أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - آمنة تباني - جدلية الانتماء بين التعصب الواضح والتعصب المقنع ( دريد بن الصمة ، ألبير كامو / روديارد كبلينغ)














المزيد.....

جدلية الانتماء بين التعصب الواضح والتعصب المقنع ( دريد بن الصمة ، ألبير كامو / روديارد كبلينغ)


آمنة تباني

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 08:20
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تتجلى جدلية الانتماء في الوعي الإنساني بوصفها صراعا مريرا بين مقتضيات العقل (العدالة/الحق) ونوازع العاطفة (القبيلة/الأرض)، وهو ما يضعنا أمام مقاربة فلسفية شائكة عند استحضار قول دريد بن الصمة: "وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت"، وقول ألبير كامو في سياق الثورة الجزائرية: "أؤمن بالعدالة، ولكنني سأدافع عن أمي قبل العدالة". إن دريد بن الصمة يمثل الفناء في الجماعة حيث يذوب الفرد في كيان القبيلة لدرجة التخلي عن الاستقلالية الأخلاقية، فغزيةالقبيلة هنا تمثل الوجود والعدم، والضلال معها آمن من الرشاد منفردا؛ وهذا يجسد الانتماء العضوي البدائي الذي يرى في الجماعة حقا مطلقا لا يقبل الجدل. في المقابل، يطرح كامو (أمي/فرنسا) كمرجعية عاطفية تتقدم على "العدالة" الكونية، وهو موقف ينم عن تمزق وجودي بين المبادئ الإنسانية التي نادى بها في فلسفته وبين الانتماء الوجداني للجذور، فإذا كان دريد قد استسلم لغواية الجماعة بدافع التضامن القبلي، فإن كامو قد انكفأ على الأم بدافع الخوف من فقدان الهوية، وكلاهما وقع في فخ التحيز البيولوجي الذي يضحي بالحقيقة والمظلومين في سبيل صلة الدم أو التربة. إن هذه المقاربة تكشف أن الانتماء حين يتجرد من الحس الأخلاقي يتحول إلى تعصب وجودي يحجب الرؤية الكونية، فبينما كان دريد يغوي مع قومه في رمال الصحراء، كان كامو يضيع بوصلة العدالة في أزقة الجزائر، ليؤكدا معا أن تغليب الانتماء الضيق على الحق الكلي هو سجن اختياري يجعل من الوطن أو القبيلة أو الطائفة أو المذهب جدارا يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، ويجعل التراث الإنساني المشترك ضحية لسكين الولاء الأعمى.

ولكن! تبقى هذه المكاشفة العارية التي ترفض التستر خلف أقنعة التبرير أشرف من موقف النفاق الاجتماعي والجبن المقنع الذي يمارس التعصب تحت ستار المبررات المختلفة، فهما لم يحاولا شيطنة الآخر أو تزوير الحقيقة لشرعنة مواقفهما، بل أقرا بوعي كامل بوقوع الخطأ فدريد بن الصمة لم يدع أن غزية على حق، بل قال: "إن غوت غويت "، معترفا بضلالها، وكامو لم ينكر قدسية العدالة، بل وضعها في كفة موازية لأمه واختار الانحياز العاطفي.

هذا التعصب الصريح يمثل ذروة المأزق الوجودي، حيث ينتفي النفاق وتسقط الذرائع الأيديولوجية هما لا يبرران القبح بل يختارانه انحيازا للهوية، مما يجعل من موقفهما صرخة في وجه المثالية المدعاة، واعترافا بأن الانتماء قد يكون قيدا مأساويا يدرك المرء فداحته ومع ذلك يعجز عن الفكاك منه، مفضلين جحيم الجماعة على فردوس الحقيقة المنفردة.

وعلى النقيض نجد الوجه الأبشع للتعصب وهو الأكثر شيوعا بل يكاد يكون العقيدة العامة التي تحكم الإنسان منذ المجتمعات البدائية حيث يغلف بصبغة أخلاقية زائفة لا يكتفي المتعصب عندها بالانحياز لقومه، بل يسعى لشرعنة هذا الانحياز عبر صياغة منظومات فكرية وقوانين دولية ويصل به الأمر إلى السقوط في مستنقع تزييف الحقائق التاريخية والواقعية لتبرير إقصاء الآخر وشيطنته. إن خطورة هذه العقيدة تكمن في قدرتها على تحويل الكراهية إلى واجب والعدوان إلى دفاع عن القيم الاستحقاقية مما يجعل التعصب يتجاوز كونه غريزة بدائية ليصبح هيكلا سياسيا وثقافيا يحكم العالم بالحديد والنار تحت لواء الحقيقة المطلقة، ولعل من النماذج التي مثلت هذا الاتجاه الأكثر دناءة من التعصب الأديب البريطاني "روديارد كبلينغ" صاحب كتاب "الغابة" الحائز على جائزة نوبل من أبرز الأمثلة التاريخية على الانتماء القائم على نفاق الأيديولوجيا وشيطنة الآخر فعلى عكس دريد بن الصمة أو كامو اللذين اعترفا بمرارة الموقف صاغ كبلينغ مفهوما سماه عبء الرجل الأبيض حيث لم يكتف بالتعصب لبريطانيا الاستعمارية بل ادعى أن استعمار الشعوب الأخرى هو واجب أخلاقي وتضحية يقدمها الغرب لمدنية الشعوب التي وصفها في قصائده بأنها نصف أطفال ونصف شياطين محولا الغزو إلى مهمة إنسانية زائفة تبرر القهر وتجرد الآخر من إنسانيته هربا من مواجهة الحقيقة المجرّدة وتزويرا للمبادئ الأخلاقية.



#آمنة_تباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قطر أبي ..وموز أمي


المزيد.....




- مقتل شخصين على الأقل في إطلاق نار داخل مركز تجاري بولاية ميش ...
- رئيس ليتوانيا يحذر من خطر تشظي -الناتو- إلى ثلاثة أجزاء
- تحذير لإيران و70 مليار يورو لأوكرانيا.. ماذا يحمل إعلان قمة ...
- بعد وقف إطلاق النار.. عودة أكثر من 640 ألف نازح إلى منازلهم ...
- هل الشر قابل للقياس؟.. 7 أسباب وراء صناعة -المجرمين-
- إيران ولبنان مباشر.. طهران تشيّع جثمان خامنئي واجتماع مرتقب ...
- الأبيِّض على خطى الفاشر.. هل يستفيق العالم قبل وقوع الكارثة؟ ...
- هل يظهر مجتبى خامنئي في جنازة والده؟
- بعد أسبوع من توقيعه.. انقسام داخلي وخروقات مستمرة تكبل الاتف ...
- محكمة الجنايات العسكرية بدمشق تبدأ محاكمة متهمين في أحداث ال ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - آمنة تباني - جدلية الانتماء بين التعصب الواضح والتعصب المقنع ( دريد بن الصمة ، ألبير كامو / روديارد كبلينغ)