملكة وتدعى مملكة بيت المقدس الثانية، التي تُعرف أيضاً بـ "مملكة عكا"، في عام 1192م، وتسمى المملكة الثانية، تفريقاً لها عن الأولى التي تأسست في 15 يوليو 1099م، بعد نجاح الحملة الصليبية الأولى في السيطرة على الشام، واستمرت قائمة حتى سقوط عاصمتها القدس في يد صلاح الدين الأيوبي عام 1187م بعد انتصار المسلمين في معركة "حطين". أما مملكة بيت المقدس الثانية فجاء تأسيسها نتيجة الحملة الصليبية الثالثة، بعد توقيع "صلح الرملة" بين الأيوبي والملك الإنكليزي ريتشارد قلب الأسد. ففي سنة (1187م): استعاد صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس ومعظم مدن الساحل والشام بعد معركة "حطين". وحين فقد الإفرنج العاصمة انهارت مملكتهم بيت المقدس الأولى ورحلوا عنها نحو عكا، ولم يتبقَ في أيديهم إضافة لها سوى مدينة "صور" كمعقل رئيس. بعد أن حاصر الفرنجة في حملتهم الثالثة عكا تمكنوا من استعادتها عام 1191م بقيادة ريتشارد قلب الأسد وفيليب أغسطس. ولكنهم فشلوا في استعادة القدس فاتخذوا عكا عاصمة مؤقتة وبقيت مؤقتة حتى دمار مملكتهم الثانية. وفي صلح الرملة (سبتمبر 1192م) وقّع صلاح الدين وريتشارد اتفاقية سلام ألزمت الطرفين بالواقع العسكري الجديد. بموجبها تظل القدس في أيدي المسلمين (مع السماح للمسيحيين بالحج إليها دون سلاح)، في مقابل اعتراف الأيوبيين بسيادة الصليبيين على الشريط الساحلي الضيق الممتد من صور إلى يافا بما يشمل عكا. هذا ما تعلق بحيثيات السياق والمقدمات التي سبقت المعركة الفاصلة "معركة عكا" وانهيار الكيان الإفرنجي الأخير مملكة بيت المقدس وهروب الجيوش والمستوطنين الفرنجة عبر البحر الذي جاء بهم. وتفاصيل هذه المعركة وتداعياتها هو ما سيكون موضوعاً لوقفة مفصلة أخرى قريباً نتطرق في بدايتها إلى دروس فشل تجربة الاستيطان الإفرنجي واسع النطاق في بلاد الشام على الرغم من سيطرته العسكرية على الجغرافيا والديموغرافيا والثروات. *كاتب عراقي
#علاء_اللامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جمهورية العتبات الدينية توقع عقودا استراتيجية كبرى مع شركات
...
-
المصطلح الاجتماسي بين الاختلاق والواقعية: -الشيعية السياسية-
...
-
تمثال الجواهري الجديد لنداء كاظم وما أثاره من جدل
-
الزيدي في البيت البيض: بداية الاحتلال الأميركي الثاني
-
تمهيد: -تفكيك المصادرات في الخطاب السلفي الانتحاري الداعشي-
-
موت السيناتور الأميركي الصهيوني المثير للجدل أخلاقيا ليندسي
...
-
-صولة الفجر- ضد الفساد: جعجعة ولا طحين والنفط العراقي في خطر
...
-
نصيحة إلى شيعة أميركا في المنطقة الخضراء ببغداد
-
أمام الزيدي ثلاثة احتمالات أحلاها علقم قبل تسليم النفط العرا
...
-
أوف سايد... الفاسدون لا يكافحون الفساد!
-
لا جديد في لبنان: العدو وأعوانه يكررون أنفسهم منذ 17 أيار 83
...
-
لماذا هذه الخسائر الفادحة للمنتخب العراقي؟
-
ج2/ رجل أميركا الجديد في بغداد: نسخة من يلتسن أم السادات؟
-
ج1/ خطة الزيدي الاقتصادية: نسخة من يلتسن أم السادات؟
-
صمود إيراني حقيقي ولكن الحرب لم تنته بعد
-
جنوب أفريقيا تطلب تأجيل النظر في قضية الإبادة الجماعية: الأس
...
-
أرباح وخسائر إيران في الاتفاق الوشيك
-
ماريو بارغاس يوسا في بغداد 2003؛ هل جاء متضامنا أم مروِّجا ل
...
-
في الانثروبولوجيا الاجتماعية: شيعة وموارنة لبنان وعبث السفير
...
-
الفرات يفيض بعد عقود من الحصار المائي التركي
المزيد.....
-
أمتار قليلة تفصل بينهما.. كاميرا CNN توثق استهداف سفينة فلبي
...
-
توتر واحتجاجات في ماديسون بأمريكا بعد مقتل رجل برصاص الشرطة?
...
-
تحليل: إيران تستخدم مضيق هرمز كسلاح.. ومشاريع جيرانها تتجاوز
...
-
وزير الزراعة المولدوفي يستقيل بعد يومين من تعيينه
-
بغداد تنفي تقرير -نيويورك تايمز- حول الوساطة بين إيران والول
...
-
لماذا عبد الإغريق بطل -الأوديسة- لأكثر من ألف عام؟
-
حاكم مقاطعة كيروف: مقتل 6 أشخاص وإصابة 26 آخرين في هجوم صارو
...
-
ترامب و-روساتوم- وآفاق المشروع النووي السعودي
-
عامل حياتي قد يسرّع شيخوخة الدماغ
-
بالفيديو.. لحظة انتزاع السلاح وإطلاق النار في مواجهات قرية ت
...
المزيد.....
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
المزيد.....
|