أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - آمنة تباني - قطر أبي ..وموز أمي














المزيد.....

قطر أبي ..وموز أمي


آمنة تباني

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 23:56
المحور: قضايا ثقافية
    


بعيد صلاة العصر ، كل يوم كان الزمن يتنحى جانبا في مطبخنا ليعلن بدء شعيرة لا تقبل الارتجال، لم يكن الأمر مجرد إعداد مشروب، بل كان طقسا روحيا يبث السكينة في أرجاء البيت. كانت والدتي تحافظ بولاء لا متناه على إرث حي السويقة العريق، وهي تحضر القهوة في الإبريق الأزرق المفضل لديها، و بصرامة مقدسة تراقب غليانها وتصاعد رغوتها ورائحتها التي تدغدغ الحواس والأرواح، على نار أهدأ من أنفاس الحاضرين، ثم تضعها على الرخامة لتهدأ، كأنما تمنحها مهلة لتسترد سكونها ووقارها قبل اللقاء المرتقب بالشفاه.

في المقابل، كان والدي رحمه الله يترقب فنجانه الحلو زيادة بغبطة تفيض من أساريره، كان يعشق تلك الجلسة المسائية رفقة والدتي، ولست أبالغ إن قلت إنها كانت أسمى لحظات يومه، شرط أن تكتمل بحضورها،وما كان يزيد المشهد حياة هي تلك المناكفات العذبة بسبب طعم القهوة، فوالدتي كانت ترى في شغفه بالسكر وتفضيله للقهوة بطعم القطر قلة ذوق وجهلا بأصول شرب القهوة على الطريقة القسنطينية الراقية، التي تقدس القهوة "الموز" (متوسطة الحلاوة المائلة للمرارة) بينما كان والدي يتجاهل كلامها محتفظا بحقه في تكريس ذوقه الخاص، فما إن يجد أن ذوق قهوته يفتقد إلى الحلاوة المحبذة لديه حتى تمتد يده نحو السكرية في خلسة المحب، ليفرغ ملعقته تحت رقابة والدتي الممتعضة، التي كانت تمزج نقدها بالخوف على صحته وبالتعصب لتقاليد الطعم الموز الذي جعلني اتساءل منذ الصغر إلى اليوم عن سبب تشبيه طعم القهوة المتوسطة الحلاوة بطعم الموز، تلك الدرجة التي تقف بحذر على الحافة بين المرارة والحلاوة، يمكن تشبيهها بألف طعم آخر غير طعم الموز!

وليت نقد والدتي يقف عند حدود المذاق، بل يمتد لهندسة السكب! فالفنجان القسنطيني الأصيل حسب عرفها لا يجوز أن تتجاوز قهوته ثلثيه، ومن تزل يده بالملء فقد اقترف في عرفها خدشا لجمالية اللحظة وإهانة لأصول الضيافة.

أذكر يوما حل ببيتنا خالي وزوجته في زيارة مفاجئة ولم أكن قد حضرت من الغداء سوى ما يكفي لعددنا القليل : أنا وأبي وأمي وابن اخي. وجدت نفسي أهرول بين أرفف المطبخ، أسابق الوقت لأصنع من المتاح مأدبة تليق بضيوفنا، وحين حانت لحظة قهوة العصر، قدمت الصينية القسنطينية بكامل أبهتها من طقم الفناجين ومرش ماء الزهر إلى حاملة الملاعق وحاملة المناديل، لكن وفي لحظة سهو وأنا أحدث زوجة خالي تجاوزت قانون الثلثين في الفنجان الأول، لتنهال عليّ ملاحظات والدتي كوابل من التذكير بالبنود العريقة لتقديم القهوة.

تبادر الى ذهني سؤال الذوق الذي أثار جدل المفكرين: هل الأذواق لا تناقش؟
إن حالة والدتي ترفع الذوق من مجرد رغبة حسية إلى مرتبة الأصول والأخلاقيات. إنها تنحو به منحى "أوسكار وايلد" الذي يرى بأن الذوق الرفيع هو خط الدفاع الأخير ضد الابتذال. فصرامتها في ثلثي الفنجان ومرارة القهوة هي حراسة لهوية جماعية ترى أنها الأرقى والأصلح ضد فوضى العفوية لدى البدويين أو الليبيراليين الكافرين بأصولها الذوقية !

وفيما كان والدي وأنا في هفوة سكبي يمثل الحق في الذوق الشخصي والفلسفة العفوية في ممارسة ما نحب عند حدوده التي لا تؤذي أحدا غيرنا، كانت هي تمثل الذوق المعياري الذي يحفظ للمجتمع رقيه الجماعي. لقد كشف لي نقدها ذلك الخيط الرفيع بين حقنا في الاختيار، وواجبنا في احترام قوانين الإتيكيت، وكما يقول جبران: "ما أنبل القلب الذي لا يمنع الحواس من الاستمتاع، ولكن لا يتركها تملي عليه أحكامه"
الأجمل في كل ما تقدم أن سكر والدي قد ذاب في موز والدتي، ليصنعا مزيجا فريدا من العشرة الطيبة امتدت لخمسة عقود حيث أصبحت مرارة القهوة هي الحقيقة، وحلاوتها هي المودة التي جمعت بينهما تحت سقف واحد!






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- فوضى ودماء أمام القنصلية الأمريكية.. مقتل خامنئي يشعل مظاهرا ...
- -خطر كبير آت-.. حمد بن جاسم يحذر من -انزلاق- دول الخليج إلى ...
- بعد اغتيال خامنئي.. هل يفتح حزب الله جبهة المواجهة؟
- الترويكا الأوروبية: مستعدون لاتخاذ خطوات للدفاع عن مصالحنا ض ...
- ميرتس يحذّر من مخاطر التصعيد ويدعو للتخطيط لمرحلة ما بعد خام ...
- إسرائيل تنقل طائرة الحكومة الرسمية إلى مطار برلين لأسباب أمن ...
- التوتر سيد المشهد.. إلى أين يتجه التصعيد بين أفغانستان وباكس ...
- عاجل | أسوشيتد برس: مسلح يرتدي قميصا يحمل علم إيران يقتل شخص ...
- قصف -غريب- يضرب طهران.. أي أسلحة استُخدمت وماذا استهدف؟
- حملة انتخابية بالكونغو برازافيل لرئيس مخضرم ومعارضة منقسمة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - آمنة تباني - قطر أبي ..وموز أمي