أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - آمنة تباني - قرافة ..حينما يبعث العشق الحياة من صمت الترب!














المزيد.....

قرافة ..حينما يبعث العشق الحياة من صمت الترب!


آمنة تباني

الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 16:14
المحور: قضايا ثقافية
    


اللغة آية من آيات الله، سر بعمر الوجود وما ظل الوجود، هي ذلك الكائن الحي الذي يولد، وينبض بالحياة، ويتنفس بهواء المتحدثين به. وككل كائن حي، فإن اللغة إن لم تجد عوامل البناء، وشرايين التجديد، وبيئة مرنة تحتضن التحول، فإنها تذبل ويوارى جثمانها ثرى النسيان.

ولعل أعجب ما يهب اللغة سر البقاء، ويجعل دماءها متجددة دافقة، هي ظاهرة "هجرة الكلمات". نعم! فالكلمات كالبشر، ترحل وتعبر حدود الزمان والمكان، وتكسر قوالب الثقافة، وتمزق أسيجة المنطق لترتاد أفضية غير أفضيتها الأولى، وتكتسب في أوطانها الجديدة ظلالا دلالية لم تكن تخطر لها على بال.

إن الكلمة قد تولد في حضن مجتمع بشري ما لتصف معنى حسيا خالصا، ثم تسافر مع الجيوش، أو تسير في ركاب القوافل والرحالة، لتستقر في وجدان شعوب أخرى وتتحول إلى رمز ثقافي، أو تكتسب دلالة اجتماعية مغايرة تماما لأصلها.

وقد استفاضت دراسات فقه اللغة واللسانيات في رصد هذه الظاهرة المدهشة، حيث يشير المفكر المغربي عبد العلي الودغيري في أطروحاته حول اللسانيات والتطور اللغوي إلى أن حركة الألفاظ عبر الأقاليم هي التي تحمي اللغات من التصلب، كما نجد هذا المعنى حاضرا في دراسات الدكتور رمضان عبد التواب في كتابه "فصول في فقه العربية" حيث يوضح كيف تتغير دلالات الألفاظ بفعل الانتقال الجغرافي والاحتكاك البشري، مما يجعل اللفظ الواحد شاهدا على تاريخ من الترحال والمثاقفة.

ولعل من أعجب الشواهد التاريخية على هذه الهجرة المدهشة للكلمات، وكيف يعيد الوجدان الشعبي صياغة اللفظ ليربطه بسياق جديد تماما، حكاية الكلمة المصرية الشهيرة: "القرافة".

يطلق المصريون في بعض المناطق كلمة القرافة على المقابر، وهي مرادف للترب والمقابر والجبانة. وخلف هذا اللفظ الغريب الذي لا أعتقد أنه يوجد في لهجة غير لهجة المصريين، تختبئ حكاية مغايرة تماما.. حكاية بروح يمنية أصيلة تبدأ بنبضة قلب، وقصة عشق جاهلية عاصفة غيرت وجه الجغرافيا والتاريخ لأرض الكنانة.

تبدأ الفصول في قلب اليمن السعيد، بين ربوع قبيلة "المعافر" العريقة، حيث عاش رجل يدعى "سيف بن وائل" ملكت لبه امرأة مهيبة الشأن وعالية القدر تدعى "قرافة". كان حبا أسطوريا أذاب كبرياء الفرسان، ولا غرو أن يلتهب هذا الحب بعاطفة الغيرة الهالكة لدى عربي أصيل، فقد كان هائما بها منشغلا بتتبع خطاها، يتغزل بطيفها في غيابها وحضورها، وبلغ به فرط الهوى أن رأى ملامحها في وجوه الأطفال ونسمات الهواء. ولأن "قرافة" كانت ذات جلالة وشخصية طاغية لا تنسى، كسرت القاعدة العربية السائدة، ونسب الناس أبناءها وأحفادها لها بدل أن ينسبوا لأبيهم وأصبحوا يسمونهم "بنو قرافة".

عندما أشرق نور الإسلام، حملت قبيلة "بنو قرافة" سيوفها ورحلت صوب مصر ضمن جيش الفتح العظيم بقيادة الفاتح العظيم عمرو بن العاص. وهناك، شاركوا بكل فخر في وضع اللبنات الأولى لمدينة "الفسطاط" أول عاصمة إسلامية في أفريقيا، واختاروا لأنفسهم حيا سكنيا نابضا بالحياة في جنوبها الشرقي، عند سفح جبل المقطم الساحر، عرف تاريخيا بـ "خطة بني قرافة".

لكن، كيف تحول حي الأحياء إلى موطن للأموات في العقل الجمعي؟ المفارقة بدأت حين اتخذ سفح المقطم مقبرة للمسلمين في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، وكان رجل يدعى "عامر" أول من ووري الثرى بجوار هذا الحي. ومع تعاقب الأيام، وتداخل بيوت الأحياء مع شواهد القبور، صار أهل الفسطاط إذا قصدوا زيارة موتاهم يقولون: "نحن ذاهبون إلى قرافة". ورويدا رويدا، طوى النسيان اسم الجدة اليمنية والقبيلة العتيقة، وبقي اللفظ في اللهجة المصرية مرادفا للمقبرة.. إنها حكاية تفرد بها الوجدان المصري ووثقها مؤرخون كبار كالمقريزي في "خططه" وابن عبد الحكم في "فتوح مصر"، لتظل القرافة تهمس في أذن كل عابر: "أكرموا تاريخا ينساب في صخب المدن.. ثم يجتمع كله عندي".



#آمنة_تباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شبح -الفايكينغ- في الملاعب .. كيف انكسرت -مطارق ثور- أمام فؤ ...
- موت القارئ
- مصطلح الثقافة بين البعد الميتافيزيقي والرؤية السوسيولوجية و ...
- بيت أبي
- معركة بطلها فستاني الأزرق
- العجوز بين التشويه الثقافي وهيبة الحكمة
- الإنتماء ليس شرنقة
- جدلية الانتماء بين التعصب الواضح والتعصب المقنع ( دريد بن ال ...
- قطر أبي ..وموز أمي


المزيد.....




- مصدر لـCNN: إسرائيل تعتقد أن إيران نقلت يورانيوم عالي التخصي ...
- الجيش اللبناني: القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مقربة من ...
- تصعيد متواصل بين واشنطن وطهران.. والجيش اللبناني يبدأ الانتش ...
- امتداد حريق غابات في جنوب شرق فرنسا ورجال الإطفاء يكافحون ال ...
- -لم ألتقِ مجتبى خامنئي-.. عراقجي يكشف كواليس إدارة الحرب وال ...
- وقف النار في القطاع كذبة تكتب بدماء الغزيين.. 12 قتيلا منذ ف ...
- بريطانيا: آندي بيرنهام يكشف تشكيلته الحكومية ويستبعد الوزراء ...
- القواعد الأمريكية تتعرض لهجمات إيرانية: -الأردن أصبح هدفا مف ...
- مقابر الإلكترونيات الذكية.. الكارثة المنسية خلف الترقية السن ...
- بين المأساة الشخصية والمناورة السياسية.. كيف يصوغ خليل الحية ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - آمنة تباني - قرافة ..حينما يبعث العشق الحياة من صمت الترب!