مهران موشيخ
كاتب و باحث
(Muhran Muhran Dr.)
الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 15:26
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
النمسا
عاصر الشعب العراقي منذ اليوم الأول لتشكيلة مجلس الحكم تجمعات وتشكيلات حكومية وتحالفات سياسية شاركت فيها جميع المكونات السياسية والحزبية القومية منها والدينية والمذهبية والعلمانية والليبرالية والعشائرية. عصب هذه التحالفات سواء التي كانت ثنائية او ثلاثية اوكتلوية، محلية او اقليمية او دولية لم يكن صلدا لان التحالفات السياسية والتوافقات لم تكن مستندة الى المبادئ الوطنية ولم تضع نصب أعينها خدمة الشعب وانما خدمة مصالح احزابهم ومصالح قادتها المتنفذين. هذه التحالفات الغير الجادة كانت جميعها بالمطلق مشاريع نهب وسلب المال العام، مشاريع عابرة لمصلحة الوطن، لذا انهارت بسرعة و احيانا عشية التوقيع عليها ولم ترى النور. هذه التشكيلات السياسية الحزبية والبعض منها كانت ولا تزال تلبس العمامة الدينية هم الذين استغلوا السلطة بعد ان استلموا دفة الحكم على صحن من ذهب من سيدهم – الحاكم الأمريكي بريمر
هذه الطغمة المجرمة مارست على مدى عقدين من الزمن أبشع عمليات القتل الممنهج عبر التفجيرات بواسطة المفخخات وتشجيع الانتحاريين، المحليين منهم والمستوردون من دول عربية واسلامية (شقيقة)، وقد امتهنوا القتل عبر الاغتيالات الفردية بواسطة كاتم الصوت، سرقوا ونهبوا ثروات البلاد النقدية والعينية و افرغوا خزينة الدولة من المال والمسكوكات الذهبية، ولم يدخروا جهدا في تصفية العلماء والخبراء الفنيين والأكاديميين والضباط الكفوئين والطيارين، وبالمقابل بذلوا جهودا معتبرة على محاربة التعليم والتكوين والتربية مقابل التثقيف المركزي الخرافات والغيبيات واللطم الوحشي الإنساني. والنتيجة الحتمية لهذا السلوك الدموي الشنيع والمشين كانت ملايين القتلى والمعوقين والأرامل والأيتام والعاطلين عن العمل واطفال فقدوا مستقبلهم في الحياة الكريمة وأجبروا على ترك المدارس وقضاء اليوم في الشوارع والطرقات يبيعون قناني الماء
لا بد هنا التذكير من أن جميع هذه الاعمال الشنيعة شملت كل شبر مقدس من أرض الوطن من شمال زاخو الى جنوب الفاو بما فيها مدينتي كربلاء والنجف المقدستين حيث مراقد الائمة العظام وحيث موقع المرجعيات الدينية الشيعية وفي الطليعة منهم مسكن السيد السيستاني. السيستاني ومعه كل المرجعيات الشيعية لم يتحركوا ساكنا على مدى 23 عاما في إيقاف نزيف الدم ونزيف المال الحرام ونزيف الفكر الإنساني ونزيف التربية والتعليم، ناهيك عن نزيف الفساد الاداري، ونزيف فساد المخدرات والدعارة، ونزيف القاذورات في الشوارع والازقه وهي على بعد أمتار معدودات من مسكنهم.
المفاجأة الكبرى في صولة الفجر كانت تكمن القاء القبض على كبار سراق المال الحرام من اعضاء الحكومة المحلية لمدينة النجف الاشرف، طبعا هؤلاء الفاسدين في الحكومة المحلية في النجف هم ليسوا ازيديين ولا صابئة مندائيين ولا مسيحيين وإنما هم نجفيون احفاد شيعة علي تم تعيينهم بعد مصادقة المرجعيات الدينية على تعييناتهم في النجف وكربلاء مرورا ببغداد وانتهاء في البصرة. قد نسمع في الفترة القادمة اعتقال مسئولين سراق من داخل مؤسسة المراجع الدينية كالوقف السني والوقف الشيعي والعتبات المقدسة. الفاسدون لا دين لهم ، اذ جاء في خطبة جمعة للامام علي "دينكم ديناركم والنساء قبلتكم " . هذه الحقبة السوداء التي نعيشها في البلاد منذ السقوط ليست نتاج كارثة طبيعية خارجة عن ارادتنا شبيهة بالجفاف والتصحر أو هزة ارضية او تسونامي الخ. وانما نتاج تعاون مشترك بين الادارات الامريكية والطبقة السياسية (المدنية والعسكرية والدينية) ضمن معادلة سياسية كان يحمل امريكيا عنوان … زواج متعة
ان زيارة الزيدي الى امريكا ولقائه مع ترامب قد طورت المعادلة السياسية والاقتصادية والامنية بين الطرفين، الزيارة ستعمق طبيعة و مستوى علاقات وتاثيرات وتوجيهات امريكا الإملائية على ادواته التنفيذيين من كل الأحزاب بدون استثناء وعلى راسهم الشاب العظيم والوسيم علي الزيدي. أمريكا استهلكت زواج المتعة مع أدوات الشطرنج العراقيين الذين نصبتهم غداة تشكيل مجلس الحكم، هؤلاء المأجورين انتهت دورهم على مسرح الدعارة السياسية و خيانة الوطن، امريكا استهلكتها كليا ولم يعودوا ينفعون لشى لانهم اصبحوا - اكسباير
لهذا السبب اتجهت أمريكا الآن وبعد النجاحات الكبيرة في مشروعها المشترك مع اسرائيل الى تطبيق المرحلة الثانية والانتقال الى تنفيذ الخطوات اللاحقة في استكمال برنامجها الستراتيجي "الشرق الاوسط الجديد ". ان اطاحة نظام بشارالاسد وتعيين الجولاني بديلا عن الفأر الهارب وتوسيع رقعة الاحتلال الاسرائيلي بضم قرى سورية حدودية جديدة الى اراضيها، وبعد القضاء على حماس وإلغاء وجود غزة من خارطة المقاومة الفلسطينية وكذا الحال مع حزب الله بتوجيه الضربات الموجعة الساحقة له وإنهاء دوره في لبنان، انتقل المخطط الثنائي الامريكي – الاسرائيلي الى مرحلته الثانية بالهجوم الكاسح على إيران وإلحاق الهزائم العسكرية الكبرى والقضاء على العديد من قيادات الصف الأول المدنية والعسكرية. أمريكا مصرة بثبات على مواصلة نهجها الاحتكاري الهادف الى فرض سيطرتها على مضيق هرمز واستحكام السيطرة على الدول الغنية بالنفط والغاز بدء من فنزويلا مرورا بايران وصولا الى العراق مستغلة تطورات الحرب على اوكرانيا
إن طبيعة اللقاء الذي جمع بين ترامب والزيدي منذ اللحظة الاولى للاستقبال عند مدخل قاعة الاجتماعات كانت ملفتة للنظر إذ ترك انطباع وكأن الطرفين تجمعهم علاقة حميمية عميقة ، اما كلمات الترحيب والمديح المبالغ فيها في شخص علي الزيدي وخصوصية الدعوة الشخصية المتميزة لتناول الغذاء سوية كان بمثابة رسائل الى ايران والاطار التنسيقي في نفس الوقت بان الزيدي، ومن خلاله العراق اصبح في جيبنا خاصة عندما صرح ترامب من انه هو الذي اختار الزيدي و دعمه ليكون رئيسا للوزراء. الاريحية والسعادة انتابت الزيدي عند سماعه هذا الثراء من اقوى رجل في اقوى دولة في العالم ، ترامب واصل مديحه واعجابه بالزيدي مصرحا امام الجمع الكبير من كبار المسئولين وبحضورحشد من الصحفيين مع عدسات كاميراتهم من ان الزيدي زعيم قوي و سيبقى رئيسا لفترة طويل وسيصبح اقوى زعيم في الشرق الاوسط
كل هذا الغزل السياسي المعسل ينم من أن هذا اللقاء بين الطرفين هو ليس الاول هنا في واشنطن وان هذه الانطباعات الوردية لا يمكن ان تشكلت خلال شهر من بروز اسم علي الزيدي ولاول مرة على واجهة المسرح السياسي، وانما سبق للرجلين ان التقيا مرارا (سرا) عبر تقنيات التلفاز أو وسطاء من قبيل توم باراك، والمحادثات والتفاهمات بين ترام والزيدي قد سبقت انتخابه بأشهر طويلة.
الملفات العديدة والكبيرة و المعقدة والمتشابكة والمتشعبة في ذات الوقت المطروحة على مائدة التوقيع هي في ثلاث اتجاهات حيوية تشمل الشراكة الاستراتيجية في التعاون في ميادين النفط والغاز و الكهرباء وفي التعاون في قطاع الصيرفة المالية وكذلك توفير الامن لتشجيع الشركات الامريكية الكبرى المشهورة عالميا لتوظيف الأموال في تطوير العراق، طبعا بعد انهاء وجود الفصائل المسلحة الايرانية و العراقية الموالية لايران. ان هذا الحجم الهائل من الملفات كما و مضمونا تتطلب دراستها واعدادها العديد من لجان الاختصاص ويتطلب بذل جهد متواصل لسنة كاملة على أقل تقدير من كلا الطرفين قبل الوصول الى تفاهمات مشتركة على الخطوط العريضة.
من هذا الطرح الموضوعي يتضح جليا ان الملفات المطروحة على رئيس الوزراء العراقي والوفد المرافق له للتوقيع كانت معدة منذ سنة وربما اكثر ضمن ملفات تطبيق مشروع الشرق الاوسط الجديد وكانت جاهزة بانتظار الضوء الاخضر للتوقيع من قبل الشخص الذي تختاره أمريكا وفي الوقت الذي تختاره أمريكا. ان اختيار الوقت (أمريكيا) جاء بعد تنصيب امريكا رئيس جديد للجمهورية العراقية خلال فترة وجيزة بعد سبات سياسي دام سنة ونيف وبعده مباشرة تم تنصيب رئيس البرلمان وأعقبه تنصيب علي الزيدي رئيسا للوزراء. رئيس وزراء العراق الشاب الوسيم والعظيم يعتقد انه لا يمتلك خلفية سياسية وهو لم يشارك في انتخابات برلمانية لا بل حتى اقامته في العراق متباينة مع الاقامة في قطر. السؤال الذي يفرض نفسه هنا كيف استطاع إذن علي الزيدي في فترة وجيزة لم تتعدى بضعة أسابيع وبسرعة البرق من التعرف على ماهية شخوص أفراد كابينته الوزارية واستطاع في فترة قصيرة من الالتقاء معهم فردا فردا واستوعب امكانياتهم وكفائاتهم وطرح عليهم هذه الملفات المصيرية الشائكة وناقش معهم افرادا ومجاميع في لجان مختصة وانتهى باختيار اعضاء الوفد المرافق له لوضع لبنة عراق الغد السعيد في واشنطن
يقينا مائدة الغذاء كانت معدة منذ سنة والاستعدادات لاستقبال ضيف متميز كانت جارية على قدم وساق وكان تحضير الغذاء يجري على نار أمريكية هادئة، وثم شاء القرار الامريكي ان يحظى علي الزيدي حق الجلوس على مائدة غذاء احتفالية مع ترامب إيذانا منهما على فسخ عقد زواج المتعة التي كانت سارية منذ 2003 مع كل الحكومات العراقية "الايرانية " السابقة و الاعلان عن مشروع سياسي – اقتصادي – أمني جديد يتماشى مع متطلبات وتطلعات امريكا و اسرائيل لعشرات السنين القادمة
ان اللقاء الذي جمع بين ترامب والزيدي في واشنطن كان موعدا لإعلان وثيقة مشروع زفاف سياسي كاثوليكي بين امريكا والعراق خططت له أمريكا منذ مدة طويلة قبل أن يتعرف الشارع العراقي على الرجل الذي كلف بإحداث انقلاب ابيض في قصور المنطقة الخضراء وظهوره قائدا بارزا قويا و ثائرا و صارما من بين تشققات الإطار التنسيقي. هذا الشاب الوسيم العظيم ترك بصماته التاريخية على دور العراق في تحقيق مشروع المخطط الامريكي– الاسرائيلي المتضمن رسم خارطة جيوسياسية جديدة في المنطقة تحمل اسم الشرق الاوسط الجديد. الايام القريبة القادمة و تحديدا بعد عودة علي الزيدي الى المنطقة الخضراء سنتعرف على هوية الجنين الذي سيرى النور في العراق، المولود سيكون باكورة الزفاف الكاثوليكي في واشنطن وسيكشف لنا هذا المولود الجديد ما يحمل في طياته من …. مفاجئات وانبطاحات للعم ترامب بعد تقادم زواج المتعة الايرانية الهوى والإعلان عن زفاف أمريكي كاثوليكي صرف ، زفاف استراتيجي لا يجوز فصخه او الغائه مهما تعقدت المشاكل بين الطرفين
#مهران_موشيخ (هاشتاغ)
Muhran_Muhran_Dr.#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟