|
|
الأقليات في سوريا بين الإبادة و الدخول في الذمة
مازن كم الماز
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 10:06
المحور:
حقوق الانسان
لا يوجد وضع يشبه وضع الأقليات الدينية و القومية و الطائفية في الشرق أو في بلادنا اليوم من وضع اليهود في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر ، لنبدأ بجيراننا الأقرب فقد جاءت فترة تحديث الدولة العثمانية أو بالأصح تحولها من دولة قروسطية إقطاعية عسكرية إلى دولة حديثة بوعود انعتاق هذه الأقليات و تجاوز حالة أهل الذمة و العيش الذليل و تحت تهديد دائم إلى المواطنة أو مساواة الجميع أمام القانون و إلغاء كل مظاهر و ممارسات التهميش و الإقصاء تجاههم لكن الأحداث سارت في إتجاه آخر عندما بدأت المجازر بحق المسيحيين و بدرجات أقل اليهود و الأقليات الطائفية الإسلامية لتصل ذروتها في الإبادة الأرمنية و السريانية و اليونانية … لكن الضربة الأعنف لانعتاق هذه الأقليات جاءت مع صعود الإسلام السياسي بشقيه السني و الشيعي … كان صعود أنظمة قومية عربية قد ترافق بتكريس الاضطهاد القومي للأقليات القومية في بلادنا ليأتي الدور على الأقليات الدينية مع صعود الإسلام السياسي … أقول الإسلام السياسي بشقيه السني و الشيعي لأن ما بدأته داعش و أخواتها مثلًا في مناطق تواجد الكلدان و الايزيديين و الشبك و المندائيين في العراق و سوريا أكملته فصائل الحشد الشعبي … هنا أيضًا كان التمييز ضد الأقباط مضاعفًا و مزدوجًا ، بدأه عبد الناصر من منطلق نصف ديني سرعان ما تعلمن و أصبح يرتدي لبوس القومية و حتى معاداة المستعمر قبل أن يبلغ ذروته مع هجمات داعش و حسم و جند بيت المقدس على كنائس الأقباط عدا عن بوغرومات متكررة على مستوى أقل يرتكبها أشخاص عاديون … اليوم في سوريا يوجد نظام إبادي لا يخفي لا هو و لا منظريه هدفهم في إبادة العلويين و الدروز كخطوة أولى تتلوها إبادات شاملة لكل ما هو غير عربي و سني … إذا عدنا قليلًا إلى التاريخ القريب فإن انعتاق غير المسلمين الذي بدأ مع قوانين التنظيمات العثمانية و سياسات محمد علي التي لم تفرق بين المصريين على أساس دينهم بقدر ما فرقت بينهم و بين النخبة التركية المملوكية و بين المصريين أنفسهم على أساس الانتماء الطبقي سار بخطى أسرع مع الانتدابات الأجنبية ثم ملامح دول ما بعد الاستقلال التي حافظت على شكل و مؤسسات الدولة التي أقامها المستعمر أو دولة الانتداب ثم مع صعود بعض أبناء هذه الأقليات إلى رأس السلطة كما في سوريا مع دخول مرحلة الانقلابات - "الثورات" العسكرية … يبدو اليوم الحديث عن أي انعتاق للأقليات في سوريا و العراق و غيرهما ضربًا من المزاح الأسود ، جرى عبر عقود طويلة الشغل على إعادة فرض وضع أهل الذمة على كل الأقليات بل و تشريع استباحتها بشكل قانوني بل و دستوري هذه المرة و ليس فقط في الممارسة ، جرى عبر عقود الإعداد لإبادة جماعية على نمط الهولوكوست اليهودي أو الأرمني و الذي يدخل اليوم حيز التنفيذ في سوريا … بالنسبة لجيراننا الأبعد كان انعتاق اليهود قانونيًا قد بدأ مع الثورة الفرنسية التي أعلنت مساواة كل المواطنين بغض النظر عن دينهم و ما أن جاء عام 1871 حتى كانت كل دول أوروبا الغربية قد سارت على نفس المنوال ؛ لكن نهاية القرن التاسع عشر جاءت بمجازر اليهود في روسيا ثم بقضية الضابط اليهودي الفرنسي دريفوس التي دفعت العديد من المثقفين اليهود من بينهم ماكس نورداو للحكم أن انعتاق اليهود قد فشل و أن معاداة السامية استمرت بعد أن تحولت من فكرة تستند على الدين إلى موقف عنصري عرقي لا يقل عنفًا و لا كراهية … الحل الذي اقترحه نورداو لهذا الوضع كان إقامة دولة يهودية … قضية دريفوس لعبت دورًا حاسمًا في تبني هيرتزل أيضًا لفكرة وطن قومي لليهود … خلافًا لما تردده السردية السائدة عندنا عارض اليهودي الوحيد في الوزارة البريطانية عام 1917 التي أصدرت وعد بلفور ، عارض إصدار الوعد باعتباره رضوخًا لمعاداة السامية … بلفور نفسه كان قد عارض في عام 1905 السماح ليهود أوروبا الشرقية بدخول بريطانيا … و بدون الدخول في تفاصيل تطور و صعود الحركة الصهيونية التي تتناقض مع السردية السائدة عندنا كبنود اتفاق فيصل وايزمان 1919 الخ ، يمكن القول أن الهولوكوست هو الذي وحد غالبية يهود العالم وراء الصهيونية … في أعوام 1946 - 1948 رفض الصهاينة مقترحين لحل مشكلة فلسطين نص الأول على إقامة دولة فيدرالية و الثاني بوضع فلسطين تحت وصاية دولية لخمس سنوات قبل أن يبدأوا بتطبيق خطة دال لتطهير الفلسطينيين عرقيًا من الجزء الأكبر من فلسطين … نعرف جميعًا بقية القصة انتهاءا بالحرب على غزة … تواجه الأقليات العرقية و القومية و الدينية في بلادنا اليوم لحظة صعبة ، إذا كان انعتاق اليهود غير ناجز بالفعل حتى في أوروبا الغربية في أوائل القرن الماضي فإن المطروح اليوم على الأقليات في بلادنا هو الاختيار بين وضعية أهل الذمة بالنسبة للمسيحيين و بين الإبادة لبقية هذه الأقليات … اذا كان بامكان اليهود بعد هولوكوستهم أن يبنوا أخيرًا ما اعتقدوا أنه سيحميهم من معاداة السامية و من أية إبادة قادمة أي دولة إسرائيل قوية الشكيمة فان هذه الإمكانية غير متوفرة بالنسبة لأقلياتنا و لو ان الهولوكست الدرزي في سوريا قد كرس مطلب بناء دولة درزية كحل وحيد مقبول للتهديد المستمر بمواصلة المذبحة ضدهم أما العلويون فهم مغلوبون تمامًا على أمرهم أمام الاستباحة اليومية التي تحظى بدعم كبير بين الأرياف و العشائر العربية السنية و بصمت أو تبرير جميع المثقفين العرب السنة تقريبًا لكن ما لا شك فيه أنهم لو قيض لهم الاختيار في وقت ما فلن يترددوا في المطالبة بدولة مستقلة يعتقدون ليس فقط بقدرتها على حمايتهم بل بأنها السبيل الوحيد لذلك و بالتأكيد ليس من دون سبب وجيه … لكن هل سيمكن حماية الأقليات بالفعل بتأسيس دول خاصة بها تمامًا كالسؤال عما إذا كان وجود دولة إسرائيل كافي لحماية اليهود … ليست المشكلة فقط في وجود الإسلام السياسي مرةً اخرى بشقيه السني و الشيعي و هو ما سيضع كل أقليات المنطقة و بدرجة تالية العالم بأسره في حالة تهديد مستمر ، بل أيضًا في أن تمتلك هذه الجماعات أو الدول التي تسعى لتشكيلها القدرة على الدفاع عن نفسها أي عن أفرادها … نشاهد اليوم انزياح في السياسة الامريكية و حتى الأوروبية في المنطقة بعيدًا عن إسرائيل باتجاه تركيا و السعودية و شاهدنا كيف تنكر ترامب لحليف مهم في سوريا مثل قسد عندما اقتضت المصالح الاميركية أو ربما مصالحه الشخصية ذلك و نذكر جيدًا كيف اتهمت امريكا و الغرب ايران بمجزرة حلبجة عام 1988 لتعود لتوجيه الاتهام لنظام صدام بعد ذلك بسنتين فقط و بدلًا من التفرج على طائراته و هي تلاحق الأكراد بالأسلحة الكيماوية فرضت يومها منطقة حظر لطيرانه و لاحقته حتى في داخل قصوره انتهاءا بإعدامه … لا يصمت ترامب فقط عن جرائم الجولاني فقط بل و يطالب بتوسيعها إلى لبنان و لو ان هذا قد يتغير لاحقًا إذا اقتضت الضرورة أو المصلحة … هذا طبعًا بفرض أن أيا من هذه الدول - الجماعات - الأقليات لن تنزلق هي الأخرى عندما تواتيها الظروف و كما فعل الصهاينة من قبل بالتحول هي ذاتها إلى دولة إبادة أو مشروع دولة إبادة … بكل الأحوال ليس فقط استقلال أقليات المنطقة بمن فيهم اليهود و تمتعهم بحقوق متساوية مع جيرانهم الأكثر عددًا بل وجودهم نفسه سيبقى في جميع الأحوال خاضعًا لجنون الكراهية و شهوة السلطة و الدماء عند النخب المتحكمة بوعي غالبية سكان منطقتنا و لمصالح القوى التي تستطيع حمايتهم أو تسليمهم لإباديين متعصبين متعطشين للدماء إذا كان ذلك يخدم مصالحها و سيستمر هذا حتى يستطيع البشر اكتشاف إمكانية العيش معًا كمتساوين و أحرار و عندما يتمكنون من القضاء على كل القوى التي تدفعهم لقتل بعضهم البعض في سبيل مصالحها
#مازن_كم_الماز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نحو ثورات جديدة ، نحو خطاب ثوري جديد 3
-
نحو ثورة ظافرة و حقيقية ، ما بعد هزائم الربيع العربي
-
نحو ثورة جديدة ، نحو خطاب ثوري جديد 1
-
إدارة التوحش السوري
-
العلويون في سوريا تحت خطر الإبادة الفعلية
-
من ساواك بنفسه ما ظلمك
-
الصغار في حروب الكبار
-
النظام الايراني بين نموذجي فيتنام و صدام
-
الشعب الايراني بين المتباكين و القتلة
-
نقد استعباد البشر و ذبحهم ليس فقط أخلاقي و إنساني بل شرط لأب
...
-
مأزق علاء عبد الفتاح كنموذج للناشط العربي
-
عن الصهيونية
-
فقط لو أني كنت أبو عمشة
-
عن البشر بين القطيع و الفرد
-
عن الآلهة و الأصنام التي تفتك بالأحلام و البشر
-
نظام الجولاني
-
الخطاب العنصري كخط دفاع أخير ضد الهمج
-
خيام ادلب و الاقتصاد السياسي للمظلومية و بيزنس الثورة
-
صورة الآخر و العدو عند المثقف العربي
-
النبي
المزيد.....
-
تقارير: إعدام شخص بتهم تتعلق بالاحتجاجات التي شهدتها إيران ف
...
-
عمدة نيويورك يعترف: لا سلطة لدي لاعتقال نتنياهو
-
الأمن الروسي: اعتقال عميل سرّب معلومات عسكرية لاستخبارات كيي
...
-
الاحتلال يشن حملة اقتحامات واعتقالات واسعة بالضفة
-
عمدة نيويورك يقر بالعجز القانوني عن اعتقال نتنياهو
-
نقابة حق للعمال و إرادة ورغبة
-
ممداني يعترف: صلاحياتي لا تسمح لي باعتقال نتنياهو إن زار نيو
...
-
في فيديو جديد.. زهران ممداني يقر بأنه -لا يملك السلطة القانو
...
-
مفوضة حقوق الإنسان: روسيا لا تحتجز مدنيين أوكرانيين
-
-نيويورك بوست- تكشف مفاجأة بشأن هوية مرشح ترامب لأمانة الأمم
...
المزيد.....
-
اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا
...
/ محسن العربي
-
مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي
/ عبد الحسين شعبان
-
حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة
/ زهير الخويلدي
-
المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا
...
/ يسار محمد سلمان حسن
-
الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نطاق الشامل لحقوق الانسان
/ أشرف المجدول
-
تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية
/ نزيهة التركى
-
الكمائن الرمادية
/ مركز اريج لحقوق الانسان
المزيد.....
|